هل يمكن الوصول إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة؟
عاد مجدداً خلال الأيام القليلة الماضية تكرار الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ورغم كثافة هذه الأنباء والتأكيدات المتبادلة عن اقتراب الوصول إلى اتفاق، إلا أن عدداً من التعقيدات لا يزال حاضراً، ويمكن أن يفشل الوصول إلى توافق نهائي في اللحظة الأخيرة.
إن المسائل الخلافية بين الطرفين باتت معروفة، وجرى تداولها على نطاقٍ واسع، أما اليوم، فتؤكد وكالات الأنباء، أن الحديث يجري عن اتفاق من 14 بنداً، تشمل إنهاء العمليات العسكرية مع الالتزام الفوري بوقفٍ دائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع تعهد الطرفين بعدم التهديد باستخدام القوة، أو التدخل في الشؤون الداخلية. وفيما يخص مضيق هرمز، تتحدث المصادر عن إعادة فتح المضيق فوراً أمام الملاحة التجارية، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران. هذا بالإضافة إلى تثبيت فكرة أن تحصل إيران وعمان على إيرادات من العبور عبر المضيق، على أن يتغير اسمها من «رسوم العبور» إلى «رسوم خدمات» أو «رسوم إدارية» وهو ما يبدو غامضاً بنظر بعض الشخصيات داخل إيران، وينظرون له بنوع من الشك، تحديداً، بسبب تجارب سابقة مع الولايات المتحدة.
أما بخصوص الأموال المجمدة، فتشير التقارير إلى أن الاتفاق المزمع توقيعه يشير إلى أن الولايات المتحدة ستفرج عن 12 مليار دولار بشكلٍ فوري، وضمانات بتسديد 12 مليار أخرى في وقتٍ لاحق.
كما أن التفاوض حول الملف النووي يبدو أنّه- إن صحّة هذه التقارير- قد تقدّم خطوة أيضاً، بأن تلتزم إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، مع مناقشات لاحقة لآليات تخفيف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، كما يجب على طهران تجميد التخصيب في الوقت الحالي.
يمنح الاتفاق مهلة 60 يوماً لإجراء مفاوضات تقنية حول القضايا الشائكة، مع اشتراط انسحاب القوات العسكرية الأمريكية حتى تلك الإضافية التي جرى حشدها خلال الحرب.
عقدة الملف اللبناني
إن واحدة من الثغرات الأساسية في هذا الاتفاق، أو حتى خلال جولات التفاوض الماضية، هي الملف اللبناني تحديداً، إذ تصر طهران على أن وقف الحرب يجب أن يشمل الجبهة اللبنانية بشكلٍ إلزامي، وأنه على «إسرائيل» أن تنسحب من كل الأراضي التي احتلتها في الجنوب، وفي حين تبدي واشنطن مرونة ظاهرية في نقاش هذه المسألة، تصر «إسرائيل» أنّها ليست جزءاً من الاتفاق، وأنّها غير ملزمة فعلياً بتنفيذ بنوده، وتتمسك على هذا الأساس بضرورة استمرار حربها على لبنان.
إن هذا التناقض الظاهري يمكن أن يتحوّل سريعاً إلى صاعق لتفجير الاتفاق المزمع عقده، فإن الدور الذي تلعبه واشنطن وتل أبيب يجري بدرجة كبيرة من التكامل والتنسيق، فحتى وإن كانت الإدارة الأمريكية ترى ضرورة لإنهاء الحرب، إلا أنّها غير قادرة فعلياً على فرض شرطٍ كهذا على «إسرائيل» وتحديداً تحت ضغط اللوبي الصهيوني، الذي يملك حصّة كبيرة من القرار الأمريكي، وعلى هذا الأساس، إن عدم حسم هذه المسألة يمكن أن يهدد الاتفاق من أساسه، أو أن يقود إلى تهدئة هشة فقط لا غير! ومن هذه الزاوية قال البروفيسور ديفيد غيبس: إن «هذا الاتفاق لن ينهي الحرب؛ إنه مجرد اتفاق قبل الاتفاق. المشكلة الأساسية هي أن [إسرائيل] لن تتوقف عن قصف لبنان، وترامب ليس قوياً بما يكفي للوقوف في وجه الضغوط السياسية [الإسرائيلية]»
وكان موقف وزير الخارجية الإيراني واضحاً، إذ قال: إن «توقيع اتفاقية ضروري لترسيخ النصر الذي حققته إيران... لبنان سيكون جزءاً من الاتفاق، وإذا لم يتم الوفاء بالالتزامات، فإن المفاوضات بشأن التسوية النهائية لن تتم».
روسيا تدخل على الخط
إن التطور الأبرز في ملف إيران وعلاقتها مع دول الخليج إنما جاء هذه المرة من روسيا، إذ كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تطورات بخصوص «مفهوم الأمن المشترك في منطقة الخليج» الذي طرحته روسيا قبل سنوات، لبناء تفاهمات بطريقة سلمية بين إيران ودول الخليج العربية، بمشاركة أطراف أخرى، للوصول إلى أرضية مشتركة مبنية على التعاون. وفي هذا السياق صرّح لافروف في 11 حزيران الجاري: أن موسكو قامت بتحديث هذا المفهوم قبل أسبوعين، وأرسلته إلى جميع العواصم المعنية، بما في ذلك المنامة، وبدأت بالفعل في تلقي ردود فعل أولية.
وتشير المصادر الروسية، أن المبادرة هي طرح بديل يضمن حل المشاكل بشكلٍ سلمي، ويؤمن بناء الثقة بين إيران والعواصم العربية، كما يضمن أمن التجارة العالمية وإمدادات الطاقة التي تهددت بسبب التصعيد الأخير.
وأكد وزير الخارجية الروسي: أن بلاده مستعدة تماماً للتوسط بين إيران ودول الخليج لتهدئة التوترات، وانتقد في الوقت ذاته المحاولات الغربية لفرض الهيمنة وإملاء الشروط الخارجية على دول المنطقة، مشدداً على أن الحل يجب أن يكون سياسياً ودبلوماسياً، وينبع من طاولة مفاوضات تحقق توازن المصالح.
إن هذه المبادرة الروسية ليست جديدة على الإطلاق، وجرى طرحها والحديث عنها منذ زمن، إلا أنها لم تكن حاضرة بوضوح خلال فترة الحرب، كما لو أن المجال كان مفتوحاً أمام أطراف أخرى لحل المشكلة، وبات من الممكن بعد فشل المحاولات المختلفة، أن تعيد روسيا دفع مبادرتها إلى الأمام، وتحديداً بعد أن تضررت العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة، مما خلق واقعاً جديداً، يمكن أن تكون فيه حظوظ «مفهوم الأمن المشترك في منطقة الخليج» أكبر من أي وقتٍ مضى. ومن جانبٍ آخر، ترى مجموعة من الخبراء، منهم: العقيد دوغلاس ماكغريغور، وضابط الـ CIA السابق لاري جونسون، أن هذه المبادرة تطرح اليوم بدعم من الصين، وتعتبر تكاملاً مع جهود باكستان لتشكيل منظمة عسكرية إقليمية، تضم مصر والسعودية وإيران وباكستان، لتشكل هذه الدول تحالفاً فيما بينها، يمنع الصدامات العسكرية، ويركز بشكل أساسي على التهديدات الخارجية وتحديداً الـ «الإسرائيلية»
إعادة طرح هذه المبادرة اليوم، يعكس أن الظرف بات ناضجاً لدفع مشاريع جديدة مرتبطة بالكتلة الشرقية، وخصوصاً بعد أن أثبت الواقع أن أي حل مستدام لن يكون قادماً من واشنطن، أو تل أبيب، وتحديداً، بعد حجم التخريب الناتج عن سياستهم في المنطقة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282