أوكرانيا، حرب استنزاف طويلة...
ملاذ سعد ملاذ سعد

أوكرانيا، حرب استنزاف طويلة...

برزت مجموعة من التطورات العسكرية والسياسية المهمة خلال الأسابيع الأخيرة في الملف الأوكراني؛ من التصعيد المتبادل، إلى مبادرة زيلينسكي للقاء بوتين، وما تبعها من رد روسي حاسم، وصولاً إلى التحركات الأوروبية المتواصلة لمحاولة الحفاظ على تماسك جبهة الدعم الغربي. وهي تطورات تعكس في مجملها واقعاً أساسياً:

الحرب مستمرة، وأسبابها العميقة ما زالت قائمة، فيما تبدو موازين الصراع الدولي الأشمل حاضرة في تفاصيلها.


التطورات العسكرية... حرب استنزاف


شهدت الساحة الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً جديداً على المستويين الروسي والأوكراني، مع تكثيف الضربات الجوية والصاروخية الروسية من جهة، وتوسيع كييف لهجماتها بعيدة المدى داخل العمق الروسي من جهة أخرى، إلا أن قراءة المشهد من خلال الخرائط اليومية وتبدّل السيطرة على قرى أو بلدات محدودة لم تعد كافية لفهم طبيعة الصراع القائم.
فالحرب الأوكرانية منذ فترة طويلة تجاوزت كونها حرباً على بضع كيلومترات مربعة هنا أو هناك، وأصبحت حرب استنزاف شاملة تُقاس بالقدرة الاقتصادية والصناعية والبشرية على الصمود والاستمرار، ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
أوكرانيا اليوم لم تعد دولة تخوض حرباً اعتماداً على قدراتها الذاتية بقدر ما أصبحت دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات المالية والعسكرية والإنسانية الغربية. ميزانية الدولة، والقدرات العسكرية، وحتى جزء كبير من الخدمات الأساسية، بات مرتبطاً باستمرار تدفق الدعم القادم من الولايات المتحدة وأوروبا، بهذا المعنى، أوكرانيا هزمت تماماً منذ زمن بعيد.
من ذلك، إن الحديث عن حرب استنزاف بين روسيا وأوكرانيا لم يعد دقيقاً، وعملياً، تحولت الحرب إلى مواجهة استنزاف بين روسيا من جهة، والدول الأوروبية بمجموعها من جهة أخرى. فالأوروبيون هم الذين يمولون استمرار الدولة الأوكرانية، ويزوّدونها بالسلاح والذخائر، ويحاولون تعويض النقص المتزايد في الموارد والقدرات البشرية.

غير أن المعسكر الأوروبي نفسه لا يبدو في وضع مريح، فالأزمات الاقتصادية، وتباطؤ النمو، والضغوط المالية، والخلافات السياسية الداخلية، كلها عوامل تجعل من استمرار هذا الدعم بالوتيرة نفسها أمراً أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وفي المقابل، تواصل روسيا التكيّف مع الضغوط والعقوبات الغربية، مع الحفاظ على قدرة إنتاج عسكرية وصناعية تسمح لها بمواصلة العمليات لفترة طويلة.
من هنا، فإن حالة الجمود النسبي على الجبهة حالياً لا تعني توازناً «عسكرياً» بين طرفين، بقدر ما تعكس استمرار عملية استنزاف طويلة الأمد، يحاول فيها كل طرف إنهاك خصمه سياسياً واقتصادياً قبل تحقيق اختراقات ميدانية حاسمة...


رسالة زيلينسكي إلى بوتين... محاولة لتجميد الواقع القائم


سياسياً، برزت خلال الفترة الماضية رسالة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي اقترح فيها عقد لقاء مباشر بين الطرفين في دولة ثالثة، مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وبدء عملية سياسية انطلاقاً من خطوط التماس الحالية.
من حيث الشكل، حاولت كييف تقديم المبادرة باعتبارها سعياً دبلوماسياً لإنهاء الحرب. لكن من حيث المضمون، هناك قراءة مختلفة.
فالانطلاق من خطوط الجبهة الحالية يعني عملياً تثبيت الواقع الميداني الراهن، ومنع أي تغيّرات إضافية قد تحدث مستقبلاً، وهذا ينسجم مع إدراك متزايد داخل أوكرانيا ودوائر داعميها بأن التطورات العسكرية المقبلة قد لا تكون في صالحهم، وأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفرض خسائر إضافية ومضاعفة على كييف وعلى الأوروبيين.
بمعنى آخر، تبدو المبادرة محاولة لشراء الوقت وتجميد الوضع عند النقطة الحالية أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً لتسوية الصراع. كما أن الطروحات الأوكرانية والغربية ما زالت تتجنب التعامل الجدي مع جوهر المطالب الروسية، التي تتعلق بمسائل الأمن القومي الروسي، وتوسّع حلف شمال الأطلسي، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، والترتيبات الأمنية طويلة المدى في أوروبا الشرقية.

في المقابل، جاء الرد الروسي حاسماً. حيث رفض بوتين فكرة اللقاء المباشر في الظروف الحالية، مشيراً إلى أنها بلا جدوى، وأكد مجدداً أن أهداف العملية العسكرية الروسية لم تتغير، وأن موسكو ستواصل العمل لتحقيقها.
ويعكس هذا الموقف قناعة روسية بأن ميزان الوقت لا يعمل ضدها، وأن أي تسوية يجب أن تنطلق من معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب أساساً، لا من تجميد خطوط القتال الحالية وإرجاء المشكلات الاستراتيجية إلى المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تستمر موسكو في التأكيد على أن المسألة بالنسبة لها لا تتعلق فقط بأوكرانيا، بل بموقع روسيا الأمني والاستراتيجي في النظام الأوروبي ككل.


اجتماع لندن...تشدد أوروبي بلا رؤية واضحة


في السياق نفسه، تستعد لندن لاستضافة اجتماع يضم زيلينسكي وقادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول التي تمثل عملياً رأس الحربة الأوروبية في دعم كييف واستمرار المواجهة مع روسيا.
الاجتماع المرتقب سيبحث، وفق المعطيات المعلنة، سبل تعزيز الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، وتطوير الضمانات الأمنية الغربية، والحفاظ على تماسك الموقف الأوروبي في مواجهة موسكو.
غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم الدعم أو أشكاله، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى العواصم الأوروبية الكبرى حول كيفية إنهاء الحرب، أو تحقيق أي من أهدافها المعلنة.
فبعد سنوات من الصراع، لم تنجح أوروبا في فرض هزيمة على روسيا، كما لم تتمكن من تقديم تصور سياسي قابل للحياة لإنهاء الحرب. والنتيجة أن الاجتماعات المتتالية والمؤتمرات المتكررة باتت أقرب إلى محاولات لإظهار السيطرة على الوضع والحفاظ على تماسك المعسكر الغربي، أكثر من كونها خطوات تفتح مساراً جديداً للحل، أو أي تقدم لصالحهم.
كما أن الخطاب الأوروبي ما زال يتمسك بدرجة عالية من التشدد السياسي، رغم التكاليف الاقتصادية والأمنية المتزايدة التي تتحملها الدول الأوروبية نفسها نتيجة استمرار الحرب.


معركة دولية متعددة الساحات


في النهاية، يصعب النظر إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها ملفاً معزولاً عن بقية التحولات الدولية، فهذه الحرب ليست سوى ساحة واحدة ضمن مواجهة أوسع وأشمل تدور بين القوى الغربية من جهة، والقوى الصاعدة المنافسة لها من جهة أخرى.
ومن هذا المنظور، فإن فترات الجمود أو التباطؤ التي تشهدها الجبهة الروسية - الأوكرانية قد لا تعني بنفسها شيئاً بالضرورة، بقدر ما تعكس إعادة تموضع أو تركيز ضمن معركة دولية متعددة الساحات تمتد من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية وغرب آسيا وآسيا، وبمجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا بالدرجة الأولى.
ولهذا، فإن مسار الحرب الأوكرانية سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بالتطورات في الساحات الأخرى، تؤثر بها وتتأثر منها. وضمن الصورة الأوسع، فتبدو المؤشرات الحالية بالنسبة للغرب أقل إيجابية بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، في وقت تتزايد فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تواجهه على أكثر من جبهة، وفي آن واحد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281