مضيق هرمز… المعركة على إعادة صياغة القواعد
بعد أن نجحت الوساطة الباكستانية في الوصول لاتفاق هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة ودخلت حيّز التنفيذ في 8 نيسان الجاري، لم يعقد الطرفان سوى جلسة تفاوض واحدة، لم تصل إلى نتيجة، ما بدأ يزيد من حالة عدم اليقين مع اقتراب مدة انتهاء الهدنة يوم الثلاثاء 21 نيسان، وتحديداً كون أيام الهدنة شهدت حالات من التجاذبات الشديدة، وصلت إلى خطوات عسكرية من الطرفين.
تعلّقت الكثير من الآمال على جولة المفاوضات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وتحديداً من قبل أطراف إقليمية تظهر قلقاً متزايداً حيال ما يجري، فالمسألة لم تعد محصورة فقط بمخاطر عسكرية، أو ارتفاع في حدّة المواجهات، ودخول أطراف
جديدة، بل إن التركيز ينصب بشكلٍ واضح على تداعيات اقتصادية عميقة تشمل تغيير بنى قائمة على اتفاقيات، أو تفاهمات يبدو أن الوقت حان لتغيرها ووضع قواعد جديدة، والمشكلة تكمن في أن مرونة بعض الدول واستعدادها لتغيرات بهذا الحجم متفاوتة كثيراً. إيران مثلاً، ونظراً لكونها خاضعة للعقوبات لفترة طويلة زمنياً كانت قادرة على بناء اقتصاد متين قادر على التأقلم مع التقلبات السياسية، وطوّرت خلال عقود شرايين اقتصادية تسمح لها بالبقاء، بل ووجدت طهران في قوى الشرق خياراً استراتيجياً يسمح لها فعلياً ببناء اقتصادها، بعيداً عن الوصفات الغربية. لكن الوضع في دول الخليج مثلاً يختلف جذرياً، فعلى الرغم من أن السنوات الماضية شهدت ظهور توجهات لمزيد من الاستقلالية في دول الخليج، وتنويع مدخلات الميزانيات، إلا أن المهمة لم تنجز كلياً، وهناك فروق واضحة بين مدى إنجازها بين دولة خليجية وأخرى.
احتمالات مفتوحة
إن نظرة متفحصة للأيام القليلة الماضية تكفي للوصول إلى استنتاج بأن بقاء الأمور على حالها هو احتمالٌ وارد، فإن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لم تصل بعد إلى نتيجة، وأن عودة الولايات المتحدة للحرب بالزخم السابق، ستكون لها تكلفة باهظة جداً، كما أن الاعتراف بالهزيمة وقبول نقاط إيران العشر، سيكون له تداعيات خطيرة أيضاً، وتحديداً على دور ووزن الولايات المتحدة في العالم، ما يمكن أن يحوّل الوضع «المؤقت» الحالي إلى أنسب خيار بالنسبة لواشنطن. لكن إيران لن ترى ذلك مناسباً، كونه يبقي احتمالات الحرب قائمة، ويمنع طهران من الاستقرار الضروري لترميم الأضرار.
لكن إذا أعدنا وضع الاحتمالات الممكنة، نرى أننا أمام احتمال تجدد الحرب، أو الوصول إلى اتفاق بالشروط الإيرانية، أو مع بعض التعديلات عليها، وأخيراً، عدم الوصول إلى اتفاق، وعدم تجدد القتال، ما يعني ترك الحالة الهشة الراهنة قائمة. وفي جميع هذه الاحتمالات سيكون لزامناً على الدول التي تريد الخروج في أقل الخسائر الممكنة، أن تسرّع بشكل كبير من عملية الانتقال إلى وضع جديد، يمكن أن تتغير فيه كل القواعد التي كانت قائمة، وبدت بذهن البعض باقية للأبد!
ماذا يعني أن تتحكم إيران في هرمز؟
واحدة من الفرضيات التي يمكن نقاشها، مرتبطة بمستقبل المضائق المائية، وما يعنيه ذلك من تأثيرٍ على الاقتصاد العالمي، ففي حالة هرمز تُظهر إيران إصراراً كبيراً على التحكم في الملاحة فيه، وتحديد مسارات بحرية محددة للسفن التجارية، لكي تكون تحت رقابتها المباشرة، ما سيعطي إيران موقعاً متميزاً ضمن كتلة قوى الشرق، ويؤمن واحداً من المضائق الاستراتيجية، ويمنع الولايات المتحدة من استخدامها كسلاح في وجه الصين مثلاً. ومن جهة ثانية وبالرغم من أن هذا النوع من الاضطرابات يؤثر في نهاية المطاف على الجميع دون استثناء، لكنّه في الوقت نفسه له تأثير أكبر على القوى الغربية التقليدية، التي تعتمد بشكل أساسي على النقل البحري، ولا تملك الكثير من البدائل، مقابل قدرات القوى قارية، مثل: الصين وروسيا والهند وغيرها... وتطوير بدائل برية، نظراً لوجود حدود برية ضخمة، وبنية تحتية يجري بنائها لهذا الغرض تحديداً، منذ أكثر من عقدٍ مضى.
إن نجاح إيران في فرض شروطها على المضيق، إن تم، سيكون له تبعات في عددٍ من المجالات، وهو واحد من الأسس المادية الضرورية لتفكيك الهيمنة الغربية على التجارة، لما يعنيه ذلك من تغييرات في كل آليات عمل شركات التأمين، وتكاليف النقل البحري وغيرها، بل إن المؤشرات الأولية هي أن نظام البترودولار يهتز، وهناك تقارير أن إيران تبيع شحنات من نفطها باليوان الصيني، وتحديداً للهند، التي بدأت تستخدم عملات مختلفة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، سواء من روسيا أو من إيران. وهو ما يشكل ضربة جديدة لنظام البترودولار، وعلاقة الدولار الأمريكي بأسواق الطاقة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، وما نتج عنها من خروج كتلة مؤثرة من خامات الطاقة من مظلة التسعير الدولاري.
التحولات السريعة
المعركة التي تدور في منطقة غرب آسيا اليوم شديدة الخطورة ولا يمكن حتى الآن أن نضع تصوّراً واضحاً للمخارج، لكن نتائجها تظهر تدريجياً، فإن استمرار الحرب أو انتهاءها سيقودان إلى النتائج ذاتها، ربما بفوارق زمنية، فالحرب تمثل خطورة عالية، وعلى هذا الأساس تتعامل كل دول المنطقة الجدية مع ما يجري حولها، وتحاول إيجاد بدائل وتحصين نفسها، ما يسرّع فعلياً الانفكاك عن الولايات المتحدة اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، وإن انتهت الحرب اليوم، ذلك لن يعني أن هذه التوجه سيغيب بل على العكس، سيظل الابتعاد عن الولايات المتحدة وتنويع الشركاء استراتيجية أساسية لن تغيب، وتكون الحرب العدوانية على إيران من هذه الزاوية قد سرّعت عملية التحول هذه وأعطتها دفعة جدية.
إن قبول واشنطن بشروط إيران العشرة، يعني أن وزن إيران ودورها الإقليمي تعزز بشكلٍ كبير في الإقليم، وإن استغل النظام الإيراني الظرف الحالي واللحمة الوطنية الداخلية في معالجة المشاكل الكبيرة في الداخل، يمكن أن تتحول إيران سريعاً إلى مركز أساسي لرسم سياسات الإقليم، وعلى هذا الأساس لن يكون من الممكن تجاهل طهران أو القفز فوقها. وستكون دول الخليج مضطرة للمضي قدماً للتقارب مع إيران بسرعة، وهو ما يفسر أن أيران تصر حتى اللحظة على إرسال إشارات إلى دول الخليج حول انفتاحها لبناء تفاهمات بينية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
يظهر اليوم، أن هناك بعض الخلافات في تقديرات النتائج العسكرية للمعركة التي دارت بين إيران من جهة والولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة ثانية، لكن هناك إجماع شامل أن قدرات الولايات المتحدة غير كافية على الإطلاق لأي مواجهة مع الصين، ولن يكون هذا مطروحاً على الطاولة، فإن معركة مع إيران كانت شديدة التعقيد بالنسبة لواشنطن، ولم تستطع تحقيق أهدافها.. بل ومُنيت بخسائر شملت معدات شديدة التطور وبنية حديثة ثمينة، فكيف يمكن أن تكون الصور عند الحديث عن أي مواجهة مع الصين، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة؟ وهو ما يمكن أن يكمل جزءاً آخر من الصورة، وتحديداً بعد أن بات- من الممكن نظرياً- الحديث عن سيطرة صينية على طرق بحرية حيوية في شرق آسيا، وتكون بذلك قد انقلبت الآية، فبدلاً من حصار الصين عبر المضائق البحرية، تخضع هذه النقاط الحيوية لسلطة دول بريكس وتعمل في خدمتها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274