وقف إطلاق النار فُرض قسراً على «إسرائيل»

وقف إطلاق النار فُرض قسراً على «إسرائيل»

بعد جولة حرب شرسة وعنيفة خاضتها المقاومة اللبنانية بمواجهة العدو الصهيوني لأكثر من شهر في الجنوب اللبناني، أظهرت خلالها قوة عسكرية وقدرات نوعية عالية حالت دون تمكّن قوات جيش الاحتلال من التقدّم والسيطرة على الجنوب، وتكبيده خسائر فادحة في قواته ومعداته، فرض المقاومون على العدو قبوله وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام، قابلة للتمديد ضد إرادته، ودون تحقيقه هدفاً واحداً من أهدافه المعلنة.

من غير الممكن الحديث عن الجبهة اللبنانية - «الإسرائيلية» دون العودة قليلاً إلى ما قبل المعركة الأخيرة بقليل، وبالتحديد إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى أواخر عام 2024، حيث التزمت المقاومة اللبنانية بكل بنوده، في المقابل، استمر العدو الصهيوني بخروقاته له بأشكال مختلفة، وبشكل شبه يومي طيلة أكثر من عام، وتعاملت المقاومة مع ذلك بشكل حذر وصبور.
إلى أن نفذ الصبر– بعد أكثر من عام من تحمّل الخروقات– مع توسيع رقعة الحرب «الإسرائيلية» إلى مستوى إقليمي طالت إيران والخليج العربي، وتلميح العدو الصهيوني بأن جبهة الشمال قاب قوسين، أو أدنى من استئنافها بشكل كامل، لتحقيق أهداف «إسرائيل» بنزع سلاح المقاومة، وبالتوازي مع ذلك، كانت هناك أطراف في الداخل اللبناني تقيم ضغوطاً سياسية لصالح هذا الهدف «الإسرائيلي» نفسه، بحجج مختلفة، مما صنع حالة توتر داخلي متصاعد أنذر بمخاطر داخلية كبرى، لتبادر المقاومة اللبنانية بفتح نارها أولاً تجاه العدوّ.


المقاومة اللبنانية بددت أوهام العدو


 من جهة «إسرائيل»، يبدو أنه كان هناك ظنٌّ حقيقيٌ بأنها حيّدت قدرات المقاومة اللبنانية، أو أضعفتها، أو ما شابه ذلك، بعد «ضربات البيجر» وحملة اغتيال قيادات المقاومة في 2024، وظنّت أن قبول المقاومة باتفاق وقف إطلاق النار وصبرها على الخروقات لأكثر من عام أنه نابع من ضعف ما، ولم يتبق سوى الضغط السياسي لتسليم سلاحه... ومن ذلك، مع استئناف المقاومة لنشاطها العسكري في آذار 2026، زجّ الصهيوني بقواته البرية إلى الداخل اللبناني من جهة الجنوب، ليجد نفسه وسط مواجهة ميدانية عنيفة وضارية غير متوقعة، تمكّنت المقاومة خلالها من استهداف عشرات دبابات الميركافا بأسلحة، منها ما هو معروف، ومنها ما هو جديد بقدرات أعلى لاختراق الدروع، كمثال واحد فقط، وقتل وإصابة المئات– العدو يعترف بالعشرات - من جنود العدو الصهيوني خلال مواجهات ميدانية مباشرة بالرصاص الحي، أم غير مباشرة بالقذائف، فضلاً عن إطلاق الصواريخ متوسطة المدى تجاه المستوطنات «الإسرائيلية» شمال فلسطين المحتلة بكثافة، بعد زعم العدو إضعاف قدرات المقاومة الصاروخية في وقت سابق.
وخلال مدة تقارب الشهر من هذه المواجهة العسكرية المباشرة، ورغم القدرات الجوية الكبيرة والموارد العسكرية المسخرة للعملية، لم تتمكن قوات الاحتلال من تثبيت نفسها في أيّ نقطة ميدانية إضافية، بمعنى السيطرة على نقطة إضافية وتأمينها من إمكانية استهدافها من قوات المقاومة، وجرت المواجهات الأخيرة في منطقة «بنت جبيل» القريبة حدودياً من فلسطين المحتلة، ومجدداً أظهرت المقاومة فيها إرادة وقوة شديدة حالت دون تمكّن العدو من السيطرة عليها، وتكبيده خسائر فادحة، وأعلن خلال يوم واحد عن مقتل جنديين له، وفي اليوم تالي، فُرض اتفاق وقف إطلاق النار على الصهيوني بشكل مترابط ومتوازي مع ضغوط أخرى إيرانية كانت تجري سياسياً.


 اتفاق وقف إطلاق النار الإقليمي


 مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستانية، على أساس النقاط الإيرانية العشر، بادرت «إسرائيل» مباشرة بالانتقام لهزيمتها في الداخل اللبناني، وضمناً العاصمة بيروت، بعشرات الغارات الجوية، وقتلها لمئات اللبنانيين المدنيين، صاحبت ذلك سرديّة إعلامية– سياسية، صادرة عن تل أبيب وواشنطن، تزعم عدم شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار، بهدف تقليب الرأي العام ضد طهران وضد المقاومة اللبنانية، والضغط على بعض الأطراف السياسية في الداخل اللبناني للتصعيد ضد حزب الله، وضمناً نزع سلاحه.
 لكن في اليوم نفسه نفت إيران وباكستان هذه المزاعم، وأكدتا أن جبهة لبنان مشمولة بشكل واضح بالاتفاق الذي جرى مع الولايات المتحدة، وحذرت إيران من أن عدم التزام الصهيوني بهذا الأمر سيلغي الاتفاق، وضمناً يعني إعادة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما جرى بالفعل، وبجزء منه حاولت واشنطن استباق وادّعاء أنها هي من تريد إغلاقه.
خلال الأيام التالية، برز تناقضٌ واضحٌ بين التكتيكات الأمريكية و«الإسرائيلية» إلا أن أزمة «إسرائيل» وظروفها الداخلية أكبر من أزمة الولايات المتحدة، مما يدفعها بشكل مستمر، وكل يوم أكثر من سابقه، لتوسيع رقعة الحرب عوضاً عن إيقافها، ولا تمتلك رفاه وقف إطلاق النار بكل الجبهات، لما قد يرتد عليها سياسياً بالداخل، فمنذ 7 أكتوبر، لم تحقق أي هدف سياسي لها: لا بتهجير الفلسطينيين، ولا بنزع سلاح المقاومة بغزة، ولا نزع سلاح المقاومة اللبنانية، ولا بتغيير النظام الإيراني، ولا بتقسيم سورية إلخ..


مخرج إعلامي – سياسي بالتواطؤ مع بعض الأطراف


تمهيداً لاتفاق وقف إطلاق النار، برز حديث حول وجود مفاوضات لبنانية «إسرائيلية» بوساطة أمريكية لإيقاف الحرب، وضمناً الحديث المتكرر حول نزع سلاح حزب الله، وصولاً لإعلانه في 16 نيسان ودخوله حيز التنفيذ في اليوم التالي، بصيغة إعلامية، توحي أن الأمر جرى دون موافقة أو قبول المقاومة اللبنانية، في الوقت الذي جرى فرضه عملياً على «إسرائيل» على المستويين: الميداني العسكري للمقاومة بمواجهة العدو، والسياسي الخارجي لإيران بمواجهة الولايات المتحدة، وتؤكده ذلك المواقف «الإسرائيلية» الداخلية التي سخرت من الأمر بقولها «الملك قال» بإشارة لفرض ترامب لهذا الاتفاق على حكومة نتنياهو، وأن العديد من أفراد المجلس الأمني المصغر «الإسرائيلي» علموا به من وسائل الإعلام.. في المقابل، أعلن حزب الله التزامه وموافقته واضعاً 5 نقاط ينبغي تنفيذها في المرحلة التالية، تتضمن وقف كامل للعدوان الصهيوني على لبنان، وانسحابه من الأراضي اللبنانية وغيرها.


مستقبل الجبهة «الإسرائيلية» اللبنانية


خلال ثلاثة أيام، لم تلتزم «إسرائيل» جدياً بالاتفاق بشكل كامل، بل أقدمت على عدد من الخروقات التي ردّت عليها المقاومة اللبنانية بدورها، دون إعلان انهيار الهدنة التي لا تزال هشّة بطبيعة الحال، إلا أن هشاشتها تنبع من الداخل «الإسرائيلي» نفسه، حيث يجري وصف الاتفاق بالـ «خيانة» من رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، وبالـ «هزيمة المخزية»، وسط أصوات متباينة تشير بتصدعات داخل الائتلاف «الإسرائيلي» الحاكم، المشروط تماسكه باستمرار الحرب أساساً، فضلاً عن انتقادات حادة من المعارضة «الإسرائيلية» سياسياً، أو من المستوطنين في الشمال الذين اعتبروا أن الحكومة «ألقت بهم إلى التهلكة» متخذة هذا القرار دون مراعاة تخوفاتهم وأمنهم.

من غير الممكن الحديث عن وقفٍ للحرب بشكل كامل وحقيقي، لا في لبنان ولا غزة ولا سورية ولا غيرها باستمرار وجود «إسرائيل» الصهيونية، كما هي عليه الآن. وإن الشرط الأساسي للسلام في المنطقة، وعودة الهدوء والاستقرار إليها، هو إنهاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وإنهاء النزعة العدوانية والتوسعية. وفي هذا السياق العام نفسه، فإن كل الأحاديث المتعلقة بسلاح ودور حزب الله في لبنان، ومحاولات شيطنته بمواجهة العدو الصهيوني، لا تخدم سوى «إسرائيل» نفسها، والهدنة الحالية مهما قصرت أو طالت، تبقى «هدنة» مؤقتة وهشة، وعلى شعوب المنطقة عدم الوقوع بفِخاخ الصهيونية وعملائها، والتصيّد ضد المقاومة بأشكالها الحالية، بل بتطويرها إلى مقاومة وطنية عامة، وبكل المستويات، لتوحّد وتصلّب الجبهات الداخلية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274