دول الساحل وبناء مشروع إقليمي مستقل
تشهد منطقة الساحل الأفريقي، وخاصة في كلٍّ من بوركينا فاسو والنيجر ومالي، تحولات متسارعة تعكس انتقالاً نوعياً من حالة التفكك الأمني والتبعية السياسية، إلى محاولة بناء نموذج إقليمي جديد قائم على التعاون والسيادة المشتركة. هذه التحولات لم تعد تقتصر على البعد الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة صياغة العلاقات الإقليمية والدولية، وبلورة رؤية اقتصادية واستراتيجية أكثر استقلالاً.
بناء منظومة أمنية مشتركة
يُعدّ انعقاد الاجتماع الأول للجنة رؤساء أركان دول تحالف الساحل في واغادوغو (16–17 نيسان الجاري) خطوة مفصلية في مسار التنسيق العسكري. حيث يجري العمل على وضع الأسس التنظيمية والعملياتية لقوة مشتركة قوامها نحو 15 ألف عنصر، مهمتها تنفيذ دوريات ومكافحة الجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية.
هذا التطور يعكس انتقالاً من التنسيق المحدود إلى العمل العسكري المندمج، خاصة بعد تنفيذ أولى العمليات المشتركة التي استهدفت قواعد لوجستية للمجموعات المسلحة. كما أن مراجعة لوائح الخدمة الميدانية وآليات الانتشار والتمويل، تشير إلى نية واضحة لإرساء بنية عسكرية مستدامة، وليس مجرد تحالف مؤقت، ما يمكن أن يجعل من هذه الخطوة حجر أساس لقوات مشتركة وقيادة عسكرية واحدة.
المسار الدبلوماسي مع الاقليم
واجهت دول الساحل ضغوطاً قوية من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بدفع من قوى غربية، وصلت إلى حد التهديد بالتدخل العسكري. غير أن رد هذه الدول لم يكن انكفائياً، بل جاء عبر تعزيز التعاون الداخلي، وصولاً إلى إعلان كونفدرالية تجمعها سياسياً وأمنياً. وفي المقابل، بدأت تظهر مؤشرات على توجه نحو تخفيف التوتر مع المحيط الإقليمي، عبر قنوات دبلوماسية متعددة. وتبرز هنا محاولات إعادة بناء الثقة، سواء من خلال الوساطات الدولية، أو عبر مبادرات مباشرة بين دول الجوار.
من أبرز ملامح المرحلة الحالية، اعتماد دول الساحل على مقاربة مرنة في إدارة علاقاتها الخارجية، تقوم على «تقسيم الأدوار» بشكل غير معلن. فعلى سبيل المثال: في ظل التوتر بين مالي والجزائر، برزت النيجر كقناة تواصل أكثر سلاسة، ما يعكس وعياً سياسياً بضرورة تجنب التصعيد واحتواء الخلافات.
كما أن التحركات الجزائرية الأخيرة، سواء عبر الدعوات الرسمية، أو الزيارات المتبادلة، تشير إلى إدراك متزايد لأهمية الاستقرار في الساحل كامتداد للأمن القومي الإقليمي، خاصة مع مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
الحضور الدولي الجديد ودوره في الاستقرار
في موازاة تراجع النفوذ الغربي التقليدي، برزت قوى دولية أخرى، وعلى رأسها روسيا، كلاعب داعم لاستقرار المنطقة. ويتجلى ذلك في عدة مستويات أبرزها: دعم الحوار بين دول الساحل والمنظمات الإقليمية، وتقديم دعم لوجستي وتقني للجيوش. بالإضافة إلى تعزيز التعاون في القطاعات الاقتصادية، خاصة في مجال التعدين، هذا ما تم الإعلان عنه مؤخراً في مجال الاستكشاف الجيولوجي، وتطوير الموارد المعدنية. ويُعدّ هذا القطاع من أهم مجالات الشراكة، نظراً لما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية.
الاهتمام بإنشاء قواعد بيانات جيولوجية وطنية، وتدريب الكوادر المحلية، يعكس توجهاً نحو بناء سيادة اقتصادية حقيقية، بدل الاعتماد على الشركات الأجنبية وفق الشروط التقليدية.
مجمل هذه التطورات تشير إلى أن دول الساحل لم تعد مجرد ساحة للصراعات، أو التدخلات الخارجية، بل بدأت تتحول إلى فاعل إقليمي، يسعى لإعادة تعريف موقعه في النظام الدولي. فمن خلال بناء تحالف عسكري، وتعزيز التنسيق السياسي، وتبني مسارات مرنة في العلاقات الإقليمية، والانفتاح على شركاء دوليين جدد، ترسم هذه الدول ملامح مشروع مضاد لمسارات التفتيت وعدم الاستقرار.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
معتز منصور