إخراج الولايات المتحدة من غرب آسيا مسألةُ وقتٍ!

إخراج الولايات المتحدة من غرب آسيا مسألةُ وقتٍ!

تبرهن أحداث الأيام القليلة الماضية حتى اللحظة أن «إسرائيل» والولايات المتحدة ارتكبتا خطأً استراتيجياً في شن عدوانٍ جديد على إيران في 28 شباط 2026، فعلى الرغم من أن الضربات استهدفت قيادات رفيعة في طهران، على رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، بالإضافة إلى حملة قصف غير مسبوقة، إلى أن إيران استطاعت رغم ذلك إدارة المعركة وتوظيف قدراتها العسكرية لإلحاق أضرار كبيرة بالولايات المتحدة و«إسرائيل» وفرضت واقعاً اقتصادياً معقداً على المستوى العالمي.

إن اللحظات الأولى لاندلاع الموجة الجديدة من الصراع، ورغم ما رافقها ويرافقها من ضخ إعلامي كثيف، لم تكن كافية لتشويش رؤية عدد كبير من المفكرين الاستراتيجيين، وكانت هناك حالة فريدة من الإجماع، بأن مشكلة الولايات المتحدة و«إسرائيل» تكمن في أن قائمة أهدافهما كبيرة جداً، وتبدو غير قابلة للتطبيق، بينما لدى إيران هدف أساسي واحد بالحد الأدنى ألا وهو «البقاء على قيد الحياة»، لكن طهران تجاوزت هذا الحد بوضوح، فمن جهة ليست هناك أي مؤشرات على اقتراب انهيار النظام الإيراني، الذي كان مهيأً لامتصاص الصدمة الأولى، والحفاظ على توازن الدولة في ساحة المعركة، ومن جهة ثانية ستكون إعادة صياغة التوازنات في الإقليم واحدة من نتائج هذه الحرب، بعد أن بات مستقبل بقاء الحضور الأمريكي في المنطقة على طاولة البحث جديّاً.


القواعد الأمريكية تحت النار!


يبدو أن واضعي خطط الحرب بالغوا في تقدير آثار الضربات الأولى، ولم يستعدوا جيداً لطبيعة الرد التالي، فالمسؤولين الإيرانيين كانوا جديين في استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا ما حصل بالضبط، إذ استطاعت الصواريخ والمسيرات الإيرانية تدمير كثير من المرافق العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، وتحديداً تلك المسؤولة عن رصد الصواريخ، وتحديد مساراتها، وبنى تحتية لشبكات الاتصال العسكري التي تعتبر «الأعصاب الحساسة» للقوات الأمريكية، فضلاً عن استهدافات مباشرة لمنظومات الدفاع الأمريكية المتقدمة، ما أدى بحسب تقارير إعلامية إلى انخفاض ملحوظ في قدرة «إسرائيل» على الرصد المبكر للصواريخ، وتتبع مساراتها، إذ انخفض زمن الإنذار إلى 5 أو 3 دقائق فقط في الصواريخ التقليدية، بينما انخفض إلى دقيقة للصواريخ الفرط صوتية.

استراتيجية إيران في إغراق الدفاعات معروفة، وجرى استخدامها بوضوح في حرب الـ 12 يوم، لكن استهداف ساحات جديدة تحديداً في الخليج العربي، زاد من فاعلية هذه الاستراتيجية، وتحولت مشاهد استهداف القواعد الأمريكية وتدمير بنى تحتية ومعدات عسكرية بمليارات الدولارات إلى مشاهد معتادة في سابقة تاريخية. وشكّل اعتماد إيران على مسيرات رخيصة الثمن بمثابة استنزاف كبير للدفاعات والموارد المالية، هذا بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الإيرانية تزيد من فاتورة الحرب دون ضجيج كبير، فهناك فروق جوهرية بين المسيرات الأمريكية المتقدمة والمسيرات الانتحارية الصغيرة، ففي حين يمكن ألا تتجاوز تكلفة المسيرات الانتحارية بضعة آلاف من الدولارات، تصل تكلفة بعض الطائرات المسيرة الأمريكية إلى أكثر من 30 مليون دولار، وأسقطت الدفاعات بحسب المصادر الرسمية الإيرانية أكثر من 80 مسيرة أمريكية و«إسرائيلية» من أنواع مختلفة مثل: «هيرمس» و«أوربيتر» و«MQ-9».


ماذا أرادت إيران من استهداف الخليج؟!


إن عدداً من البلدان الخليجية تحوّلت إلى ساحة أساسية للصراع من الساعات الأولى، وعلى الرغم من بيانات الاستنكار والشجب، التي صدرت، إلا أنّ المسألة كانت واضحة، ولم تكن مفاجأة على الإطلاق، بل إن إيران كانت حريصة على إعلان ذلك بوضوح شديد، حتى قبل بدء الحرب، ولفهم ذلك لا بد من الإشارة إلى مجموعة من المسائل الأساسية، فبالنسبة لإيران يشكّل التواجد العسكري الأمريكي في الخليج بمثابة تهديد حقيقي لمصالحها، وكانت طهران تعمل بالوسائل كافة على إنهاء هذا الملف، وهو ما يتسق مع المسعى الروسي والصيني، من جهة ثانية، كانت «إسرائيل» تعمل منذ سنوات على بناء علاقات أمنية واقتصادية مع أطراف داخل الخليج العربي وتحديداً الإمارات، التي أصبحت علاقاتها مع الكيان شديدة التشابك، وكان من الواضح أن مغامرة بهذا الحجم ستكون لها تداعيات حتماً، وخصوصاً بعد أن دخلت الإمارات بتناقضات مع عدد كبير من الدول في المنطقة- كان آخرها السعودية- حول الملف اليمني، فضلاً عن أن طهران كانت تدرك أن محاولة توسع «إسرائيل» في الخليج هي محاولة لتطويق إيران. من جهة أخرى ترى الجمهورية الإيرانية، أن الحرب التي تخوضها حالياً هي ببساطة حرب وجود، وبالتالي يجب توظيف كل ما يمكن لتجنب الانهيار، وهنا بالتحديد يبرز ملف الطاقة كعامل ضغط أساسي، فتعطيل تصدير النفط من مضيق هرمز، تحوّل سريعاً إلى عامل ضغط على المستوى العالمي، وورقة مهمة بيد إيران.


المحاولات «الإسرائيلية» لضرب علاقات الخليج بإيران


إن استهداف دول الخليج من قبل إيران هو بلا شك اختبار صعب للعلاقات الثنائية، إذ إن استمرار الصراع وقتاً أطول يمكن أن يدفع دول الخليج للدخول في المواجهة بشكلٍ مباشر، وهو بالتأكيد هدف «إسرائيلي» يجري العمل عليه بوسائل مختلفة، مثل تلك التي تحدّث عنها الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، إذ كشف قبل أيام أخباراً عن أن السعودية وقطر ألقوا القبض على خلية تابعة للموساد كانت تخطط لتنفيذ تفجيرات داخل هذين البلدين. بالنسبة لـ «إسرائيل» لم يعد من الممكن التعويل على اندماج في المنطقة عبر اتفاقات التطبيع أو غيرها، وهناك يقين في تل أبيب، أن فرصة «إسرائيل» الوحيدة للبقاء لن تكون إلا بإحراق الجميع، وفرض خرائط جديدة في المنطقة، من هنا يظهر أن هناك في إيران ودول الخليج من يحاول إدارة المعركة بحيث لا تتضرر العلاقات الثنائية بشكلٍ لا يمكن إصلاحه، ويبدو مثلاً: أن طهران تريد الحفاظ على التقدم الذي شهدته العلاقات الإيرانية-السعودية، ففي الوقت الذي قالت الإحصاءات: إن حصّة الإمارات من الصواريخ والمسيرات الإيرانية تجاوزت الـ 1200، كان إجمالي الضربات التي اعترفت بها طهران على السعودية 2، هذا فضلاً عن تقارير تتحدث مؤخراً عن اتصالات مكثفة تجري بين الجانبين الإيراني والسعودي.

إن احتمالات الحرب مفتوحة، لكن ليس من المبالغة القول: إن إخراج القوات الأمريكية من غرب آسيا يجري بشكلٍ حثيث، وبالرغم من غبار الحرب الكثيف إلا أن انضمام دول خليجية لهذا المطلب بشكلٍ واضح ليس بعيداً، فإن سلوك واشنطن وتحديداً بخصوص إعطاء الأولوية للدفاع عن «إسرائيل» وترك المدن الخليجية تحت النار، لن يغتفر، وتحوّل فعلياً إلى عامل مساعد في إنهاء الوجود الأمريكي، فهناك سؤال يطرح اليوم في الخليج: هل استطاعت هذه القواعد حمايتنا؟ أم تحوّلت إلى مشكلة بحد ذاتها؟ وتطرح هذه الأسئلة في الوقت نفسه الذي لم يعد هناك شك بأن «إسرائيل» تعمل بالضد من مصالح دول الخليج، وتحاول دفعها لمواجهة مع إيران، وهو ما يفسر تصريحات مدير الاستخبارات السعودية السابق تركي الفيصل، حين سؤاله عن فرص التطبيع بعد الحرب، فأجاب «إنس التطبيع» الفيصل، وبالرغم من أنّه لا يحمل صفة رسمية إلا أنّه كان دائماً جزءاً من بنية الحكم السعودي، وهو على إطلاع كافٍ بوجهات النظر داخل المملكة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268