أوروبا والحرب الأمريكية على إيران… مشاركة لـ «إدارة الضرر»
مع اتساع الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي من جهة حليف استراتيجي تقليدي لواشنطن ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، ومن جهة أخرى تدرك أن هذه الحرب لم تكن خيارها، وأن تداعياتها الاقتصادية والسياسية والأمنية قد تصيب أوروبا مباشرة قبل أي طرف آخر... وبين هذين العاملين تتشكل المواقف الأوروبية المتباينة، التي تتراوح بين الدعم السياسي المحدود، والمساندة العسكرية غير المباشرة، وبين الرفض الصريح للمشاركة في الحرب.
الحقيقة الأساسية التي تكشفها مواقف العواصم الأوروبية الكبرى، هي أن القارة العجوز لم تكن جزءاً من قرار الحرب أساساً، فالضربة الأولى التي نفذتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران جاءت بصورة أحادية، ومن دون تنسيق مسبق مع «الحلفاء» الأوروبيين، الأمر الذي وضعهم أمام الأمر الواقع: حرب كبيرة في الشرق الأوسط قد تتحول سريعاً إلى أزمة عالمية.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي أصدر بياناً مشتركاً يدعو إلى «ضبط النفس» واحترام القانون الدولي، فإن هذا البيان لم يتضمن دعماً صريحاً للهجوم الأمريكي «الإسرائيلي»، وهو ما يعكس حالة من الحرج السياسي داخل أوروبا.
دعم سياسي… وحذر عسكري
رغم الحرج، اختارت الدول الأوروبية موقفاً وسطاً يجمع بين دعم سياسي عام للولايات المتحدة و«إسرائيل»، لكن مع تجنب الانخراط العسكري المباشر.
ففي فرنسا، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون استعداد بلاده لتقديم «مساعدة دفاعية» للحلفاء، مشدداً في الوقت نفسه على أن الدور الفرنسي يقتصر على حماية القوات والمصالح الأوروبية في المنطقة، وقد دفعت باريس بحاملة الطائرات شارل ديغول نحو شرق المتوسط، إلى جانب نشر مقاتلات وأنظمة دفاع جوي إضافية، مع السماح للقوات الأمريكية باستخدام بعض القواعد لأغراض لوجستية.
أما المملكة المتحدة، فقد اختارت نهجاً قريباً من الموقف الفرنسي، لتسمح لندن باستخدام بعض قواعدها العسكرية في المنطقة لدعم العمليات الدفاعية، وعززت انتشارها العسكري عبر إرسال سفن حربية وأنظمة دفاع جوي إلى شرق المتوسط وقبرص، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنها لا تشارك في ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما لم يُرضِ ترامب، الذي يضغط باتجاه مشاركة بريطانية أكبر.
الوضع مختلف قليلاً في ألمانيا، حيث أعلن المستشار فريدريش ميرتس دعماً سياسياً واضحاً للأهداف الأمريكية «الإسرائيلية»، لكنه شدد في المقابل على أن برلين لن تشارك عسكرياً في الحرب، ويرتبط هذا الموقف بعوامل داخلية عديدة، من بينها معارضة الرأي العام الألماني لأي تدخل عسكري جديد بعد تجارب العراق وأفغانستان، إضافة إلى القيود الدستورية التي تفرض موافقة البرلمان على أي مشاركة عسكرية خارجية.
وفي إيطاليا، اتخذت الحكومة موقفاً شبيهاً، إذ أعلنت نشر قطع بحرية في شرق المتوسط وتعزيز الدفاعات الجوية لـ «حلفاء الخليج»، لكنها أكدت أن هذه الخطوات تأتي في إطار «الدفاع عن الحلفاء» وليس المشاركة في العمليات الهجومية ضد إيران.
الموقف الإسباني… «لا للحرب»
وسط هذا المشهد الأوروبي المتردد، يبرز موقف إسبانيا بوصفه الأكثر وضوحاً وحزماً في رفض الحرب، فقد أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بشكل صريح رفض بلاده المشاركة في العمليات العسكرية، ورفض أيضاً السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية المشتركة في روتا ومورون لشن ضربات ضد إيران.
وجاء موقف مدريد تحت شعار واضح رفعه سانشيز في خطاب سياسي: «لا للحرب». وأكد أن العمليات العسكرية الأمريكية «الإسرائيلية» تشكل عملاً أحادياً خطيراً لا ينسجم مع القانون الدولي.
هذا الموقف الإسباني أثار غضب الإدارة الأمريكية، إذ رد الرئيس دونالد ترامب بتهديد مدريد بقطع العلاقات التجارية معها، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين خطوة جديدة من «البلطجة السياسية» التي تمارسها واشنطن تجاه حلفائها.
ورغم الضغوط الأمريكية، تمسكت الحكومة الإسبانية بموقفها، مؤكدة: أن قواعدها العسكرية لا يمكن استخدامها في عمليات لا تتوافق مع القانون الدولي، أو مع الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع الولايات المتحدة.
لماذا تخشى أوروبا هذه الحرب؟
وراء هذه المواقف المترددة تقف مجموعة من الحسابات الاستراتيجية العميقة التي تجعل أوروبا غير متحمسة إطلاقاً للحرب على إيران.
أول هذه العوامل يتعلق بالطاقة... فالقارة الأوروبية خرجت قبل سنوات قليلة فقط من أزمة طاقة حادة، بعد قطع الإمدادات الروسية عقب الحرب في أوكرانيا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أوروبا أكثر اعتماداً على الغاز الطبيعي المسال القادم من غرب آسيا.
وأي تصعيد عسكري في الخليج، أو إغلاق محتمل لمضيق مضيق هرمز، يمكن أن يهدد جزءاً كبيراً من إمدادات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار، ويضرب الاقتصاد الأوروبي مباشرة، وهو ما بدأت مفاعيله بالفعل مع ارتفاع أسعار المحروقات في بعض الدول الأوروبية حيث وصلت لـ 50% والذي سيكون عامل استنزاف كبير، وخصوصاً إذا أصبحت أوروبا مضطرة للاعتماد على الغاز الأمريكي الذي يزيد بأضعاف عن الأسعار العالمية.
العامل الثاني هو الهجرة... ففي حال تحولت الحرب الحالية إلى صراع طويل، أو أدت إلى انهيار الدولة الإيرانية، فإن ملايين اللاجئين قد يتجهون نحو القارة الأوروبية عبر تركيا والبحر المتوسط، وهو سيناريو تخشاه الحكومات الأوروبية بشدة في ظل أزمتها الاقتصادية والتي يرافقها تصاعد التيارات اليمينية.
أما العامل الثالث، فيتعلق بالقدرات العسكرية والمالية... فالقارة الأوروبية لا تزال غارقة في دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، والدخول في حرب إضافية في الشرق الأوسط يعني عملياً فتح جبهة تمويل جديدة لا تملك أوروبا القدرة على تحملها.
إضافة إلى ذلك، العامل الأخير أن أوروبا التي تحاول وتسعى جاهدة لإعادة تسليح جيوشها استعداداً لمواجهة طويلة مع روسيا، لا ترغب في استنزاف مخزوناتها من الأسلحة والذخائر (بما فيها صواريخ الدفاع الجوي) في حرب أخرى بعيدة عن حدودها، ولا تشكّل أولوية بالنسبة لها.
حسابات مختلفة عن واشنطن وتل أبيب
في الجوهر، تختلف الحسابات الأوروبية عن الحسابات الأمريكية و«الإسرائيلية»، فبينما ترى واشنطن وتل أبيب في انهيار الدولة الإيرانية هدفاً استراتيجياً حان وقته، تدرك العواصم الأوروبية أن هذا الأمر سيفتح الباب أمام حرب أهلية داخل إيران نفسها، وهو سيناريو قد تكون تداعياته كارثية على المنطقة والعالم، في لحظة لم تنتهِ بها الحرب الأوكرانية بعد.
بالمقابل، فإن أوروبا لا تعارض إطلاقاً تغيير النظام الإيراني تجاه نظام آخر محابٍ للغرب، لكنها تدرك، أن مثل هكذا مهمة لا يمكن القيام بها بالشكل الذي يجري، بل وربما أن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة سيؤدي لنتيجة معاكسة.
شكوك أوروبية في نجاح الحرب؟
الرسالة الأهم التي تكشفها المواقف الأوروبية، هي أنها لا تبدو مقتنعة بقدرة الولايات المتحدة و«إسرائيل» على تحقيق نصر سريع في هذه الحرب.
فلو كانت أوروبا واثقة من نجاح العملية العسكرية وسرعتها، لربما انضمت إليها منذ البداية، كما العادة والتاريخ، لكن ترددها في المشاركة المباشرة هذه المرة يشير إلى شكوك عميقة حول نتائج الحرب ونجاحها، فضلاً عن اختلاف الأهداف سابقة الذكر.
في النهاية، تبدو أوروبا اليوم وكأنها تقف على هامش حرب لم تخترها، لكنها تدرك أنها قد تدفع جزءاً كبيراً من ثمنها، وبين ضغوط واشنطن ومخاوف الانفجار الإقليمي، تحاول العواصم الأوروبية السير على حبل رفيع، هدفه: إدارة الضرر.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268