مليار هندي نحو صناديق الاقتراع... انتخابات 2024 والتحديّات الكبرى!
أحمد علي أحمد علي

مليار هندي نحو صناديق الاقتراع... انتخابات 2024 والتحديّات الكبرى!

تستعد الهند، لخوض إحدى أكبر انتخابات برلمانية في تاريخها، والتي ستُجرى على سبع مراحل من 19 نيسان إلى 1 حزيران 2024. ومن المتوقع أن يشارك في هذه الانتخابات ما يقرب من مليار شخص، حيث سيُدلي الناخبون بأصواتهم من خلال 5.5 ملايين جهاز تصويت إلكتروني موزعة على أكثر من مليون مركز اقتراع.

المشهد السياسي

يشارك في الانتخابات حزب الشعب (BJP) بقيادة رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي، ويسعى للفوز بولاية ثالثة بمواجهة حزب المؤتمر الوطني الهندي وحلفائه في تكتل المعارضة.
مؤخراً، اعتقل زعيم المعارضة البارز أرفيند كيجريوال، زعيم كتلة «إنديا» المعارضة (التي تضم حزب المؤتمر الوطني) بتهمة الكسب غير المشروع عبر منح تراخيص بيع وشراء وتصنيع مشروبات كحولية.
أصابع الاتهام موجهة الآن نحو رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه بمحاولة التلاعب في نتائج الانتخابات عبر عملية الاعتقال، بينما يدافع مودي وحزبه عن الإجراء باعتباره جزءاً من المعركة ضدّ الفساد، فيما يرى حزب «آم آدمي»، الذي يتزعمه كيجريوال أن القضية ملفقة بدوافع سياسية.
أوسع من حدود «الداخل»
لا شك أن الانتخابات البرلمانية في الهند شأن داخليّ مهم، لكن في الحقيقة، الوضع السياسي هناك على العموم لم يكن في يوم من الأيّام مجرد شأن داخلي؛ لما له من تأثيرات بعيدة المدى على مسارات السياسة والاقتصاد العالميين. ولا مبالغة في القول: إنّ تحولات سياسية كبيرة في الهند قد تؤثر على رسم خريطة التوازنات الدولية، آخذين بعين الاعتبار وزنها السكاني والاقتصادي الضخم، وما تمثله من سوقٍ استهلاكية وإنتاجية هائلة.
إضافة إلى ذلك، تلعب الهند دوراً محورياً في العديد من المؤسسات الدولية والتكتلات الاقتصادية، مثل: مجموعة البريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية، مما يعني أن أي تغييرات في سياستها الاقتصادية أو التجارية قد تؤثر على النظام الاقتصادي العالمي. كما أن دورها كقوة نووية وعسكرية متنامية يعزز من أهميتها الاستراتيجية، خاصة في منطقة جنوب آسيا والمحيط الهندي.

تحديّات جوهرية

تواجه الهند تحديات جوهرية على الصعيدين الداخلي والخارجي. فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، تعاني الهند من مشاكل ملموسة ناجمة عن تعقيدات الجغرافيا السياسية والعلاقات المتوترة مع بعض جيرانها.
واحدة من أبرز هذه التحديات هي علاقتها المتقلبة مع باكستان والصين، حيث تتفاقم التوترات بسبب قضايا حدودية وتنافس استراتيجي.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه الهند تحديات كبيرة فيما يخص توزيع الثروة والتنمية. على الرغم من تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ، يستفيد منه قطاع كبير من السكان، إلا أن الفجوة الطبقية تتزايد. ومشكلات مثل: الفقر، وعدم المساواة في الدخل، وقصور البنية التحتية في المناطق الريفية، تظل من القضايا العالقة التي تعيق التقدم نحو تنمية شاملة.

دور مركزي في الشرق

تاريخيّاً، تعد الهند جزءاً لا يتجزأ من الشرق، فقد لعبت دوراً مركزياً في الحضارة والثقافة الآسيوية عبر التاريخ. بيد أنها انزاحت عن ذلك خلال فترة التراجع، الأمر الذي خلق فراغاً سعت قوى دولية عديدة لاستغلاله، الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، فقد سعت إلى تحويل الهند لساحة نفوذ في مواجهة الصين وأداة لموازنة القوى في آسيا. ولم توفر فرصة للدفع باتجاه خلق توترات حدودية بين الهند والصين، التوترات التي بلغت ذروتها في عدة مناسبات.
لكن لا يمكن أن تنسى الهند تاريخ الغرب الاستعماري معها، فعلى الرغم من وجود علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية قائمة مع الدول الغربية اليوم، إلا أن هناك خلافات واضحة في بعض الأحيان فيما يتعلق بالمصالح الوطنية والسياسية والاستراتيجية. ومن بين هذه الخلافات، مسألة الأحادية الأمريكية والهيمنة الغربية خلال القرن الماضي، والتي أثرت على تطور ونمو الهند بشكل كبير.
وتتقاطع مصالح الهند اليوم مع مصالح الصين وروسيا وبقية دول الجنوب والعالم الثالث، في التخلص من نظام القطب الواحد وهيمنته، وتحاول، على غرار الصين، تقويض المساعي الغربية للتأثير على التغيرات الدولية الجارية من خلال النزاعات والحروب. وتبرز مواقفها الواضحة في هذا السياق في المسائل الحساسة والرئيسية، بما في ذلك خلال أزمة كورونا، وتصريحات وزير خارجيتها حول احتكار الغرب للقاحات، وتحديها للغرب بصادراتها من الحبوب إلى الدول الفقيرة التي تحتاجها بشكل أكبر من دول أوروبية.
تتوفر لدى الهند جميع العوامل الضرورية لتكون قوة اقتصادية عالمية في المراتب الثلاث الأولى، وقد أشارت تقارير غربية إلى توقعات بأن تحتل الهند المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الوزن الاقتصادي في عام 2026 مرتفعةً من المركز الخامس حالياً. كما أنها -وفقاً لبعض التقديرات- لديها القدرة على المنافسة مع الصين على هذه المراتب بناءً على الموارد البشرية والمساحة الجغرافية والقطاعات الزراعية والصناعية والتكنولوجيا.

في الختام

الانتخابات البرلمانية القادمة يمكن أن تتحول إلى مؤشر جديد لطبيعة توازنات القوى داخل الهند، فالتأثيرات الكبرى التي تجري في العالم، لا يمكن أن تلقي ضغوطاً كبيرة على الجميع، فالمناورة لم تعد خياراً ذا فترة صلاحية مفتوحة، وستجد نيودلهي نفسها أمام خيارات حقيقية وجذرية على مستوى العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، إلى جانب السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل. فمصلحة الشعب الهندي تقتضي أن تتخلص البلاد من كل أشكال علاقات التبعية، وتحديداً بعد أن بات واضحاً أن الوزن الكبير للهند يمكن أن يحدث فارقاً كبيراً في عالم تنتفي فيه الهيمنة الأمريكية.
من بين الأحاديث التي بدأ تداولها حول هذه الانتخبات هو «ضعف تمثيل المسلمين» في البرلمان، فبغض النظر عن أن المسألة في الهند وفي أي انتخابات أخرى لا ترتبط بتمثيل الأديان أو القوميات، بل بمصالح طبقة الأغلبية المحرومة، لكن هناك مشكلة قائمة في الهند يمكن أن تتحول إلى صاعق تفجير فيها وفي المنطقة المحيطة، فمنذ تقسيم شبه الجزيرة الهندية كان المشروع الاستعماري قائماً على شق الشعب الهندي على أساس انتماءات ثانوية، وتحوّلت على هذا الأساس باكستان لتكون «وطناً لمسلمي الهند» لكن ظلت ضمن حدود الهند الحالية نسبة تصل إلى 30% من السكان المسلمين ما يشكل كتلة بشرية ضخمة إذا ما أخذنا عدد السكان الهائل بعين الاعتبار، لكن ومع ذلك ظلّت بنية النظام القائم تعمل على تضخيم المشكلة بدلاً من حلّها، وهو ما يمكن أن يكون مسألة حساسة في الانتخابات القادمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1169
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:40