هل يشهد الكـ.ـيان انفراجة في أزمة الحُكم فعلاً؟

هل يشهد الكـ.ـيان انفراجة في أزمة الحُكم فعلاً؟

انتهت منذ أيام انتخابات الكنيست في الكيان الصهيوني، وسمحت نتائجها لبنيامين نتنياهو بالعودة إلى رئاسة الوزراء بعد نجاح تحالفه الموسع في حصد أغلبية مقاعد البرلمان، ومن المتوقع الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة في منتصف شهر كانون الأول القادم. لكن الكيان الذي يعاني من أزمة حكم مزمنة لا يملك حظوظاً جديّة في الخروج من مأزقه الوجودي.

لا شك أن نتائج هذه الانتخابات جاءت مختلفة بعض الشيء عمّا سبقها، فالكيان كما بات معروفاً يعاني من أزمة دفعته لإجراء 5 انتخابات تشريعية منذ نيسان 2019 ولم تستطع أي من هذه المحاولات تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي لأكثر من سنة ونصف. ورغم أن الانتخابات الخامسة الأخيرة التي جرت في شهر تشرين الثاني الجاري، خطت خطوة أولى، لكن هذا لا يعني أن طريق نتنياهو وتحالفه سيكون أقل وعورة!

نتائج الانتخابات الخامسة

حصد حزب الليكود منفرداً أكثر من 23% من الأصوات في البرلمان، ما مكنه السيطرة على 32 مقعداً من المقاعد الـ 120 في المجلس، لكن نتنياهو استطاع هذه المرة دخول الانتخابات متحالفاً مع أحزاب أقصى اليمين التي ضمنت له تحقيق الأغلبية، وأحرز الليكود إلى جانب الحزبين المتدينين المتشددين «يهودوت هتوراه» لليهود الاشكناز الغربيين وحزب «شاس» لليهود الشرقيين «سفراديم» على 18 مقعداً، كما حصل تحالف اليمين المتطرف «الصهيونية الدينية» المتحالف معهم على 14 مقعداً. ليسيطروا مجتمعين على 64 مقعداً، بمقابل تحالف خصمهم رئيس الوزراء الحالي يائير لبيد، الذي لم يسيطر إلّا على 51 مقعداً. تعد الخطوة القادمة مفصلية بالنسبة لنتنياهو الذي يواجه اتهامات تتعلق بالفساد، وتشمل تهماً بالرشوة واستخدام المنصب للمنفعة الشخصية، إذ يُفترض الآن أن يبدأ نتنياهو بعد تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة خلال مدة أقصاها 42 يوماً. ويؤكد ما يجري تداوله أن نتنياهو سيكون مضطراً لتقديم تنازلات كبيرة لحلفائه الذين يعلنون صراحةً عن الحقائب الوزارية التي يطمحون لها، إذ يطالب إيتمار بن غفير رئيس حزب «عوتسما يهوديت» بحقيبة الأمن العام، فيما يطالب حليفه بتسلإيل سموتريش بحقيبة الدفاع، وهي الوزارة التي تمسك فيها نتنياهو طوال 15 سنة مضت من حكمه.
من جهة أخرى، تتحدث بعض الوسائل الإعلامية عن أن القوى اليمنية التي تحالف معها نتنياهو، لا تتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، التي تستطيع التأثير على تشكيلة الحكومة، ما قد يعني فشل نتنياهو في الوصول إلى توافق مع حلفائه إذا ما تمسكوا بالحقائب التي يسعون إليها، وما يمكن أن يؤدي بدوره إلى إعادة الانتخابات في نهاية المطاف.

«يمين- يسار» أم ماذا؟

يجري الترويج بكثافة عالية إلى كون الحكومة الجديدة المتوقعة، ستكون شديدة التطرف وتحديداً مع الفلسطينيين، بالإضافة إلى تغيرات مفترضة على سياسة الكيان الخارجية، وتحديداً فيما يخص إيران، إذ يفترض البعض أن وصول نتنياهو إلى السلطة يعني مواجهة محتومة معها. حتى أن بعض القوى السياسية داخل الكيان تراقب المشهد بحذر شديد، وترى هذه التطورات «ناقوس خطر على مستقبل الكيان». إذ صرّح رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت أن: «نتنياهو يقود مجموعة من الفاشيين، ما يشكّل خطراً على استقرار وبقاء الدولة اليهودية». هذه الآراء وغيرها من التحليلات التي يجري تداولها في الصحف العالمية، شقّت طريقها إلى وسائل الإعلام العربية، وتبدو بوضوح درجة الارتباك في معالجة هذا الملف.
ينبغي القول أولاً: إن ما يحدد فاشية الكيان ليس وصول هؤلاء اليمينيين إلى السلطة كما يقول أولمرت، بل وجود الكيان نفسه! فعلى الرغم من أن فوز قوة سياسية ما في الانتخابات يعطي هامش حركة مختلفاً في بعض المجالات والملفات، إلا أن الكيان محكومٌ بسياسةٍ واحدة رافقته من ظهوره وحتى اللحظة، ويُعد المساس بأيٍّ من أركانها مساساً بعناصر الكيان الجوهرية، وهو ما يعني أن «قوى اليمين واليسار» الصهيونية لن تستطيع العمل خارج فكرة الاحتلال والتوسع والدور التخريبي في المنطقة، الموكل لها من رأس المال المالي العالمي. ومن هنا ينبغي دائماً النظر إلى أزمات الكيان بوصفها امتداداً لأزمة رعاته التاريخيين، ويمكن النظر إلى الانقسامات السياسية الداخلية ضمنه بوصفها انعكاساً لانقسامات النخب السياسية في الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، يصطدم الكيان في السنوات الأخيرة بحقيقة التراجع الأمريكي، فعلى الرغم من وجود برنامج مختلف للتعامل مع هذا التراجع داخل أمريكا، إلّا أن ما يهم الكيان في المسألة أن التراجع بات واقعاً، وإن هامش الحركة الصهيونية في منطقتنا بات ضيقاً، فالسياسة الخارجية للكيان لا يضعها نتنياهو وبنيت أو لبيد أو غيرهم! بل إن الواقع وإمكانيات الكيان ترسم سقف واتجاه هذه السياسة، ولن يكون نتنياهو قادراً على فرض الاتجاه الذي يريده في ظل الأجواء المعاكسة له على المستوى العالمي، وإن أقدم على مغامرة كهذه ستكون نتائجها كارثية على الكيان.

وصول الفئات الأكثر تطرفاً في الكيان إلى الحكم يمكن أن يكون تعبيراً عن حجم الخطر المحدق به، فحسب استطلاعات رأي نشرتها وسائل الإعلام الصهيونية، يعتقد ثُلث الشّباب «الإسرائيلي» أن الكيان لن يبقى موجوداً في الـ 25 سنة القادمة، ويمكن للآراء «المتشائمة» كهذه أن تدفع ما تبقى من المقاتلين الصهاينة لشن معاركهم الأخيرة، أملاً في تأخير المصير المحتوم، إلى جانب ذلك يمكننا القول: إن تصاعد عمليات المقاومة في الضفة الغربية، وبوادر ظهور تنظيمات مقاومة جديدة، يعطي زخماً جدياً للتيار الأكثر تطرفاً داخل الكيان، وهو ما لا ينبغي النظر له بوصفه مخرجاً لأزمة الحكم التي يشهدها، بل بوصفه تطوراً جديداً يتحوّل فيه مركز التأثير بشكلٍ تدريجي إلى الفلسطينيين الذين يضمنون انتقالهم من موقع المتأثر إلى المؤثر الأقوى في المعادلة، إذا ما استمرت حركة المقاومة الشعبية بالصعود وتنظيم صفوفها بهذا الشكل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1095
آخر تعديل على الأربعاء, 09 تشرين2/نوفمبر 2022 13:09