المشهد الدولي والأسئلة الجديدة المطروحة

المشهد الدولي والأسئلة الجديدة المطروحة

في مجرد أن توصّف ما يجري بأنه اشتباك بين الغرب والشرق، وأن تقول: إن «معركة أوكرانيا» ما هي إلّا إحدى ساحاته الكثيرة، تكون بذلك قد نسفت الدعائم الأساسية للرواية التي تضخها ماكينة الهيمنة الغربية، وما أن تحاول من خلال سلسلة التفكير المنطقي رسم النتائج العميقة المتوقعة لهذا الاشتباك على كل النظام العالمي حتى تبدو كما لو أنك غريب يتحدث لغة باتت مجهولة بالنسبة للكثيرين.

تميل شريحة واسعة من الناس لتبني المواقف الجاهزة حتى عندما تقدم لهم كافة الأدوات الضرورية لتحليل الحدث الحالي، وفهم الظروف التاريخية التي أدت له، فهؤلاء بسلوكهم هذا يذكرون برواية ألدوس هكسلي الشهيرة «عالم شجاع جديد» فيبدو كما لو أنهم تعرضوا للصعق الكهربائي في طفولتهم في كلّ مرة حاولوا التفكير بعمق في المشكلات الماثلة أمامهم، مما جعلهم الآن يفضلون تلك «الحلوى اللذيذة» التي تقدمها لهم أدوات الهيمنة ويتجنبون البحث والتفكير فيما يجري خوفاً من الصعق مجدداً.

مرة أخيرة للتذكير

حاول الغرب منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية تحميل خسائرها للاتحاد السوفييتي، وكان الهدف الغربي الواضح في تلك الفترة هو إضعافه واستنزاف قدراته، مما يجعله يسقط في ساحة المعركة، أو يخرج منها خائر القوى فيصبح سهل الاصطياد. لكن الهدف الأعمق للرأسمالية في فترة الحرب العالمية وما بعدها هو نهب ثروات هذه المساحة الشاسعة، علّها تؤمّن مخزون الطوارئ في أزمتها المتفاقمة، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، وما نتج عنه من نهب منظم لثروات شعوبه، إلا أن الأفق بات يضيق مجدداً أمام الرأسمالية، وباتت مضطرة لرفع درجة النهب الحاصلة، وهو ما بات يفرض عليها إعادة تفتيت جديدة لبقايا الاتحاد السوفييتي فبات من الضروري تقسيم الجمهوريات السابقة، مما دفع روسيا وغيرها للتصدي لهذه الأخطار الوجودية.
شكّل بقاء حلف الناتو- حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحل حلف وارسو- سبباً كافياً لتهديد الاتحاد الروسي، والذي وعلى الرغم من تفريط قيادته في زمن الانهيار، وما تلاه بالكثير من عناصر أمنهم الوطني، إلا أنهم استشعروا هذا الخطر، وباتوا يراقبون سلوك الغرب والناتو بقلق، وبعد أن بات واضحاً أن هذا الحلف يعمل على حصارهم والتضييق عليهم ويصنفهم كـ «أعداء محتملين» بشكلٍ رسمي، كان المطلوب من أية قيادة روسية التعامل بأعلى درجات المسؤولية مع الأخطار الخارجية والتصدي لها. ولذلك لم يكن سلوك روسيا مستغرباً منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في 2014، فهذا البلد المجاور الذي تفرض ضرورات الأمن الوطني الروسي بقاءه محايداً، في الحدود الدنيا، بات يشهد تصاعداً في دعوات النخب السياسية لكسر هذا الحياد والانتقال إلى حضن الغرب، مما يحوّل أوكرانيا لرأس حربة موجهة إلى خاصرة روسيا، وقاعدة عسكرية متقدمة لقوات الناتو، تحوي كل أنواع الأسلحة التي لا يمكن لروسيا أن تقبل وجودها على حدودها. ولذلك كان سلوك موسكو مفهوماً منذ اللحظات الأولى للإعلان عن إمكانية توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومن ثم الانقلاب العسكري الذي جرى، وما تلاه من سيطرة للقوى اليمينية المتطرفة وقوى النازية الجديدة على الحكم وصولاً إلى إعلان أوكرانيا مجدداً نيتها الانضمام إلى حلف الناتو، وتحضير نفسها للمواجهة مع روسيا، حتى بحث إمكانية تطوير أسلحة نووية تكتيكية في هذه المعركة. فالخيار الصعب الذي بقي أمام روسيا هو إما الانتظار لتصبح أوكرانيا جزءاً من الناتو، ويتوجب على روسيا عندها التعامل مع 30 دولة مجهزة بأحدث الأسلحة النووية وغيرها من العتاد المتطور، وإما كسر قواعد اللعبة ونزع سلاح أوكرانيا وتدمير بنيتها التحتية العسكرية، وإبعاد القوى المتطرفة عن الحكم وفرض حيادها بقوة السلاح وهو ما جرى.
القراءات المخصصة لدراسة ورصد التطور السياسي والتاريخي لهذه المسألة موجودة ومتاحة بكثرة، ويمكن حتى ذكر كثير من المصادر الغربية التي تنجح في الحد الأدنى في توضيح تطور هذه المسألة وتعطي تفسيراً- وإن كان بسيطاً في بعض الأحيان- للدوافع الحقيقية للسلوك الروسي. ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى المحاضرة التي ألقاها البروفيسور جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية الشهير في جامعة شيكاغو بعنوان: «لماذا تعتبر أوكرانيا خطأ الغرب؟» والتي نشرت في عام 2015، ويمكن أيضاً قراءة اللقاء المطول الذي أجرته جريدة «نيويوركر» الأمريكية مع ميرشايمر في 1 آذار الجاري بعنوان: «لماذا يُحمّل ميرشايمر الولايات المتحدة مسؤولية الأزمة في أوكرانيا». وقد نشرت «الغارديان» البريطانية مقالاً للصحفي والكاتب البريطاني جوناثان ستيل حول الموضوع ذاته، بعنوان: «فهم رواية بوتين هي المفتاح الأساسي لفهم هذه الأزمة»

هل وقعت موسكو في فخ واشنطن؟

فهم السياق الذي تطورت فيه هذه المسألة ينقلنا إلى مستوى جديد لقراءة الحدث، ومن ثم قراءة نتائجه المتوقعة على المدى القريب والبعيد، بل حتى يمكن القول: إنه كلما ارتفع مستوى فهم ما يجري تزداد الأسئلة وتتعقد الإجابات، فبعض الطروحات تقول: إن الولايات المتحدة سعّت بشكلٍ حثيث لجر روسيا للدخول في صراع دموي طويل في أوروبا، مما يؤدي إلى إشغالها هناك وتسهيل استراتيجية واشنطن المعروفة باسم الانتقال إلى آسيا «Pivot to Asia» فتكون الصين بهذه الحالة- وحسب أصحاب هذا الطرح- وحيدة في مواجهة واشنطن في آسيا. ومن هنا يستنتج البعض أن إعلان روسيا خوض المعركة عسكرياً في أوكرانيا كان يعتبر خطوة أساسية في مخطط واشنطن الخبيث لإيقاع روسيا بالفخ. ولكن إذا ما أعدنا ترتيب الأفكار قليلاً يتبين أن واشنطن بتواطؤ حكام أوروبا وكييف وبالتناقض مع مصالح شعوبهم، كانت تسعى لوضع موسكو أمام خيارات صعبة، إذ أن دخول المعركة لم يعد مجرد خيار، بل بات الخيار الوحيد بالنسبة لروسيا، وخصوصاً بعد أن تبينت استحالة تجنبها في السنوات السبع الماضية، وهنا سعت روسيا للقيام بهذه الخطوة في اللحظة التي تضمن أقل خسائر ممكنة، وتسمح لها بضبط حدود الجبهة المشتعلة، أملاً في منع توسعها أو نقلها إلى أراضيها. ليكون بذلك نجاح روسيا في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، يعني قلباً لقواعد اللعبة كلياً وتغيير المعادلة في أوروبا التي ستجد نفسها مضطرة للخضوع لضمانات موسكو الأمنية، والتي يعد الخروج العسكري الأمريكي من أوروبا أحد أبرز بنودها.
لا شك أن إمكانية استنزاف روسيا في معركة أوكرانيا لا يزال خياراً مطروحاً- على الرغم من أن الوقائع الميدانية تقول غير هذا- لكن نجاحها حتى اللحظة بمنع تورط أطراف أخرى بشكل مباشر في هذا الصراع سيزيد بشكلٍ كبير من حظوظ موسكو بحصاد النتائج السياسية لهذه المعركة، والتي لن تنحصر في حدود أوكرانيا وحدها.

الصين وروسيا وأوروبا

المثير للانتباه، أن الطبيعة الحاسمة لهذه المعركة فرضت على الغرب أن يقوم برمي معظم الأوراق في أيامها الأولى، فالعقوبات الشديدة التي جرى فرضها حتى اللحظة أجبرت روسيا- ورغماً عن الفئات الروسية المرتبطة بالغرب اقتصادياً- تفعيل «خطة النجاة البديلة» والتي كان قد تم وضعها منذ أن اتضح وجود احتمال جدّي لقطع العلاقات كلياً بين الغرب وروسيا. فنشهد في هذه الحالة عزلة غربية بدلاً من عزل روسيا التي ستنجح عبر تعاونها مع الصين والشركاء الآخرين بالوصول إلى شرايين الحياة الضرورية. لكن هذه المسألة من شأنها أن تطرح مسألة أخرى، وهي مصير «الفضاء الأوراسي»، فتوتر العلاقات بين أوروبا وروسيا يشكل- دون أدنى شك- عقبة جديدة بوجه الفضاء الآسيوي الأوروبي المشترك، لكن السؤال الكبير المطروح: هل تستطيع أوروبا تحمّل التكلفة الباهظة لما يجري؟ لا شك أن العقوبات المفروضة على روسيا ستشكل حالة من الفوضى المؤقتة، لكن روسيا والصين قد وضعتا بالفعل كل المخططات اللازمة لهذا السيناريو، واشتعال الصراع إلى هذه الدرجة يعني أن الوقت قد حان فعلاً لتفعيل خطط الطوارئ التي سبق إعلانها فعلاً من قبل موسكو وبكين، لكننا لم نسمع حتى الآن عن خطة أوروبا البديلة! فإذا كان النقص الحاد في مصادر الطاقة- والتي لن يكون بالإمكان تعويضها- يشكّل خطراً حقيقياً على الاستقرار السياسي والاقتصادي في أوروبا، فيجب علينا ألا ننسى أن الآثار ستكون أشمل بكثير من قطاع الطاقة، فالاقتصادات العالمية شديدة الترابط فيما بينها، مما سيجعل آثار هذه العقوبات شديدة لا على أوروبا وحدها، بل على الاقتصاد العالمي كله، وخصوصاً أن روسيا تعتبر أحد أهم الموردين للمواد الخام الأساسية في الصناعة، هذا بالإضافة إلى كونها من منتجي الغذاء الأبرز وسوق واسعة للاستهلاك. كل هذا سيدفع أوروبا في نهاية المطاف إلى التراجع لا عن معاداة روسيا فحسب، بل لمراجعة مصالحها الإستراتيجية مجدداً، مما سيعيد- وبشكل أشد- طرح جدوى الخضوع للهيمنة الأمريكية.
المشهد اليوم، يؤكد بوضوح اقتراب الدقائق الحاسمة، إلى تلك الدرجة التي سيصبح ما يجري في أوكرانيا اليوم على الرغم من حجمه وتأثيره أقل بكثير من أن يبقى حاضراً في الصورة العامة التي تزداد تعقيداً. انتقال روسيا والصين وحلفائهما الطبيعي للرد على المحاولة الأمريكية والغربية للاحتواء والتفتيت، سيدفعهم في طريق ذا اتجاه واحد، سيصل في نهاية المطاف لتقويض أساسات النظام العالمي الذي تعاملنا معه منذ الحرب العالمية الثانية. هذا من شأنه أن يرفع درجة الاستقطاب على المستوى العالمي إلى تلك الدرجة التي لن يكون بإمكان دول العالم البقاء في موقع المتفرج وعليها، في هذه اللحظة بالذات حسم خياراتها، مما سيؤدي إلى إنضاج الظروف وملامح النظام العالمي الجديد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1060
آخر تعديل على الإثنين, 07 آذار/مارس 2022 12:16