تصعيد جديد...  ماذا تتوقع العقول أمريكية الصنع؟

تصعيد جديد... ماذا تتوقع العقول أمريكية الصنع؟

قام مسلحون بالهجوم على سيارة تقل العالم الإيراني محسن فخري زاده، رئيس مركز الأبحاث والتكنولوجيا في وزارة الدفاع، الذي أصيب إصابة بالغة في الاشتباك، مما أدى إلى وفاته لاحقاً في أحد مستشفيات طهران يوم الجمعة 27 من شهر تشرين الثاني الجاري. وما أن أعلنت وزارة الدفاع عن اغتيال العالم الكبير حتى جرى تحميل مسؤولية هذا الاغتيال للكيان الصهيوني، نظراً لأن زاده كان دائماً على قائمة الاستهداف الصهيونية.

بدأ اغتيال العلماء الإيرانيين منذ العام بداية 2010 مع اغتيال مسعود علي محمدي الذي كان أستاذاً للفيزياء في جامعة طهران، لتكون العملية الثانية في نهاية العام نفسه، حيث جرى اغتيال مجيد شهرياري أستاذ الفيزياء، والعامل في مؤسسة الفيزياء النووية في جامعة «شهيد بهشتي»، ونجى فريدون عباسي في اليوم نفسه من محاولة للاغتيال بعد إصابته إصاباتٍ بالغة. أما الاغتيال الثالث فهو اغتيال داريوش رضائي نجاد في العام 2011، ومن ثم اغتيال مصطفى أحمدي روشن في 2012. ليتوقف بعدها مسلسل الاغتيالات حتى لحظة اغتيال خامس العلماء الإيرانيين محسن فخري زاده. الذي ولد في مدينة قم 1958 وحصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة النووية، وشغل مجموعة من المناصب، منها: المدير التنفيذي لمشروع آماد المتخصص بإجراء الأبحاث المتعلقة باليورانيوم وتحديث الصواريخ. ينسب إليه الفضل في تطوير البرنامج النووي الإيراني، عبر سلسلة من الزيارات التي قام بها إلى آسيا في الفترة التي كانت تبحث إيران فيها عن مستلزمات المشروع، سواء النظرية والعلمية أو مستلزمات بناء المفاعلات.

قبل تداعيات الحدث!

ينشغل المحللون ووسائل الإعلام بطبيعة الرد الإيراني على هذا التصعيد، لا بل يبدو هذا الطرح حاضراً بقوة داخل إيران، التي بدأت باتخاذ إجراءات جوابية أولية لم تقف عند التصريحات وتحميل الكيان الصهيوني مسؤولية هذا الاغتيال، الذي لم يختلف من حيث طبيعته عن كل الاغتيالات التي سبقته. ولكن وقبل نقاش السيناريوهات المطروحة يجب الوقوف قليلاً عند توقيت هذه العملية لا في الداخل الإيراني فحسب، ولا في داخل الكيان الصهيوني، بل تحديداً في واشنطن.
لابد لنا أن ننطلق من عمق الأزمة وشدة الانقسام الحاصل في النظام الأمريكي، ولا داعي للتذكير بأن معظم الملفات الدولية باتت موضوعاً يغذي هذا الانقسام، ولا تعد إيران استثناءً. فالسلوك الأمريكي اتجاه هذا الملف وغيره كان متذبذباً بين «الهجوم/ الانسحاب» فكل فريق يدفع الأمور بالاتجاه الذي يريده، لكن الملفت هو النتيجة النهائية لهذا الصراع، فأيٌ من الفريقين لم ينجح في حسم الصراع في الداخل حتى اللحظة، لكن شدة هذا الصراع مع عوامل أخرى تجرد الولايات المتحدة من قدرتها على المناورة خارج حدودها. فلا «فريق المهاجمين» يملك من الموارد ما يسمح له بتنفيذ مخططاته، ولا يستطيع فريق المنسحبين أن يثبّت انسحابه عبر اتفاقات دولية من نموذج «الاتفاق النووي الإيراني».

الاتهام الإيراني للكيان الصهيوني بضلوعه في هذه العملية لا يحتاج إلى الكثير من الدلائل، وخصوصاً أن الكيان لا يحاول إنكار الاتهامات أصلاً، لكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها «اجتهادٌ إسرائيليٌ» هو تفسيرٌ قاصر، فالكيان الصهيوني الذي بات يقلق من أن يُترك وحيداً بعد الانسحاب الأمريكي، لا يتحرك منفرداً بل يحظى بدعم وموافقة من أطرافٍ فاعلة في واشنطن ترغب في تعقيد الأمور مع إيران. فالتغيرات التي جرت مؤخراً في الإدارة الأمريكية في كل من وزارة الدفاع والاستخبارات تهدف إلى دفع الأمور إلى نقطة اللاعودة في العلاقة مع إيران، مما يقلل فرص الإدارة القادمة– إن وصلت– للقيام بتغيرات جذرية في الملف الإيراني. وسيمكنهم تعكير الأجواء من كسب الوقت، وخلط الأوراق في المنطقة التي يرغبون في إشعالها أكثر ولعقودٍ قادمة.
وإن كنا لا ننكر وجود هذه المحاولات إلا أننا نشكك في جدواها، فللتذكير، كانت الأسابيع الماضية تحمل العديد من «التحليلات» عن اقتراب عملية كبرى أمريكية لضرب إيران، وكانت هذه الأنباء تؤكد هذا التوجه وتدعم فرضيتها بالأدلة العسكرية، ويكاد ينسى البعض أن الترسانة العسكرية الأمريكية العملاقة لن تكون أكثر من خردة بالية، إذ لم تكن ذراعها السياسية قادرة على ضغط الزناد!

مستقبل الوجود الأمريكي

الجعبة الأمريكية والصهيونية لم تفرغ بعد، فهم قادرون دون شك على القيام بمئات العمليات المشابهة وخصوصاً أن هذه العمليات تعتمد قبل كل شيء على ثغرات سمحت للكيان باغتيال خمسة من أكبر علماء إيران، من داخل إيران وبأيادٍ محلّية، لكن هذه العمليات لا تستطيع وقف البرنامج النووي الإيراني، ولن تسمح بشكلها هذا بتحولات جذرية. لكن وفي الوقت نفسه، بات واضحاً أن الوجود الأمريكي في المنطقة يقترب من نهايته، ولن يتوقف في هذه اللحظات عن المحاولات لتفجير المنطقة، وهي مهمة تصبح أشبه بمهمة مستحيلة مع مرور الأيام، ولن يكون تحقيقها ممكناً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
994