هوفمان.. و «التراث الأميركي» مستقبل الدور الأمريكي محكوم بالانحدار

■ أمريكا لم تعد واثقة بأن اللاعبين الإقليميين سيكونون دائما راغبين في أن تكون أمريكا بينهم.

■ سوء في الادارة.. وعدم وضوح في الأهداف.

■ خبرة أمريكا في التعلم من التجارب.. لا تنبئ عن استعدادها للقيام بدورها الذي يسمح به النظام الدولي الجديد.

■ افتقار للخبرة.. وجهل بالتاريخ.

■ القادة الأمريكيين: «أيدينا قذرة لكن قلوبنا طاهرة»!!.

■ كان على الأمريكيون أن يتقبلوا صراعا طويلا دون بلوغ منطقة الذروة..

■ المركزية الجغرافية لأمريكا أخذت بالتضاؤل ولم تعد اكبر مقدمي المعونة والمشورة لكل من الشرق والغرب.

  بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة ازداد الحوار بل الجدل في داخل أميركا بين القائلين بتراجع القوة الأميركية وبين الذين يؤكدون أن التحولات الأخيرة التي شهدها العالم تؤكد انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي. 

وفي إطار هذا الجدل برزت تخوفات كثيرة من أن تؤدي التطورات العالمية مقرونة بتطورات داخلية إلى عودة الولايات المتحدة إلى نوع جديد من العزلة ستكون آثارها سيئة بالنسبة للعالم ككل وليس لأمريكا فقط حسب وجهة نظرهم.

الصفوة.. نيابة عن الأمريكيين

هوفمان حاول أن يدلي بدلوه في هذا الجدل من خلال دراسة أسماها «التراث الأمريكي» وهوفمان انطلق فيها من دراسة السياسة الخارجية الأمريكية ومشكلاتها وفي دراسة النظام الدولي والبحث في طبيعة التغيرات الحادثة والتحديات التي ترتبت عليها وتواجهها الولايات المتحدة في الوقت الحالي.

وهنا ننبه أن ما يقصده هوفمان بتعبير الولايات المتحدة ليس المحيط الأمريكي ككل بل هم الصفوة أو الأمريكيون الذين يتخذون القرارات باسم أمريكا ويتحدثون بالنيابة عنه.

دراسة هوفمان يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: يتحدث عن السمات أو الخصائص التي جعلت الولايات المتحدة حالة منفردة كقوة كبرى منذ الحرب العالمية الثانية.

القسم الثاني: يستعرض فيه هوفمان التغييرات التي أصابت هذه الخصائص أو السمات وما تبقى من هذه الخصائص.

القسم الثالث: هو تسجيل عدد من الملاحظات على المناقشات الدائرة حول مستقبل الدور الامريكي في العالم:

من التفرد.. إلى الانحدار

أهو دور محكوم بالانحدار الذي تعيشه أمريكا أم أنه دور محكوم بتفرد أمريكا بدور القوة العظمى. وهو يحاول بملاحظاته أن يتخذ موقفا وسطيا بين هذه الاتجاهات في مقالته «التراث الأمريكي» وفي بحثه حول الخصائص الأمريكية يحاول أن يميز بين الخصائص التي تعزى إلى المصادفة التاريخية والمتمثلة بالطريقة المفاجئة بدخول أمريكا إلى المسرح العالمي بعد ضرب بيرل هاربر والتي جعلت ممثلي الصفوة الأمريكية متحمسين ويميلون إلى تمجيد القيم والأساليب الأمريكية، وبين تلك الخصائص التي لاتعزى للمصادفة التاريخية وحدها بل ترتبط بالظرف الذي دفعها لأن تبقى على صلة وثيقة بالأحداث بعد الحرب العالمية الثانية متمثلة بالاتحاد السوفيتي.

القوة المادية المطلقة والنسبية

في الجزء الأول من الدراسة يشير هوفمان إلى الثروة والقوة المادية المطلقة والنسبية التي تحوزها أمريكا منذ عام 1945. فهي امتلكت اقتصاداً يتسم بالديناميكية والكفاءة وبشكل غير معهود وحيازتها لثلثي احتياطات الذهب العالمي وناتج قومي إجمالي حقق زيادة تربو على النصف منذ عام 1939 في وقت كانت فيه جميع الاقتصاديات الصناعية تتحول إلى أشباه أنقاض مما شكل ميزة هائلة ووضعاً لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، ويشير كذلك إلى الموقع الجغرافي الأمريكي، وإن كان هناك القليل ممن ينتبهون له حسب رأيه أو إعطاؤه الأهمية الملائمة فموقع أمريكا لم يتغير، وإن كان كل شيء في العالم قد تغير. فأوروبا انهارت وكذلك معظم آسيا وبرز بالتالي موقع الولايات المتحدة بين المحيطيْن الاطلسي والهادي وأصبح موقعا رئيسياً وليس جزءا من الأطراف بل أصبح قلب العالم الذي تخرج منه البضائع والأفكار والنفوذ إلى أنحاء العالم كافة .

التورط..

وواضح أن التفوق الأمريكي المادي والموقع المركزي الجديد جاء نتيجة لما حدث في القوى الأخرى وغدت أمريكا عمليا عملاقاً اقتصادياً وقوة عسكرية وبحرية كبرى ودولة حاسمة. فبعد الحرب العالمية الثانية اتخذت أمريكا قراراً فريدا بالتخلي عن تراث طويل اكتسب نوعاً من القداسة وهو العزلة وعدم التورط ولم يجد هذا القرار إلا مقاومة داخلية صغيرة من دعاة العزلة وعدم الانحياز لتصبح أمريكا دولة عظمى ولكن دون تدريب تقريباً على خلاف الحال مع بريطانيا أو روسيا لهذا شاب العمل الخارجي الأمريكي عدة أخطاء تمثلت بمواقف نقلت من فرنسا والصين والاتحاد السوفيتي، وذلك لافتقار الخبرة والجهل بالتاريخ فالأمريكان حكم منهم للخارج لتجربتهم القومية الذاتية، ولذلك كانوا في تعاطف مع حروب التحرير الوطني لأنهم أقاموا استقلالهم عن هذا الطريق ولكنهم لم يكتسبوا منهم الثورات الاجتماعية والاضطرابات التي تجتاح العالم الذي دخلوا اليه .

ثم نُسبت أو ميزت أمريكا الحديثة بعد 1945 كزعيمة للعالم وهي أن غالبية الأمريكيين شعروا بالذنب بسبب سلوك بلدهم في الفترة التي انقضت بين الحربين العالميتين حيث اتبعت أمريكا مسارا من الحيادية والعزلة وهي سياسة أثبتت فشلها لأنها قادت في النهاية إلى إشعال الحروب «الحرب العالمية الثأنية».

الارتباط بإسرائيل

إن هذه الطريقة، أو الشعور بالذنب، يمكن أن يفسر لنا ارتباط أعداد كبيرة من الأمريكيين من غير اليهود بإسرائيل وذلك بسبب عدم مبالاة أمريكا بما حصل لليهود في أوروبا في الثلاثينات، وهكذا تعويضا عن هذه السلبية في السياسة الخارجية برز تعميم وطني على تولي القيادة في العالم بل وعلى استخدام كل وسيلة متاحة لتحقيق ذلك وبعد أن كانت أمريكا لا تدرك أهمية القوة لدولة عظمى أو ترى في استخدامها في الخارج مصدراً لتورط غير مجد بل أثرا خلافياً أصبحت مستعدة الآن للقبول برأي القائلين بأنه لاسبيل للقيام بدور عالمي بدون وجود قوة مناسبة وتوافر الإرادة اللازمة لاستخدامها، ورافق هذا الاندفاع للعمل في الشأن العالمي شعورها أنها يجب التعامل مع العالم ليس من خارجه بل من داخله وهذا يحمل الدافع التبشيري للدور الامريكي وهذا ماتمت صياغته كأيدلوجية أمريكية إزاء العالم والمتمثلة بالرؤية بأن أمريكا وحدها دون أمم إلارض التي قامت على أفكار تتخطى حدود الطبقة والفئة والخلافات العرقية والهيمنة، فأمريكا وحدها التي يمكن أن تقدم نمطاً للمستقبل.

«الإيديولوجيا» استجابة لقضية ملتهبة

كما أنه من بين عناصر الخبرة الأمريكية التي ميزت سياسة أمريكا ووجهت تحركاتها وأضافت عليها كل القوة الهائلة ما أطلق عليه اسم «القدرة على الفعل» أي الاعتقاد بأن ما تفتقر اليه أمريكا من حيث الخبرة يمكن تعويضه عن طريق المهارات التكنولوجية والهندسية والقدرة الإدارية على نقل السلطة بكفاءة وسرعة وأسلوب تنظيم مؤسسات إنتاجية، ومن المميزات الأمريكية التي لا يمكن أن تعزى للمصادقة التاريخية وحدها وتبقي أمريكا على صلة وثيقة بالأحداث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ألا وهو الاتحاد السوفيتي فكثير من الدول الكبرى في الماضي عبأت مواردها ووحدت الرأي العام بقوة غير عادية عندما اصطدمت بها قوة عدوانية تبغي الهيمنة ولكن تحدي الاتحاد السوفيتي كان تحديا في وقت السلام لكن أمريكا بإحساسها بأنها تحمل رسالة كان رد فعلها أشبه بالوكالات في حالة حرب، وكان سبب ذلك أبحاثها الراسخة بالاتجاه الذي تمضي فيه، هذا الاتجاه الذي حددته عقيدة الاحتواء كأسلوب للعمل، وكانت تحتوي على كافة عناصر الإيدلوجية بقدر ما تكون الإيديولوجية استجابة لقضية ملتهبة، وبذلك كان من سمات أمريكا أنها ركزت نظرها على هدف واحد وعدم ترددها في متابعة الحرب على نطاق واسع وكم كانت هذه المتابعة والاستمرارية مدهشة، وكان ذلك بسبب الواجب الأخلاقي المتمثل في «ضرورة القضاء على الشر». فالخطر السوفيتي أعطى الفرصة للتحرك بنفس العزيمة ونحو الهدف نفسه.

الصيغة الأمريكية.. والقادة

ومن الخصائص الأمريكية أن القادة الأمريكيين تمتعوا في السنوات التالية للحرب بثلاث ميزات رئيسية عززت إيمانهم بالفضائل الفريدة للصيغة الأمريكية الداخلية.

أولها- إن طبيعة التحدي الخارجي كانت واضحة مما جعل من الممكن التوحيد بالاستفادة من تيارات الفكر المختلفة المتعايشة معاً وإن اختلفت حول دور الولايات المتحدة في العالم .

ثأنيا- كانت الدبلوماسية والاستراتيجية الأمريكية مدينتين بجانب كبير بخيانتهما لسمة خاصة من سمات النظام الأمريكي وهي أن من يحلون على قمة صنع القرار يستطيعون بالاعتماد ليس على مواهب المحترفين فحسب أي الموظفين بل الاستعانة بكفاءة عددها عدد المواطنين كلهم.

ثالثا- توافق الرأي الذي تشكل بعد عام 1947بشأن السياسة المنيعة إزاء أوروبا أولاً وبعد ذلك بشأن السياسة تجاه آسيا وحقق قدراً من السيطرة للسلطة التنفيذية ولرئاسة الجمهورية، لم يكن ممكنا قبل ذلك إلا وقت الحرب. وهكذا تمتعت أمريكا كدولة عظمى بميزتين في الخارج وتلك السمتين كانتا مصدراً للقوة العسكرية والاقتصادية الهائلة. حيث جاءت إحداهما من الداخل:

أيدينا قذرة..

أولاً – وهي القوة النابعة من صورة الذات والإيمان بالنفس من جانب قادتها حيث اعتقدوا أن أهداف أمريكا " لأصحاب القرار هي أهداف الجميع وأنها موضع تقدير عام، والاعتقاد بأن السياسة تعززها أخلاقيا قوة كافية، وكما كان هناك ميل لتبرير اللجوء الحتمي أو الإجباري والألاعيب القذرة والعمليات المستترة وهو ما عبر عنه الناشر جيمس أثناء حرب فيتنام " إن أيدينا قذرة لكن قلوبنا طاهرة ".

ثانياً- الميزة الثانية من الخارج حيث اتضح أن الذين هم في البلدان الخارجية لا يريدون من الولايات المتحدة المعونات المادية فقط، بل وأشياء أخرى كثيرة وكان ما يثير اهتمامهم أو إعجابهم هو الثقافة الشعبية الأمريكية، الاهتمام الأمريكي بإشباع مطالب المستهلكين العاديين وفكرة وجود مجتمع أقل جمودا وتقسيما وأكثر مرونة عن المجتمعات الفاتحة في أوروبا وآسيا، وكان من شأن القيود الخارجية تعزيز الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تحمل الرسالة الصحيحة .

السمات على أرض الواقع

كانت هذه هي السمات والخصائص العامة الأمريكية في حركتها كدولة عظمى، لكن كم تصدق هذه الصورة اليوم عما للولايات المتحدة من سمات وخصائص وما تؤمن به من معتقدات وما أصابها من تشوهات أو ما تعلقت به من أوهام وما لديها من نقاط قوة أو نقاط ضعف هنا يحاول أن يميز بين ثلاث فئات من التغيير .

-1 ما الذي تعلمه الأمريكيون من تجاربهم؟. 

-2 المعنى الذي استخلصوه من التطورات التي وقعت بالخارج. 

-3 وما الذي أحدثته التغييرات الداخلية من تأثير على الولايات المتحدة بوصفها دولة كبرى.

«الصبر، الحدود، التعاون»

يمكن أن نلخص ما تعلمته الولايات المتحدة في ثلاث كلمات هي «الصبر، الحدود، التعاون» وهي بهذا المعنى أصبحت دولة كبرى عادية وابتعدت كثيراً عن مواقف 1945. إن الأزمات الكبرى تستدعي استجابات ارتدادية هي الرغبة بإلاتيان بردود أفعال فورية والاتجاه الغريزي باستخدام الثواب والعقاب، وهذا الاتجاه كان واضحاً عند غزو السوفيت لأفغانستان وفي الدراما المتعلقة بالكويت لكن كان على الأمريكيين أن يتقبلوا صراعا طويلا دون بلوغ منطقة الذروة، وهناك إدراك أكبر الآن لصعوبة حل كثير من المشاكل والحاجة حسب تعبير ميتران «لإتاحة الوقت للوقت» وبسبب من سبق الأسلحة النووية وضعت الدول الكبرى قواعد اللعبة على رغم الفجوة الإيدلوجية وحدث هذا في أزمات كبرى سابقة كأزمة كوبا وأزمات الشرق الأوسط.

التراجع..

إن الفكرة القائلة بأن أمريكا قادرة على إيجاد الحلول وفرضها آخذه في التراجع، وتضاءلت الآمال الامريكية في تحقيق تنمية اقتصادية سريعة في أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية اعتمادا على الوصفات المستمدة من الخبرة الامريكية، وكانت حرب كوريا وفيتنام، وبعد ذلك لبنان تحديا قاسيا لكبرياء أمريكا وصبرها، لكنها التزمت بالحدود الموضوعة بالرغم مما كان يثيره ذلك من غضب ومرارة وهذا يفسر رد الفعل الهادئ حتى الدهشة على ما حدث في أوروبا 1989-1990 حيث لم يثر ذلك قدرا عاليا من الشماتة باستثناء بعض المحافظين الجدد الذين حرصوا على أن يثبتوا أن الولايات المتحدة وسياسة ريجان كان لهما أثر حاسم في النتائج التي ترتب عليها أنهيار الاتحاد السوفيتي فاعتبروا أن هذه الاحداث تؤيد المثل العليا وتعزز الاعتقاد بأن معظم الناس في الخارج يريدون مجتمعاً على غرار المجتمع الأمريكي ويرحبون بالإندفاع ذي اللمحة الدينية التي تميز كثيراًً من الأعمال الأمريكية، لكن الأغلبية اعتقدت بأن انتصار المثل الأمريكية ليس هو ذاته أنتصاراً للقوة الأمريكية كما أنه كان انتصارا للقيم الغربية عموما، وليس للقيم الأمريكية خاصة كما أن هناك عوامل هامة ساهمت في هذا الموقف المتمثل للولايات المتحدة وهي التغيرات التي طرأت على العالم وأدت إلى انخفاض كبير في الوضع الاستثنائي للولايات المتحدة وهناك ثلاثة من هذه التغيرات ألهمت بذلك.

خارج القرار الأمريكي

-1 نهوض عدد من الدول التي طورت بفاعلية اقتصادياتها ومدت نفوذها إلى الخارج مع العلم أن أمريكا ساهمت بنفسها في بناء هذه الدول بعد نهاية الحرب الثانية ويدخل بذلك ما تقوم به أطراف ليست دولا مثل الصناعات المتعددة القوميات والبنوك وبعض المستثمرين الأفراد، ومع أن قسما من هؤلاء أمريكي إلا أنهم بغير شك غير خاضعين بشكل تام لسلطة الحكومة وهؤلاء جميعا لا يبدون تجاه الولايات المتحدة بنفس القرار من الإقدام والخضوع.

الميزة.. والأعباء

-2 ومن التغيرات الهامة هي نهاية الحرب الباردة فعندما كان النزاع قائما ويتخذ شكل مباراة ومنافسة كانت أمريكا تتمتع بميزة وتتحمل أعباء، وكان عليها أن تنسحب للاهتمامات الخاصة لحلفائها وكانت حاجة هؤلاء للأمن الذي توفره أمريكا لهم هو أساس قوتها لكن القوة مسألة نسبية تتعلق بالسباق المحيط بها لكن مع زوال الخطر الأمني بزوال الحرب الباردة وباتت قدرة أمريكا على إخضاع مصالح حلفائها المحلية أو الصغيرة للقضية المشتركة على النحو الذي تحدث أمريكا على إخضاع مصالح حلفائها المحلية أو الصغيرة للقضية المشتركة على النحو الذي تحدده أمريكا لم يعد مقبولا خاصة مع نهوض عدد من اللاعبين ذوي الإمكانات الوافرة وهذا يعني أن المركزية الجغرافية لأمريكا أخذت بالتضاؤل حيث لم تعد اكبر مقدمي المعونة والمشورة لكل من الشرق والغرب، كما أن أمريكا لم تعد واثقة بأن اللاعبين الإقليميين سيكونون دائما راغبين في أن تكون أمريكا بينهم إلا إذا كان دورها أقل وضوحا من ذي قبل أو من حالات الطوارئ كما حدث في حرب الخليج الثانية.

المنافسون الجدد

والتغير الثالث كان في الجانب إلاقتصادي:

حيث يصعب القول بأن التوازن هو الأمر المشار إليه أو أنه عنوان المباراة الدائرة حيث أن الاعتماد المتبادل في الاقتصاد العالمي هو سمة هذه المرحلة. في السابق رأت أمريكا أن الاعتماد المتبادل في ظل نظام رأسمالي عالمي مفتوح سيوفر لها أسواقا لبضائعها وفرصة الحصول على ما تحتاجه من موارد خام ومصادر طاقة لكن الاعتماد المتبادل زاد من اعتماد أمريكا على هذه الأسواق والمنتجات وبالتالي تقلصت المميزات التي كانت تتمتع بها أمريكا في البداية حيث أن المنافسين الجدد تمكنوا بها من تنمية مواردهم وأصبحوا قادرين على المنافسة .

ويمكن أن تشير هنا إلى تغير هام حصل في داخل أمريكا وهو ما يمكن أن تسميه سوء الادارة أو عدم وضوح الهدف.

أولاً: - بعد حرب فيتنام وتأثيراتها على الثقة بالنفس وبعد تراخي الصراع مع الاتحاد السوفيتي وانتهائه لاحقا تبدد الشعور بالهدف والغرض الذي كان يسمح بتعبئة العقول والطاقات وبقرب المفاهيم والمواقف ويجعلها تلتقي كما التقت سابقاً في عقيدة الأضواء وبدل ذلك أصبحنا نرى التقاذف بين دعاة التحرك المنفرد أو التحرك المتعدد الأطراف وبين الواقعيين الذين يطالبون بتعريف أضيق للمصالح الوطنية وبين المتمسكين بدور نشط لأمريكا في ضمان الاستقرار العالمي بين دعاة العزلة الجدد وبين دعاة الحرب الصليبية من أجل الديمقراطية وكان غياب العدو يعني تهاوي الاستراتيجية وسيادة عدم اليقين .

ثأنيا: - ومن التغيرات الحاصلة هو أن الأمريكيين أصبحوا أكثر إدراكا لمجموعة المشاكل المحلية التي تؤثر في قوة بلدهم وفي هذا المجال يرى العديد أن دعائم القوة الاقتصادية أصبحت مهددة بالخطر ويشيرون إلى انخفاض معدل المدخرات وطغيان الاستهلاك على الاستثمار ومشاكل التدريب التقني ومشاكل المدن والمخدرات كل هذه أصبحت أموراً أكثر من الكاملة وأصبح من الصعب مناقشة هذه الأمور والمعوقات دون التطرق إلى دور الولايات المتحدة في العالم وتأثيرها عليه لكن ليس هناك بعد اتفاق على أفضل السبل لمعالجة مثل هذه المشاكل والمعوقات .

ثالثا: - وبسبب ذلك يظهر تغير ثالث وهو بداية التشكل في الخبرة الوطنية أي فيما كان يوما ما يقينا ثابتا، فالأمر ليس على يقين الآن عندما تجري المقارنة بين أسلوبهم في معالجة الأمور والأسلوب الياباني. إن الصورة أصبحت الآن مشروحة ولم يبق من الانعكاسات وعادات التفكير القديمة سوى مخزون هائل من الاستعداد للعمل الطوعي والإيمان بالقدرة على تصحيح العيوب والنواقص وقدرة الإرادة على إزالة العقبات وتغيير المسار.

 

ويخلص هوفمان من تعداد التغييرات الخارجية والداخلية التي حصلت لأمريكا إلى الإعراب عن قلقه وتخوفه من المستقبل لأمريكا بقوله " أنني قلق على المستقبل لأن خبرة أمريكا في التعلم من التجارب التي تحدثت عنها لا تنبئ عن استعداد حقيقي للقيام بالدور الهادي والعقد الناعم الذي يسمح به النظام الدولي الجديد بل والذي يتطلبه هذا النظام وهو النظام الذي يراه نظاماً قائماً على التعاون والتعدد وليس التفرد وليس نظاماً قائماً على الثنائية القطعية والمواجهة بل عالما تتوزع فيه القوة وتتعقد وتتجزأ وتتداخل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
231