ألمانيا المنقسمة اجتماعياً: انتخابات مأزومة ودولة ليست لكل مواطنيها

 مع انقلاب السحر على الساحر في الانتخابات التي أرادها المستشار الألماني غيرهارد شرويدر مبكرة على أمل الفوز بولاية مستشارية جديدة للبلاد التي دخلت في حالة فراغ سياسي إثر عدم تمكن شرويدر حتى ساعة تحرير هذه المادة من التوصل إلى اتفاق تسوية مع منافسته من الحزب الديمقراطي المسيحي التي فازت بأغلبية بسيطة في الانتخابات الأخيرة على حزب شرويدر الاشتراكي الديمقراطي دون أن تتمكن من تشكيل الحكومة بمفردها، تقترب الذكرى الخامسة عشرة على إعادة توحيد ألمانيا في الثالث من كانون الأول من عام 1990.

وهي عملية نظرت لها وكالة الصحافة الفرنسية مؤخراً بأنها تتسم بخيبة الأمل وخاصة في المناطق الشرقية حيث تجاور الورش المهملة المعالم التاريخية، وتمتزج مشاعر الحنين إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية بتهميش المواطنين المتحدرين منها.

  وتعيش «الولايات الجديدة» الشرقية وضعاً يتباين بشدة مع الازدهار الذي وعد به في حينه المستشار السابق هلموت كول حيث يتفاوت معدل إجمالي الدخل الشهري ما بين 28958 يورو في الشرق و 40986 يورو في الغرب فيما ترتفع نسبة البطالة في الشرق مقابل «القسم الغربي» مرتبطة بصورة قاتمة تتمثل في الورش المهجورة والمشاريع المعطلة بعد أن كانت تحمل وعوداً بإنشاء وظائف وأعمال، وباتت بلدات كثيرة مهجورة لعدم توافر البنى التحتية فيها.

  ويتجلى هذا التفاوت في الطريق العام الذي يربط برلين وشتيتن على الحدود البولندية، حيث يظهر عليه الإهمال كلما توغل شرقاً إلى أن تكسوه الأعشاب البرية كلياً في جزئه الأخير قبل الحدود.

  ويستمر هذا التفاوت على الرغم من «المساعدات» التي قدمت للمناطق الشرقية والتي بلغ حجمها 1240 مليار يورو بين عامي 1991و 2003 فيما يتوقع حسب تقرير حكومي منحها 156 مليار يورو من المساعدات العامة بين 2005و2019. وبينما لا يُعرف أين تذهب هذه الأموال إذا كان وضع القسم الشرقي بهذا السوء يتراءى لبعض المواطنين متدني الدخل في الغرب الذي يعاني بدوره من البطالة وآثار إعادة الهيكلة الاقتصادية أن أموالهم «تذهب في هوة بلا قاع».

  وقد أنتجت هذه السياسات أفكاراً مسبقة عن الألمان الشرقيين بوصفهم «مثيرون للكآبة» بحسب تعبير معظم المحافظين المتشددين من أمثال البافاري ادموند شتويبر أو «ريفيين خجولين» بحسب تعبير بعض أساتذة الجامعات الألمانية من أمثال ايمانويل درويت.

  وفي المقابل يضيف هؤلاء الباحثون أن الألمان الشرقيين ينظرون إلى سكان الغرب بوصفهم متعجرفين أنانيين وجشعين. ويضيف هؤلاء الباحثون أن الألمان الغربيين لم يعترفوا يوماً لألمانيا الشرقية بالحق في الوجود ما ولّد توجهاً ثابتاً لديهم إلى ممارسة حق الإشراف على هذه المناطق، وهذا ما يبرر موجة الحنين إلى الحقبة السوفياتية والتضامن الاجتماعي الذي سادها، الأمر الذي صوره ببراعة فيلم «وداعاً لينين» للمخرج فولفانغ بيكر.

  وتتابع الوكالة إن البطالة المقرونة بهذا الحنين تعد مبرراً للفوز الذي حققه الشيوعيون السابقون في الانتخابات في مناطق ألمانيا الشرقية سابقاً حيث حصلوا على 25% من الأصوات.

 

  ووسط استمرار الهجرة من القسم الشرقي إلى القسم الغربي من ألمانيا بحثاً عن حياة أفضل ، لا يزال الشرقيون يبحثون في أماكن سكنهم عن «مستقبل آمن» و«استقلال مالي» في دولة يفترض أنها لكل مواطنيها.