معضلة الأنظمة الأوربية بين مطرقة السياسات الرأسمالية وسندان الاستقلال عن واشنطن

عقب الانتخابات الألمانية، طلب رئيس المفوضية الأوروبية "خوزيه مانويل باروزو" من أعضاء مفوضيته نسيان موضوع الدستور الأوربي في المدى القريب، والاكتفاء بالعمل على تعزيز الاتحاد الأوروبي كما هو قائم الآن. وكان من الواضح قبل تلك الانتخابات وتحديداً عقب الاستفتاءين اللذين جريا في فرنسا وألمانيا، وتم فيهما التصويت بالرفض على مسودة الدستور الأوروبي، أن مشروع هذا الدستور قد مات. بيد أن رد الفعل في دوائر المفوضية الأوروبية وفي دوائر النخبة السياسية الأوروبية المؤيدة لتوسيع الاتحاد، كان الإنكار.

وقد قيل في تبرير ذلك الإنكار، إن الناخبين الأوروبيين وبمجرد أن تعاد توعيتهم، وتسويغ الدستور لهم، سوف يعودون إلى رشدهم، مما يسمح باستئناف عملية التصديق على الدستور. ولكن الذي يحدث الآن، هو أن رئيس المفوضية الأوروبية نفسه يقول لنا إن باب النقاش في الموضوع قد أغلق في المدى المنظور، وإن ذلك ربما يمتد إلى الأبد.

  وهناك إنكار آخر يتعلق بنتيجة الانتخابات الألمانية. فدوائر المحافظين في بريطانيا وفي أمريكا على حد سواء، توقعت أن تسفر تلك الانتخابات عن فوز الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي كان يفترض أن يقوم بعد فوزه بإنقاذ البلاد من ذلك النوع من الضلال، والعبث مع فرنسا الذي وسم السياسة الخارجية للبلاد في سنوات حكم شرودر، والانغماس مجددا في سياسات اقتصادية على النمط الأمريكي. وكان هؤلاء يتوقعون أنه إذا ما حدث ذلك في ألمانيا تحت راية الحزب الديمقراطي المسيحي، فإن باقي الدول الأوروبية سوف تقتدي بها، وتواصل مسيرتها على طريق الاتحاد. بيد أن الذي حدث بدلا من ذلك، وكما جاء على لسان معلق أمريكي متهكم، هو أن الألمان قد وجهوا ضربة عنيفة ومؤلمة إلى أمل أوروبا في تحقيق "عملية تجديد اقتصادية واجتماعية" مبكرة.

  وفي الحقيقة أن تلك الملاحظة المتهكمة التي تكاد تصل إلى حد الاحتقار نحو أوروبا لم تكن الأولى من نوعها.. حيث سبق التعبير عن ملاحظات مماثلة من قبل المحافظين الأمريكيين في الربيع الماضي. ففي ذلك الوقت قال هؤلاء المحافظون، إن نتائج التصويت على الدستور في فرنسا وهولندا، قد أظهرت أن أووربا قد هجرت "الفكرة المثمرة الخاصة بالتقارب المستمر بين دولها وصولا في النهاية إلى الاتحاد الكامل، وأنها قد حكمت على نفسها بذلك بالدخول في فترة أفول يصعب تحديد مداها مما قد يؤدي إلى فقدانها للأهمية وللصلة بالعصر"، بل وألمح هؤلاء أيضا أن أوروبا سوف تتحول في المستقبل إلى مجرد منتجع للسياح الأمريكيين بكافة طبقاتهم.

  قال هؤلاء المحافظون أيضا إن أمريكا تتطلع الآن نحو الشرق.. بغرض عقد تحالف مع الهند أو من الممكن إذا ما استمعنا إلى بعض الأصوات شبه المعتوهة في البنتاجون وفي مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية، إنها تتطلع إلى الدخول في حرب مع الصين حول موضوع السيطرة على مصادر الطاقة.

  والسؤال هنا هو: ما الذي قاله الناخبون الأوروبيون وأثار كل ردود الفعل هذه؟ في التصويت على مسودة الدستور الأوروبي كان ما قاله الناخبون الفرنسيون والألمان إنهم غير راغبين عن توسيع الاتحاد الأوروبي فيما وراء الحدود المعترف بها تاريخياً لأوروبا، وإن تصويتهم بالرفض يهدف إلى حماية القيم الأوروبية في المقام الأول.

  أما في الانتخابات البرلمانية الألمانية، فقد رفض الألمان الإقصاء الاجتماعي والفروق الجذرية بين الثروة والفقر، والقيم المادية الأنجلو أمريكية البحتة. ويذكر أن هناك نموذجاً سياسياً، كان قد حظي بقبول عريض في الفكر الأوروبي المعاصر، وهو ذلك الذي يماهي بين التقدم وبين الإنتاج المادي القائم على شكل من أشكال الرأسمالية التي تحركها العوائد المادية والكفاءة الإنتاجية وتقليص تكلفة العمل إلى أقل حد ممكن. وأقنع هذا النموذج قطاعاً واسعاً من الصفوة السياسية الأوروبية، بأن دفاع الاشتراكيين الألمان الانتخابي عما يعرف بالنموذج الاشتراكي الأوروبي كان خاطئا تماما، مثله في ذلك مثل التصويت الفرنسي والهولندي على توسيع الاتحاد الأوروبي. فتلك الصفوة ترى أن المحصلة النهائية للنموذج الرأسمالي الأنجلو- ساكسوني هي توفير الرخاء والحياة الأفضل للجميع.

  ومع ذلك فإن معظم الناس الذين جربوا هذا النموذج يعرفون تلك الطائفة من مظاهر إساءة الاستخدام، والانتهاكات، وعدم العدالة التي تميز أنظمة إعانات البطالة، والتأمين الصحي، والمعاشات في هذا النموذج كما يدركون أيضاً أن العقبات الحالية الموجودة في جوهر هذا النظام، والتي تحول دون خلق مشروعات جديدة هي عقبات خطيرة للغاية.

 

  ■ ويليام فاف