بقلم: غاري نورث؛ لو روكويل بقلم: غاري نورث؛ لو روكويل

حرب إيران السرية

تخطط إيران لوقف استخدام الدولار الأميركي في تسعير النفط، في ضوء وجود أقل من نصف دخلها النفطي الآن يدفع بالعملة الأميركية، حسبما قال حاكم مصرف إيران المركزي. وهذه الرواية للـ«أسوشييتد برس» في 28 آذار اختصت بها كل صحيفة أميركية، إن لم يكن على الصفحة الأولى، فعلى الأقل على صفحة الأعمال الأولى. لكن من المحتمل أن يكون فاتك ذلك. فوسيلة الإعلام الأميركية الوحيدة المعروفة التي أزعجت نفسها بمتابعة هذه القصة كانت الـ«هيرالد تريبيون إنترناشيونال» التي تملكها الـ«نيويورك تايمز». وظهرت القصة في القسم المخصص للأعمال في صحيفة الـ«هيرالد تريبيون».

«إن أكثر من 50 بالمئة من دخل إيران النفطي يُدفع بعملات أخرى. إننا نقوم بتخفيض حصة الدولار ونطلب من الزبائن الدفع بعملات أخرى»، قال شيباني الذي أضاف بأن كل زبائن إيران الأوروبيين، تقريباً، وبعض الزبائن الآسيويين، قد وافقوا على الدفع بعملات غير الدولار.

إنّ واقع تسعير إيران لنفطها بعملات أخرى غير الدولار الآن يذكر بقرار مشابه اتخذه صدام حسين في أيلول 2000. وقد حصل ذلك بعد شهر من لقاء هوغو شافيز مع صدام في العراق، فقد كان أول رئيس دولة يزور صدام حسين منذ حرب الخليج 1991، وكان سعر النفط حينها حوالي 30 دولار.

وفي 10 نيسان 2001، أصدر مجلس العلاقات الخارجية (CFR) ومعهد جيمس بيكر بلاغاً حول بيان مشترك للحزبين (الديمقراطي والجمهوري) حول: «سياسة الطاقة الاستراتيجية: تحديات القرن 21». وبيكر هو وزير الخارجية الأسبق أثناء حكم بوش الأب، وكان يعتبر بمثابة المستشار الأول له، مثلما كان يدير البيت الأبيض في فترة ولاية ريغان في كل وقت لم يكن ريغان قادراً على تأكيد صحة قضية معينة. وعندما قام مجلس العلاقات الخارجية وبيكر بإصدار تقرير مشترك، فإنه كان من الأفضل لنا أخذه بجدية كبيان حول ما يفكر به أولئك المتنفذون في النظام- أو يريدون الشعب أن يفكر به حول سياسة الحكومة. وقد لخص بلاغ مجلس العلاقات الخارجية الإعلامي نتائج التقرير.

وللمفارقة فقد فاقمت الطفرة الاقتصادية في السنوات الأخيرة من إمكانية حدوث أزمة طاقة. فالنمو القوي في معظم البلدان، والطلب الجديد على الطاقة أدى إلى نضوب الفائض المثبت سابقاً من الوقود الهايدروكاربوني. وبالنتيجة، فإن العالم الآن قريب، بشكل مقلق، من استخدام كل سعته الإنتاجية المتوفرة من النفط العالمي. فإذا ما حصل أي حادث أو معوق آخر في الإنتاج- سواء بأنبوب نفط ألاسكا، أو الشرق الأوسط أو أي مكان آخر- فإن العالم قد يكون على حافة أسوأ أزمة نفط دولية منذ ثلاثة عقود.

إن غزو بوش للعراق ومقاومة الاحتلال أديا إلى خلق نوع من المعوقات والفوضى كان مجلس العلاقات الخارجية قد حذر منها. وليس مصادفة أنه عندما قدمت مجموعة دراسات العراق المستقلة بديلاً عملانياً لسياسة الإدارة تجاه العراق، كان بيكر هو رئيس المجموعة. المشكلة هي أن التقرير كان سخيفاً- حيث أنه لم يقدم حلاً واضح المعالم ومحدد بدقة للمشكلة، لأنه ليس هناك من اتفاق داخل مؤسسة السياسة الخارجية بخصوص سياسة أميركا الشرق أوسطية، ولم يكن، منذ أيار 1948. ولا يزال القلق بشأن حرب تلوح بالأفق مع إيران يضغط على أسعار النفط تصاعدياً. أما الحرب الفعلية، فسوف تؤدي إلى أسعار أعلى بكثير، تماماً كما تفعل حرب العراق اليوم. 

صراع اليورو

تم طرح اليورو في العام 1999 بنسبة صرف توازي 1.17 دولار. وبدأ بالهبوط فوراً تقريباً. ليصل إلى أدنى مستوى له في تشرين أول 2000، بعد أيام من إعلان صدام حسين، أي إلى 83 سنت. وبقي سعر اليورو منخفضاً حتى تشرين أول 2001 بعد هجمات 11/9، عندما بدأ بالصعود ثانية.

إذن، ومن حيث المبدأ، لم يكن لإعلان صدام حسين أي تأثير اقتصادي مرئي على نسبة صرف عملتيْ اليورو والدولار. وقبل شهر من بدء حرب العراق، كان سعر اليورو حوالي 1.10 دولار، واستمر بالصعود بعد بدء الحرب في آذار 2003 وكان سعر صرفه 1.16 دولار في أيار.

ويعد الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية للعالم. فحوالي 65 بالمئة من كل احتياطات العملات الأجنبية للبنك المركزي مثبتة بالدولار.

وقد هبطت حصة الدولار من الاحتياطات النقدية الأجنبية إلى أدنى مستوى بغضون ثماني سنوات على الأقل عندما سرّعت المصارف المركزية عمليات شرائها لليورو.

«ويشكل الدولار ما نسبته 64.7 بالمئة من احتياطي ربع العام الماضي، بهبوط عما نسبته 65.8 بالمئة في الأشهر الثلاثة السابقة»، قال صندوق النقد الدولي مؤخراً في واشنطن. وارتفعت حصة اليورو إلى 25.8 بالمئة، مقارنة مع ما نسبته 25.1 بالمئة ليصل إلى أعلى نسبة له منذ طرح هذه العملة في 1999.

وارتفعت قيمة اليورو إلى 11.4 بالمئة مقابل الدولار في السنة الماضية، وهو ما يشكل مكسبها السنوي الرابع في غضون خمس سنوات. فتقدم هذه العملة عزز من جاذبيتها تجاه المصارف المركزية، هذه العملة التي تتقاسمها 13 دول من دول الاتحاد الأوروبي. وقد ارتفعت الأصول والأسهم الاحتياطية في عملة اليورو إلى 8.3 بالمئة في الربع الأخير من السنة الماضية، وهو الأول لها خلال سنتين، بحسب ما تظهر معلومات صندوق النقد الدولي.

أما ما لا يذكره التقرير، فهو أن هذه الأرقام غير متغيرة جوهرياً منذ نهاية العام 2004، فالدولار كان حينها 66% واليورو 25%، لتأتي الفرصة الكبرى منذ العام 2002. ففي أوائل تلك السنة كانت قيمة اليورو 10%. 

الارتباط السعودي

كان الدولار مدعوماً من العربية السعودية منذ العام 1971. وعندما انتهك نيكسون، بشكل أحادي، اتفاقية حكومة الولايات المتحدة لبيع الذهب بسعر 35 دولار للأونصة، عام الدولار مقابل العملات الأخرى. واحتفظت المصارف المركزية الأجنبية بسندات خزينة T-bills كاحتياطات عملات أجنبية بسبب القبول العالمي للدولار في عمليات التجارة الدولية.

وكان بإمكان السعوديين زعزعة دور الدولار في التجارة لو أنهم قبلوا الين أو الجنيه الإسترليني بالإضافة إلى الدولار. لكن إدارة نيكسون فاوضت على اتفاق سري، لم يكن سرياً بالمطلق. فالسعوديون سيقبلون بالدولار، وفقط الدولار، في مبيعات النفط، بغض النظر عمن يشتري النفط. وكان بإمكان السعوديين، في أي وقت، التخلي عن هذا الالتزام، لكنهم لم يفعلوا- ولا حتى أثناء المقاطعة النفطية للأوبك.

15 آب 1971: نيسكون يغلق نافذة الذهب، الأسعار المفروضة، التحكم بالرواتب وتعويم الدولار.

22 أيلول 1971: الأوبك يعطي توجيهاته للأعضاء للتفاوض حول أسعار أعلى بالنسبة لهبوط الدولار.

5 كانون الأول: ليبيا تؤمم ممتلكات بريتيش بتروليوم.

20 كانون الثاني 1972: 6 دول من أعضاء الأوبك ترفع أسعارها بنسبة 8.49% للتعويض عن هبوط الدولار. العربية السعودية واحدة من هذه الدول.

1 حزيران: العراق يؤمم ممتلكات شركة بترول العراق المملوكة للخارج.

27 تشرين الأول: تعلن الأوبك عن ملكيتها لـ25% من عمليات النفط الغربي في ست بلدان، مع 51% بحلول عام 1983. العربية السعودية إحدى هذه الدول.

16 آذار: شاه إيران يؤمم كل الشركات النفطية المملوكة للأجانب.

1 أيلول: ليبيا تؤمم 51% من أصل كل شركات النفط الأخرى.

وأنا لا أريد أن أهاجم وأكرر هذا الأمر، إذ بإمكانكم أن تروا ما الذي حصل. فعمليات التأميم استمرت لسنة أخرى.

وفي 6 تشرين الأول 1973، اندلعت الحرب الإسرائيلية- العربية الرابعة. وفي 17 تشرين الأول، رفعت الدول الشرق أوسطية الست في الأوبك أسعار النفط من 3.12 دولار إلى 3.65 دولار. وفي 19 تشرين الأول، أعلنت هذه الدول حظراً نفطياً ضد الولايات المتحدة. وفي 19 تشرين الأول، فرضت هذه الدول حظراً نفطياً على هولندا، ففي هولندا تتم عمليات التبادل النفطي العالمي، وارتفع سعر النفط. وفي 22 كانون الأول، رفعت الدول الخليجية الست الأسعار من 5.12 إلى 11.65 دولار.

وهكذا يتضح مبدئياً مسار حجر الدومينو المتسلسل: إغلاق نافذة الذهب في 15 آب 1971. إلا أن السعوديين ومنظمة الأوبك لم يتخلوا في أي وقت عن الدولار بصفته عملة وحيدة في حساباتهم.

وكان هذا عندما بدأ تدفق الدولار النفطي بالتسارع. فالسعوديين باعوا نفطهم مقابل الدولار، لكنهم أودعوا الأموال في مصارف متعددة الجنسيات مركزها مدينة نيويورك. ومن ثم قامت البنوك بإقراض المال حول العالم. 

إيران تكسر القيد الخانق

ومع إيران التي تبيع النفط الآن بعملات أخرى فقط، فإنها تكون قد وضعت تحديات أمام مصدّري الأوبك الآخرين. إذ بإمكان الإيرانيين التخلص من فخ الدولار النفطي بالتحول إلى اليورو لتشكل إيران سابقة بهذا الموضوع. وكان العراق قد قام بذلك سابقاً، لكن تم غزوه، ليعاد بعد ذلك فرض الاتفاق القديم من الأميركيين: النفط مقابل الدولار فقط.

وبقولهم لمصدري النفط الآخرين بأنّ فكرة إجراء العمليات التجارية والأعمال بعملات أخرى هي فكرة جيدة، فإن إيران تهدد بالتسبب بتحول في الممتلكات والأصول المالية للبنك المركزي. فإذا ما استمر اليورو بالارتفاع، فسيكون من الأفضل للمصارف المركزية شراء اليورو. فهذه المصارف سيكون لديها هامش لجني الأموال، لكن الدولار سيهبط: الطلب المنخفض على الدولار. ولهذا الانحدار وجهان:

1 ـ هبوط الدولار يعني صادرات أقل إلى أميركا.

2 ـ سعر السوق الهابط لأصولهم المالية وسندات الخزينة (T- Bills) الموجودة. وهو ما سيضر باليابان والصين بأكثر ما يمكن.

وهذا يشكل تهديداً عظيماً للسياسة الخارجية الأميركية. أما الخطر على الاقتصاد المحلي، فهو أسوأ. فالدولار كان محيّداً من دول الأوبك على مدى 35 عاماً.

إن هبوط قيمة الدولار، الذي يلوح بالأفق، بما يتصل بالعملات الأخرى، ما هو إلا الخطر الأدنى على الاقتصاد الأميركي مقارنة مع أسعار النفط المرتفعة. فنحن مستوردون للنفط، وإذا ما ارتفعت أسعار البنزين، فإن المقترعين سيسعون للانتقام، والجمهوريون يعلمون هذا. فإيران، إذن، تشكل الآن تهديداً بالنسبة لبوش والجمهوريين في العام 2008.

وقد أصدرت هيئة الإذاعة البريطانية BBC تقريراً حول نفس المقابلة مع حاكم مصرف إيران المركزي. ونقلت وكالة أخبار رويترز عن مصادر صينية قولها إن شركة Zhuhai Zhenrong، المنتجة للنفط والمملوكة للدولة، قد انتقلت من التعامل بالدولار في معاملاتها التجارية مع إيران وذلك منذ السنة الماضية.

وإذا كان هذا صحيحاً، فإنّه يعد هاماً وبارزاً بما أن الشركة المذكورة تستورد 240000 برميلاً من النفط يومياً من إيران، في الوقت الذي تعد فيه الصين إحدى أهم زبائن إيران. كما يستمر منتجو النفط اليابانيون بالدفع بالدولار الأميركي مقابل النفط الخام، حسب رويترز، معلقين طلباً رسمياً من طهران لتغيير مقاربتهم للموضوع.

ثم ماذا عن اليابان؟ فاليابانيون لا يسعون إلى التسبب بالفوضى والإخلال بالتوازن- على الأقل حتى يتم الطلب رسمياً منهم القيام بذلك. وقد ذكرت آراب تايمز في تقرير لها:

(قال المشترون اليابانيون، بمن فيهم شركة مصفاة النفط الأهم Nippon، بأنهم تلقوا استفسارات من إيران للدفع بعملات غير عملة الدولار، إلا أنهم كانوا بانتظار طلب رسمي بذلك. وقال رئيس شركة نفط Nippon: «نحن ننتظر ذلك بحيث نتمكن من تحويل العملات في أي وقت، إلا أننا لم نتلق بعد أي طلبات رسمية بذلك من شركة النفط الوطنية الإيرانية، ونقوم بإجراء الصفقات والمعاملات بالدولار (الآن)»، فكل ما يلزم إذاً هو طلب رسمي. فإيران يمكنها، وبوضوح، كسب تعاون اليابان في أي وقت». 

الاستنتاج

قد يرغب الإسرائيليون بزوال إيران كمركز قوة إقليمية. وبهذه النقطة، هم على توافق كامل مع السعوديين. أما الإدارة الأميركية، فلا تريد رؤية هبوطاً دراماتيكياً للدولار أمام اليورو. فالهجوم على إيران سينتج عنه ارتفاع حاد بأسعار النفط، بغض النظر عن العملة المستخدمة لتسوية الحسابات. أما مستوردو النفط فلا يريدون حصول هذا الأمر.

أما مصدرو النفط، فسيذرفون دموع التماسيح ومن ثم يرفعون أسعارهم بشكل كبير ومفاجئ، وهذا ما يدعى بـ«سد احتياجات السوق». أما إمكانية انقطاع تدفق النفط، فلم يكن في يوم من الأيام أكبر مما هو عليه الآن.

آخر تعديل على الأحد, 13 تشرين2/نوفمبر 2016 23:52