خط التدويل و«تدويل» المقاومة

الخطير في تحولات الاختراق الأمريكي الصهيوني هو أن الانتقال بالمخطط الجديد لتفتيت المنطقة إلى حيز التطبيق العملي، والذي بدأ باحتلال العراق، لم يعد يأخذ شكل «الفرض من الخارج» فحسبـ،، بل بات محققاً بـ«انجازات» داخلية، عبر تضخيم «الفرح» بالانتصارات الوهمية على الجبهات الوهمية لثنائيات وهمية، ليصبح لدينا بالتالي حكومتين لـ«دويلوتين» فلسطينيتين منقسمتين في الضفة والقطاع (المحاصر بمصادر عيش وبقاء سكانه والمهدد بمجزرة إسرائيلية بتواطؤ دولي)، مع مشروع قيام حكومتين ورئيسين في لبنان، وبقاء عراق ما تحت الاحتلال مرشحاً للانقسام إلى ثلاث أو خمس دويلات، على الأقل.

السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى أي حد تعد هذه الصراعات وهمية و/أو ثانوية إذا كانت تجري بين قوى وطنية (حزب الله وحماس مثلاً) وقوى انقلابية مرتهنة للخارج الأمريكي الصهيوني (قوى 14 آذار وقيادة عباس)؟ والجواب هي كذلك، طالما يجري تسليط النار بـ«الإنابة»، أي عوضاً عن تصويبها نحو العدو الأساسي الذي يستفيد من إطالة زمن الاشتباك الثانوي استنزافاً لمشروع مقاومته وإظهاراً لمكامن الضعف الراهنة لدى المشروع المضاد، عوضاً أن يجري استنزافه هو مباشرة عبر إطالة أمد الاشتباك معه لإلحاق الهزيمة به (مجريات عدوان تموز مثالاً).

وهكذا مثلاً، فإن تقسيم العراق يجري عبر أدوات عدة من بينها الدستور الجديد، و«رشاوى» النفط، وتسليح العشائر، والاقتتال الطائفي، وقتل منتسبي الجيش والشرطة العراقية، بما يسوغ بقاء قوات الاحتلال في العراق عشر سنوات أخرى حسب قائدها الأمريكي هناك ديفيد بترويوس، بسبب/ذريعة «ثبات حقيقة عدم جهوزية قوات الأمن العراقية»، وبما يخفف من حدة الهجمات على قوات الاحتلال، ويحد بالتالي من خسائرها (تفجير المرقدين في سامراء في آذار 2005 شكل نقطة تحول رئيسية باتجاه الاقتتال الطائفي، وللسبب ذاته تم الآن على سيبل المثال تفجير مأذنتي المرقدين ذاتهما ومسجد الخلاني وقبله الكيلاني).

خلافاً لمن ينظروا للأشياء بأجزائها منفصلة، دون الربط الجدلي بين الخاص والعام وتحليل الظواهر بمسارها الزمني، كنا أول المنبهين بدقة إلى أن المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة والعالم «دخل مرحلة الفشل ولكنه لم يفشل بعد!». ومعنى ذلك أنه في طور المناورة بين حدين: الأول، الأزمة الإمبريالية الأمريكية، والثاني هو المخارج التي تبتدعها للخروج من تلك الأزمة للإبقاء على الهيمنة من جهة والاستمرار في حماية الكيان الإسرائيلي من جهة ثانية، وتوظيف كل الوسائل والاحتياطات الممكنة في ذلك، أي أن ذلك المشروع لايزال بين مد وجزر، سواء فيما يتعلق بالعراق وسورية وإيران ولبنان وفلسطين، بوصفها الساحات الواضحة للاستهداف المباشر، مع وجود السودان ومصر والسعودية كاستهداف مرحلي تالي، وبقاء روسيا والصين مرحلة استهداف استراتيجي.

ولأننا نرى أن ذلك المشروع يمتلك أدوات تتجاوز «المستنقع العراقي» و«هزيمة آب» (التي تم التكالب لمنع تثميرهما سياسياً)، قلنا إن المواجهة مع هذا المشروع لا تزال مفتوحة ولاسبيل لمواجهتها إلا عبر المقاومة الشاملة بمختلف أشكالها، سياسياً واقتصادياً-اجتماعياً وديمقراطياً وثقافياً-معرفياً وإعلامياً وعسكرياً، وأن هذا الخيار الأخير سيسهم في بلورة كل ما يسبقه باتجاهات مقاومة، ليصبح الفرز فيها على أساس ثنائيات حقيقية وليس وهمية، وبما يخدّم هذا الخيار، أي تسليط النار على العدو الأساسي على مختلف الجبهات، خلافاً لمآرب المشروع المذكور باتجاه تحويل الصراعات الثانوية إلى رئيسية، واختراقاته المنجزة بناءً على ذلك، والتي تمكنت حتى الآن من إنجاز بعض مراحل، والتمهيد لمراحل أخرى، من مد خط «تدويل احتلالي بقوات أجنبية» من بغداد إلى الخرطوم، مروراً بسورية ولبنان وفلسطين ومصر والأردن (إلى جانب الاستمرار بالتحضيرات اللوجستية للعدوان على إيران من خلال تحضير الجبهات الباكستانية والأفغانية لهذا الغرض).

وإذا كانت إيران المعنية الأساسية بالدفاع عن ذاتها، وهي تبدي استعداداً لذلك، فإن المقابل المنطقي لهذا الاستهداف المعمم للمنطقة يقتضي، عبر ربط العام بالخاص، من حماس وفصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية أن تستعيد بوصلة نضالها، وعمليات «الكفاح المسلح» ضد الكيان (كيلا تنقسم وتغيب هويتها المقاومة وتذوي)، ومن حزب الله أن يحمي مشروعه الوطني ولبنان ككل بإعادة فتح جبهة الجنوب (وهو الأكثر ترشيحاً لذلك من بين القوى الوطنية اللبنانية)، مثلما يقتضي من سورية، دفاعاً عن وجودها أولاً، وتأكيداً لدورها القومي ثانياً، وحماية للمنطقة ككل ثالثاً، أن تأخذ زمام المبادرة بفتح الجبهة على إسرائيل قبل أن يُستبق عليها، وهو أمر طبيعي ضمن منطق المقاومة، وقراءة المخارج أمام القوى الوطنية في المنطقة، وقواعدها الجماهيرية المستاءة من جهة، والمعرضة لانتقال الصراعات الثانوية إلى صفوفها أكثر فأكثر، من جهة ثانية، بما يحقق المشروع الأمريكي الصهيوني.

إن هذا الاحتمال/المطلب هو ما دفع تل أبيب وواشنطن ولندن إلى إعادة تقديم «عروض السلام» إلى سورية والحديث عن إعادة الجولان بهدف «إحراجها» و«تلهيتها» وتثبيط أي مبادرة سورية بالاتجاه المقاوم ببعده العسكري. ولكن السؤال ضمن كل المعطيات السابقة أعلاه هو: هل إسرائيل بصدد «التخلي الطوعي» عن الجولان؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آخر تعديل على الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2016 19:26