د. ماهر الطاهر تناقضنا الأساسي مع المشروع الإمبريالي – الصهيوني

التقت قاسيون د. ماهر الطاهر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحاورته في مجمل الظروف العربية والإقليمية الراهنة، والشؤون الفلسطينية بشكل خاص، وكان الحوار الغني التالي:

ما هي رؤيتكم للمشروع الأمريكي الشامل تجاه المنطقة، والمواجهة المفروضة على شعوبها؟ وما هي تداعيات هذا المشروع على الساحات كافة؟

لا شك أن منطقتنا تتعرض لهجوم امبريالي شامل، ولخطر شديد، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتخلخل التوازن الدولي، حيث بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بمحاولة الاستفراد بالمنطقة والسيطرة الكاملة عليها، وهذا يدخل ضمن إطار الاستراتيجية الكونية لها للسيطرة على العالم، وخاصة على منطقتنا لأسباب معروفة تتعلق بموقعها الاستراتيجي، وغناها بالنفط، ولحماية إسرائيل التي تقوم بتنفيذ مخططات الامبريالية الأمريكية في المنطقة.

هذا التصور الشامل للمشروع الشامل للسيطرة، اشتد بعد سيطرة المحافظين الجدد على الإدارة الأمريكية، وأنا أتصور أنهم يخططون لعملية سيطرة يمارسون عبرها ضغوطاً على أقطاب دولية أخرى... أوربا ـ الصين ـ اليابان، والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط والنفط فيها يشكلان مدخلاً أساسياً للتحكم بشؤون العالم. لذلك نجد أن منطقتنا تعرضت لهجوم إمبريالي شامل وصل لدرجة التدخل العسكري ومحاولة إعادة الاستعمار القديم. إذ لم يعد يكفي الاستعمار الاقتصادي والسيطرة الاقتصادية. وهكذا بدؤوا يطرحون نظريات الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة، وضمن إطار هذه الاستراتيجية بدأت تطرح سيناريوهات وأطروحات تستهدف تفتيت وتجزئة المنطقة ومحاولة استغلال التناقضات الموجودة في داخلها لذلك فنحن تواجه مخططاً تقسيمياً تفتيتياً يتجاوز سايكس بيكو فالمطلوب المزيد من التفتيت.. و التقسيم عبر استثمار مشاكلنا الداخلية وتحديداً النزاعات الطائفية والمذهبية. وتأتي تصفية القضية الفلسطينية، كقضية جوهرية بالنسبة للعرب، في هذا الإطار، في محاولة لجعل إسرائيل الدولة الإقليمية الأولى المسيطرة اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، خصوصاً وأنها تمتلك طموحات للعب دور الشريك للإمبريالية الأمريكية في المنطقة وليس التابع. لذلك نحن أمام خطر جسيم يتهدد الأمن القومي للمنطقة برمتها، وتحديداً بعد احتلال العراق كبلد عربي كبير وأصيل والذي خطط الأمريكيون لجعله نقطة مرتكز للسيطرة المباشرة على المنطقة. إذ كان لديهم تصور أنه بعد احتلال العراق من الممكن الانتقال لضرب سورية وتصفية القضية الفلسطينية والقضاء على المقاومة اللبنانية، وتمهيد الطريق لفرض ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير. هذا المخطط الشامل يستهدف تحويلنا إلى عبيد للرأسمال العالمي وجعل المنطقة تحت السيطرة الأمريكية بشكل تام.

أمام هذا المخطط ثمة سؤال كبير يطرح في أوساط حركة التحرر العربي والقوى الشعبية العربية: كيف يمكن مواجهة هذا المخطط خاصة في ظل انهيار النظام الرسمي العربي الذي أصبح جزءاً كبيراً من دولنا خاضعاً للاستراتيجية الأمريكية ممخططاتها؟

إن هذه التطورات تطرح علينا تحديات كبيرة، وعملية بحث شامل في العمق عن سبيل توحيد طاقاتنا وجهودنا لمواجهة هذا المخطط الذي يستهدف أبناءنا وأجيالنا اللاحقة.. نحن فعلاً أمام خطر شديد وداهم يتطلب رسم استراتيجية مجابهة شاملة لهذا المخطط.

إذا كان النظام الرسمي العربي كما تؤكد ونحن نتفق معك انتهى دوره، وأشرت إلى البديل وهو كل القوى المناهضة للمشروع الاستراتيجي الأمريكي. فما هي المعايير التي ستتوحد على أساسها هذه القوى؟

قبل الإجابة أعتقد أن هناك سؤالاً مقلقاً يدور في أذهان الكثير من المثقفين العرب والساسة والمناضلين الذين أفنوا حياتهم خلال نصف القرن الماضي من أجل المشروع القومي الوطني التحرري النهضوي. لماذا تقدم المشروع الامبريالي والصهيوني وتراجع مشروعنا. لم نستطع أن نحقق الأهداف والآمال والشعارات الكبيرة التي طرحناها فيما مضى الحرية، الاشتراكية، الوحدة، الديمقراطية؟ لماذا لم نتمكن أن نكون ديمقراطيين؟ لماذا لم نتمكن من إنجاز هذه الأهداف وعشنا فعلاً سلسلة من التراجعات رغم الإنجازات التي تحققت؟

لماذا تقدم المشروع المضاد وتراجع مشروعنا كقوة وطنية تحررية؟ أعتقد أن هناك مجموعة من الأسباب والعوامل ينبغي أن نقف أمامها بموضوعية وبصدق مع الذات دون الدفاع الغريزي عن مواقفنا ومواقعنا، ينبغي أن ننطلق من تحليل موضوعي ورؤية صادقة لتشخيص الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار. وهناك عوامل يشار إليها بسرعة:

 1ـ ضعف وتخلف أجهزة المجتمع العربي، فنحن خلال نصف القرن الماضي واجهنا ضعفاً وتخلفاً في بنية مجتمعاتنا لعبا دوراً أساسياً في تراجع مشروعنا. كان هناك صراع بين مشروع متقدم ومشروع متخلف. هناك تخلف على صعيد البنى الاجتماعية، كلنا نركز على شعارات كبيرة دون التوغل في الواقع الاجتماعي وكيفية عملية تحديث وتطوير مجتمعاتنا، وقد جرى التركيز على شعارات سياسية كبرى وإهمال الكثير من جوانب البنية الاجتماعية والتطوير الاقتصادي وتحديث المجتمعات.

2ـ كان هناك فقدان مشروع رؤية مشتركة للمواجهة مع المشروع الامبريالي الصهيوني. التيارات الفكرية والسياسية اليسارية، الإسلامية، والقومية حكمها الصراع، وليس إيجاد ما هو مشترك وبلورته، ومواجهة الخطر الرئيسي المتمثل بالمشروع الإمبريالي الصهيوني. التيار اليساري قدم رؤية متقدمة في رؤيته لوضع التناقضات للجوانب الاجتماعية والطبقية... كيف نستطيع أن نبني الإنسان ونحقق الاشتراكية ونبني مجتمعات صلبة، قدمت رؤية عميقة على هذا الصعيد.. وكانت هناك جوانب لم يُهتم بها، كموضوع الوحدة العربية والعلاقة مع التيارات الأخرى لإيجاد ما هو مشترك.

التيار القومي أيضاً قدم رؤى سليمة في العديد من الجوانب، وكذلك التيار الإسلامي.

السؤال الكبير: لماذا حكمت العلاقة بين هذه التيارات سيطرة عملية التقاتل والمواجهة، ولم نتمكن من خلق جبهة عريضة تأخذ ما هو إيجابي في مواجهة الإمبريالية والصهيونية المستهدفة الجميع والسيطرة على المنطقة بأسرها برأيي لابد من ضرورة فتح حوار بين مختلف التيارات الفكرية السياسية، حتى نجد ما هو مشترك لبلورة مشروع رؤيا للمجابهة.

أنا لا أقول: إنه لا توجد تباينات جدية وحقيقية بين هذه التيارات، لكن السؤال الأساسي هل نبقى نتصارع، أم علينا أن نوجد ما هو مشترك كي نواجه الخطر الأكبر؟

3ـ أزمة الديمقراطية: عندما أزمة عميقة في مسألة الديمقراطية. كيف نستطيع أن نعمل وفق رؤيا لا يدعي فيها كل طرف من الأطراف أنه يمتلك الحقيقة. ونعمل وفق رؤيا تسود فيها ديمقراطية حقيقية. هذه كانت برأيي من الأسباب الأساسية التي أعاقت تقدم المشروع النهضوي. بالنسبة لنا وتقدم المشروع الامبريالي الصهيوني.

أعتقد أن ثمة مشكلة في فهم العلاقة بين الخاص والعام والعلاقة بين الوطني والقومي والأممي. كان التيار القومي يغلّب الوحدة العربية، وكان هناك تصور له طابع رومانسي حول كيفية تحقيق الوحدة العربية، وكانت هناك عوامل معيقة لتحقيق هذه الوحدة. البعض غلّب الشعارات القومية والبعض قلل من أهمية هذا الموضوع.

لدينا في الساحة الفلسطينية، طُرح شعار (القرار الفلسطيني المستقل) وتمت عملية عزل بشكل أو بآخر للقضية الفلسطينية. أحد الأزمات الأساسية التي تواجهنا: كيف نستطيع أن نقيم علاقة سليمة بين البعدين الوطني والقومي بحيث لا تكون هناك عملية استفراد؟

القضية الفلسطينية لا يمكن عزلها عن عمقها المحيط، شعار القرار الفلسطيني المستقل أوقعنا في كثير من الأخطاء، وعزلنا عن حركة الجماهير العربية، تغليب العلاقات مع الأنظمة العربية على حساب علاقاتنا مع الحركة الشعبية العربية كان خطأ كبيراً.

ما هي القوى التي مطلوب منها أن تجد هذه العلاقة الجدلية السليمة لمواجهة هذه الأسئلة؟

القوى المناهضة للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة التي تنتج مشروع رؤية لإحداث حالة تقدم في مواجهة الخطر الذي أشرنا إليه في السؤال الأول.

هناك أزمة حقيقية للمشروع الامبريالي الصهيوني، لكن علينا أن نعترف بدورنا أننا طرحنا الكثير من والأهداف الشعارات ولم نستطيع تحقيق الحد الأدنى منها.

نحن في مواجهة هذا السؤال الكبير، نعتقد أن هناك معايير ثلاثة، المعيار الأول: موقف واضح لا لبس فيه من الامبريالية والصهيوني على الصعيد الوطني.

المعيار الثاني هو موقف واضح لا لبس فيه من قوى الفساد في كل ساحة عربية.

المعيار الثالث: هو موقف واضح من الديمقراطية المرتبطة بكرامة الإنسان أي بكلمته ولقمته.

نزعم أن هذه المعايير تجمع ولا تفرق. ولا تستثني سوى القوى المتضررة من هذه المعايير

أوافقك الرأي، معركتنا الوطنية والقومية ترتبط بالاجتماعي. من الصعب أن نواجه المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة بوجود حالات من الفساد والاستبداد. لا نستطيع أن نواجه هذه المشروع إلا من خلال رؤية شاملة تربط البعد الوطني بالبعد الاجتماعي.

مثلاً، بالنسبة للساحة الفلسطينية، كان لدينا اعتراضات وتخوفات من اتفاقات أوسلو. وبعد 15 عاماً بدأنا نشاهد الوقائع الملموسة على الأرض التي ترتبت على هذا الخيار الذي أوقع أضراراً كبيرة بقضيتنا الوطنية، فقد نشأت سلطة فلسطينية في الداخل، وخلال الـ15 عاماً تم بناء نموذج سيطر عليه الفساد، وتكونت مصالح اقتصادية فئوية وطبقية لفئات معينة أصبحت القضية الوطنية بالنسبة لها، ليست هي الأساس، وأصبحت مستعدة للتعاون مع الاحتلال وللسير في مشاريعه بعيداً عن الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.

هذا بعض الفساد والإفساد التي عاشته السلطة الفلسطينية والذي وصل إلى درجة غريبة ورهيبة، فكيف تستطيع أن تقاوم احتلالاً في ظروف كهذه؟. يمكن القول: إن السلطة الفلسطينية انضمت إلى نسيج النظام الرسمي العربي في هذا الإطار، نعم لقد أصبحت السلطة الفلسطينية بعد عام 1994 جزءاً من هذا الواقع الرسمي العربي الذي ينتج حالة انهيار، وكانت لدينا مساوئ أكثر لأنه ليس لدينا دولة، وبالتالي لم يتم تشكيل نموذج نستطيع أن نبني من خلاله قاعدة جدية لمواجهة الاحتلال، والحقيقة أنه لا يمكن أن تقود المعارك الوطنية لمواجهة الاستعمار إذا لم تستند لرؤية اجتماعية ومعايير ديمقراطية ومحاربة الفساد وكل المظاهر التي تشوه عملية المقاومة.

لا ضير من توسيع الدائرة، أنتم تعلمون أن الاستبداد لا يورث إلا الهزيمة، والعراق انتقل من حكم الطغاة إلى حكم الغزاة، وبدأ المحتلون بسياسة التفكيك داخل المجتمع العراقي، وأهدافه كانت وستبقى نقل هذه النماذج إلى أماكن أخرى، فما رأيكم بذلك؟

احتلال العراق نقطة انعطافية في الواقع الذي نعيشه.. لقد تم إرسال قوات عسكرية للسيطرة على المنطقة، وجرى احتلال بلد عربي بأكمله لكن الأمريكان لم يتصوروا أن هذه العملية ستواجه صعوبات، وظنوا أن عملية السيطرة ستكون سهلة، وأنهم بعد احتلال العراق سيمارسون ضغوطات على سورية من أجل أن تطرد الفصائل الفلسطينية والقيادات الفلسطينية، ومن أجل أن تغير سورية موقفها تجاه دعمها للمقاومة الفلسطينية، وللمقاومتين العراقية واللبنانية. أمريكا اعتبرت أن احتلال العراق يمكن أن يشكل مرتكزاً لتغيير جذري في كل المنطقة، كما كانت هناك أهداف تتعلق بمحاولة التفتيت والتجزئة وزرع بذور الفتنة الطائفية المذهبية، لكن هذا المخطط اصطدم حقيقة بمقاومة عراقية باسلة، وسيسجل التاريخ أنها لعبت دوراً أساسياً في إعاقة المشروع الأمريكي والصهيوني، وعدم تقدمه في المنطقة.

هذه المقاومة أدخلت الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي، صحيح أنه تم احتلال العراق بسرعة، لكن المقاومة التي تولدت من هذا الاحتلال، وحجم الخسائر الأمريكية المتصاعدة، والمأزق الذي بدأت تعيشه أمريكا، أعاقت استمرار المخطط الذي كان يستهدف السيطرة الكاملة على المنطقة، وأعاقت المشروع من أجل تصفية القضية الفلسطينية، وهذا المأزق الأمريكي في الشرق انتقل إلى الشارع الأمريكي.

بعد أن فشلوا في تنفيذ مخططاتهم وعلى رأسها تصفية قضية فلسطين، وضرب المقاومة في لبنان بدؤوا يعملون بشكل جاد لحرف أدوات الصراع وزرع بذور فتنة مذهبية طائفية. وأعتقد أن هذا السلاح الأخير الذي يمكن أن يلجؤوا إليه لمحاولة إعادة خلط الأوراق.

الآن هناك مخطط رهيب فعلاً، وأنا أتصور أن الـ (C.I.A) والموساد يعملون بشكل جدي ويقومون بعمليات عسكرية، وتخريب، وتفجير لمحاولة زرع بذور الفتنة لينحرف الصراع عن اتجاهه الحقيقي. ولا خيار أمام العراقيين بكل أطيافهم واتجاهاتهم إلا أن يواجهوا الاحتلال الأمريكي. فيما يتعلق بموضوع الصراع مع إسرائيل بدأت تطرح بعض الأقاويل لتغيير وجهة الصراع في المنطقة بالحديث عن الخطر الإيراني والسلاح النووي، وبدؤوا يشحنون باتجاه خطر المشروع الفارسي. الهدف الأساسي هو حرف الصراع عن اتجاهه السليم الصراع الأساسي وهو الصراع مع الامبريالية ومع المشروع الصهيوني في المنطقة، وكل هذا لتسهيل تمرير المشاريع الأمريكية في المنطقة.

علينا ألا نفقد البوصلة، فإن تناقضنا الرئيسي مع المشروع الصهيوني وهناك ضرورة أن نتلاحم جميعاً في مواجهة هذا المشروع. أمريكا عندما واجهت مأزقها في العراق، وحاولت نقل المعركة في اتجاهات أخرى، وعندما حصل العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز العام الماضي كانت أمريكا، صاحبة قرار الحرب، تسعى للدخول كوسيط لوقف إطلاق النار عند تحقيق أهداف العدوان... وحين حدثت المقاومة الأسطورية، كانت إسرائيل تريد وقف إطلاق النار وأمريكا ترفض.. وهذا مرتبط بشكل وبآخر بمأزقها في العراق. عندما واجهت مقاومة عراقية، ولم تستطع تنفيذ مخططها بالضغط على سورية وتصفية القضية الفلسطينية وضرب المقاومة في لبنان، حاولت نقل المعركة باتجاه ضرب حزب الله والقضاء على المقاومة اللبنانية على أساس إضعاف سورية.

لكن النتائج كانت معاكسة، الأمر الذي عمق المأزق في العراق.

تكلمت عن ضرورة مناهضة المشروع الأمريكي عبر وحدة كل القوى الوطنية بمختلف تياراتها، وعبر إيجاد معايير تجمع هذه القوى. السؤال: إذا كانت هذه القوى في البلد الواحد لا تستطيع أن تجد معايير تشكل منها جبهة واحدة، كيف يمكن جمع القوى المناهضة للمشروع الأمريكي في كل المنطقة لمواجهة هذا المشروع؟ كيف نكوّن هذه الآلية في ظل النظام الرسمي العربي؟

الأمر يبدأ وطنياً. ثمة ضرورة لتوحيد كل الطاقات والاتجاهات الفكرية السياسية لمواجهة الخطر الرئيسي المتجسد بالمشروع الأمريكي الصهيوني. في الساحة الفلسطينية مثلاً يجب أن يبدأ الفلسطينيون ضمن إطار الساحة الفلسطينية، وهذا ينطبق أيضاً على الساحات الأخرى. أنا أوافقك الرأي أن هذا الأمر من الصعب تحقيقه على المستوى الشامل، إذا لم يبدأ في كل ساحة من الساحات.

القوى اليسارية والقومية والإسلامية الوطنية الموجودة في كل ساحة عليها أن تقوم بعملية حوار جدي بين أطرافها لمعرفة كيفية مواجهة الخطر الذي يحيق بالساحة الوطنية. وأرى أن هذه العملية جدلية مترابطة بين البعد الوطني والبعد القومي، وليست عملية فعل ميكانيكي. حتى أستطيع لعب دور على المستوى القومي عليّ أن أرتب الأمور في داخل الساحة الفلسطينية على الأقل. هذا مطلوب وطنياً وقومياً. ومن الممكن أن يتداخل البعدان، ونبدأ بالتأكيد في الساحة الوطنية أولاً.

أريد أن أشير إلى فكرة هامة وردت وهو أنه يراد أمريكياً وصهيونياً خلق ثنائيات وهمية في المنطقة، في حين أن التناقض الرئيسي هو التناقض بين الإمبريالية والشعوب، على هذا الأساس جرى تسعير الجانب العرقي والمذهبي بكل تفاصيله في العراق، وعندما لم تحقق الولايات المتحدة النجاح المطلوب في العراق أرادت توسيع رقعة الحرب، وسبق أن قلنا إنها محكومة بالحرب ويمكن التأكيد على أنها محكومة بتوسيع رقعة الحرب، ومن هنا جاء عدوان تموز 2006 من أجل ضرب كل المقاومات دفعة واحدة في الوطن العربي وخصوصاً اللبنانية الفلسطينية، وطالما دخلنا الساحة اللبنانية ألا يمكن القول أن التصعيد في لبنان الآن هو هجوم معاكس على نتائج حرب تموز التي لم يكن في الحسبان أن تفشل؟

هذا سؤال مهم. بعد تعثر المشروع في العراق حاولت أمريكا الانتقال إلى الحرب التي حصلت في لبنان ففشلت فشلاً ذريعاً، وكلنا يتذكر رايس عندما قالت إن ما يجري في لبنان هو مخاض شرق أوسط.. وبعد فشل هذا المخطط برزت ظاهرة ما يسمى بفتح الإسلام مؤخراً، ومعلوماتنا أن قسماً كبيراً من هؤلاء الناس دخلوا لبنان بصورة شرعية عن طريق مطار بيروت، ومعظمهم ليسوا فلسطينيين، دخلوا في البداية إلى مجتمعات بيروت وصيدا وبعد ذلك انتقلوا إلى الشمال. كان عددهم محدوداً، لكن وخلال فترة قصيرة أُمّنت لهم الأموال والأسلحة وحصل التفجير في مخيم نهر البارد. هناك محاولات أمريكية لإيجاد مجموعات (سنية) متطرفة لمواجهة حزب الله، وما يجري في مخيم نهر البارد هو جزء من مخطط كبير في المنطقة يستهدف المقاومة اللبنانية وضرب سورية ويستهدف القضية والسلام الفلسطيني والوجود الفلسطيني في لبنان.

واكب ذلك عملية تفجير داخل الساحة الفلسطينية، ارتكازاً لاتجاه داخل السلطة الفلسطينية بعد انتخابات المجلس التشريعي يحاول أن يدفع الأمور باتجاه تفجير الوضع الداخلي، وحصل المحظور الذي كان يحذر منه باستمرار. إن إسرائيل كانت تستهدف إحداث فتنة داخلية فلسطينية، لأن اتفاق أوسلو خلق شرخاً عميقاً في الواقع الفلسطيني. لكن نجحنا خلال الـ15 عاماً الماضية لتنجب هذا وبقي الصراع سياسياً، وفوّتنا على إسرائيل فرصة إحداث هذا الخلل، لكن مع الأسف تفجرت الأوضاع داخل الساحة الفلسطينية مؤخراً، لتفتح الباب أمام لمخاطر كبيرة على المشروع الوطني الفلسطيني. إن الأحداث التي جرت مؤخراً تحمل مخاطر التدخلات الخارجية الكبيرة، وبدأ الحديث جدياً عن إمكانية إرسال قوات دولية إلى فلسطين، وفصل غزة عن الضفة الغربية.

لدينا قناعة تامة أنه لا حل سياسي يحقق الحد الأدنى من الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني فالصهاينة يرفضون حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ويرفضون إقامة دولة فلسطين مستقلة على أراضي الـ67، وإزالة الكتلة الاستيطانية. الحل المطروح إسرائيلياً إيجاد كيان فلسطيني في قطاع غزة مع بعض الأجزاء لا تتجاوز الـ40% من الضفة وضرب فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. هذا الكيان عبارة عن كانتونات مسيطر عليها إسرائيلياً بالمعنى الاقتصادي والعسكري. إن هذه التفجيرات التي تحصل سواء في لبنان أو في فلسطين تهدف إلى محاولة إحداث حروب وفتن داخلية حتى يتمكن المشروع المضاد من تحقيق أهدافه في المنطقة، وهذا يوجب علينا أن نعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.

في الواقع الفلسطيني صرنا أمام حكومتين: حكومة (اسماعيل هنية)، وحكومة (طوارئ)، كما يتم الحديث عن حكومتين في لبنان.

برأيك ما هي آفاق الحل. هل الحل يكمن في حكومة طوارئ أم في إعادة الاعتبار لخيار المقاومة؟.

في إطار الواقع الفلسطيني، نحن في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كنا نطالب باستمرار بمعالجة أوضاع الساحة الفلسطينية، إذ لا نستطيع معالجة الأوضاع الداخلية في الساحة الفلسطينية التي وصلت إلى درجة شديدة الخطورة دون أن نقف أمام الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الانقسام وهذا الاقتتال.

المدخل السليم لمعالجة الأوضاع الداخلية الفلسطينية، تبدأ بعنوان اسمه: منظمة التحرير الفلسطينية، فهي الإطار الجامع الموحد للشعب الفلسطيني سواءً في المناطق المحتلة عام 48 أو في الضفة والقطاع، أو في مواقع اللجوء والشتات.

شعبنا مشتت، وموجود في الضفة والقطاع حوالي مليون و300 ألف نسمة، وهناك مخطط يستهدف تجزئة وتقسيم الشعب الفلسطيني. الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني وهويته لا يتم إلا من خلال الحفاظ على منظمة التحرير. هناك خطر شديد على موضوع منظمة التحرير. الولايات المتحدة تريد إنهاء وتفكيك المنظمة، كذلك بعض الأطراف العربية. يريدون الوصول إلى تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين. المنظمة هي عنوان وحدة هذا الشعب كشعب موحد في الداخل والخارج. كيف يمكن تسهيل القضاء على حق العودة للاجئين الفلسطينيين دون ضرب منظمة التحرير، هكذا راحت الأمور تسير باتجاه إضعاف المنظمة لصالح السلطة تدريجياً.

لا توجد سلطة فلسطينية حقيقية. نحن في الجبهة الشعبية نقول: يتوجب إعادة توحيد الفلسطينيين. وبناء الوحدة الوطنية يتطلب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وإعادة مؤسساتها ومشاركة كل القوى، وكنا نجد بعض الإشكالات. الأخوة في حركة حماس والجهاد كانوا يقولوا عن أية منظمة تحرير تتحدثون. ولم يكونوا متحمسين في البداية، ونتيجة حوارات مستمرة متواصلة مع الأخوة، وصلوا إلى قناعة حول أهمية المنظمة في إطار سياسي قانوني يعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني، وفقدان هذه المرجعية يشكل خطراً جسيماً على وحدة الشعب الفلسطيني.

في حوارات القاهرة في آذار 2005 توصلنا إلى اتفاق بضرورة أن يتم إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، ووقعنا اتفاقاً طالب أن يتم عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وأعضاء اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني وشخصيات مستقلة من أجل الإعداد الجاد لعقد مجلس وطني فلسطيني. ويمكن القول إن هذا الأمر لم يتحقق رغم توقيع هذا الاتفاق من سنتين.

بعد انتخابات المجلس التشريعي وتشكيل حكومة من حماس، جرت عملية حصار شامل على الشعب الفلسطيني وتجويع اقتصادي وابتزاز سياسي، وأرادوا أن يضعوا الشعب الفلسطيني أمام خيارين: إما الجوع أو القبول بالشروط الأمريكية الإسرائيلية، بمعنى الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والموافقة على كل الالتزامات والاتفاقات التي وقعت، والموافقة على مقررات اللجنة الرباعية.. الشعب الفلسطيني رفض هذه الممارسات وصمد في مواجهة الحصار، وهنا يؤسفني القول إننا لا نستطيع أن نفهم كيف يتم عملية حصار اقتصادي وتجويع لشعب بأكمله خاضع للاحتلال والدول العربية تتفرج!! هل تقبل الدول العربية أن يجوّع الشعب الفلسطيني من أجل أن يبتز سياسياً ويقدم تنازلات سياسية؟. نحن حذرنا كثيراً من أن اللجوء إلى الاقتتال الداخلي هر ربح صاف إسرائيلي، وهذا هدف طالما حلمت به وسعت إليه لأن ذلك يؤدي إلى تدمير الطاقات الفلسطينية.

وفعلاً هذا الاقتتال أوقع أضراراً هائلة بصورة الشعب الفلسطيني كشعب مكافح مناضل. وشوه القضية الفلسطينية إلى أبعد الحدود، ونقلنا بأعين الآخرين من حركة تحرر تواجه الاحتلال إلى حالة مجموعات مسلحة متصارعة فيما بينها.

لقد أوقع هذا الاقتتال الداخل المدمر المشوه للكفاح الوطني الفلسطيني أضراراً بالغة بالقضية الفلسطينية، نحن في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني نرى أنه لا بد من وقف هذا الاقتتال وعدم العودة إليه تحت ضغط أي ظرف، لأن الصراعات الداخلية الفلسطينية - الفلسطينية لا تحسم إلا بالحوار فقط، واللجوء إلى العنف المسلح يوقع أفظع المخاطر بهذا الكفاح.

لجوء الأخ الرئيس أبو مازن للإعلان عن حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ وحل الحكومة السابقة لا يحل المشكلة، إنما يزيد الأمور تعقيداً في الساحة الفلسطينية، لأننا أصبحنا أمام حكومتين، وهذا سيكرس الانقسام ويخلق جبهات متقابلة بين حركتي فتح وحماس، وسيؤدي إلى محاولة الفصل ما بين غزة والضفة، وهذا خطير جداً، لذلك طرحنا في الجبهة الشعبية ضرورة أن يتم علاج الأزمة الفلسطينية الراهنة والطاحنة والخطيرة عبر: وقف الاقتتال فوراً وعدم تكرره وعدم نقله إلى الضفة الفلسطينية والاتفاق على الآليات التي تمنع عدم تكرر هذه الأعمال، والدعوة إلى اجتماع عاجل للأمناء العامين والمسؤولين في الفصائل الوطنية والإسلامية، وأن نجري عملية حوار وطني فلسطيني شامل بين الجميع نناقش من خلاله بعمق الأوضاع في الساحة الفلسطينية، وما هي العوامل التي أدت إلى ما وصلنا إليه، ونناقش العنوان الأساسي، ونسأل: هل هناك أي أفق لحل سياسي عبر مفاوضات وعبر خطة خارطة الطريق، أم أن الأمور وصلت فعلاً إلى طريق مسدود وأن إسرائيل وبدعم من الولايات المتحدة تمارس عملية تضليل وخداع للرأي العام؟

 ففي الوقت الذي يتحدثون فيه عن خطة خارطة الطريق والمفاوضات، بنوا الجدار العازل الاستيطاني، والقدس تهود، وكل الممارسات والإجراءات على الأرض عملياً تضرب إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة. في أحد اللقاءات مع السيد عمر موسى قلت له: أين ستقام الدولة الفلسطينية بوجود الخرائط الاستيطانية الموجودة على الأرض؟

اتفاقات أوسلو كان أحد أهم استهدافاتها تقويض المشروع الوطني، وضرب إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة. السؤال الآخر الذي وجهته للموسى هو أن الدولة العربية قد قدمت مبادرة السلام في بيروت /2002/ وإسرائيل رفضت المبادرة، وتعاملت معها باستهزاء شديد، وقالت إنها ترفض حق العودة، وهو غير قابل للنقاش، والسؤال: هل يوجد لدى الدول العربية بديل في حال فشلت ما تسمى بعملية السلام؟

إسرائيل لا تريد السلام وهذا ما تبرره بالوقائع كل يوم، إذاً ما هو البديل عند العرب؟ إن استمرار الرهان على المفاوضات ليس أكثر من كلام فارغ، لأنه لا يوجد أي أفق لحل سياسي، كان الهدف الأساسي ولازال محاولة ضرب المقاومة سواء الفلسطينية أو غيرها، ويريدون منا التهدئة لإيقاف العمليات المسلحة ضد إسرائيل، ولكن وقف المقاومة مقابل ماذا؟ مادامت إسرائيل مستمرة بالعدوان وتهويد الأرض؟ وقلنا ألا يعتبر بناء الجدار العازل عدواناً على فلسطين؟ وكذلك المستوطنات، الاغتيالات، الاعتقالات، الإرهاب اليومي؟ إذاً التهدئة مقابل ماذا؟ ليس أمامنا من طريق سوى المقاومة لأن إسرائيل لم تبقِ أمامنا خياراً آخر، وهذا نفسه ينطبق على العراق وفي لبنان، فلو لم يتم اللجوء إلى خيار المقاومة، هل كان سيتحرر جنوب لبنان؟

ليس أمامنا من خيار أمام هذا الواقع المحيط بنا أمام هذا الهجوم الأمريكي الصهيوني الشامل إلا المقاومة أيضاً وبمفهومها الشامل. أعود للموضوع الفلسطيني نحن قلنا الحل ليس بالاقتتال، هذه تعتبر جريمة، الصراعات في الساحة الفلسطينية لا تعالج إلا بالحوار الديمقراطي، الاقتتال الداخلي يدمر المجتمع ويخلق أحقاداً كبيرة، وهذا الأمر في غاية الخطورة ينبغي تجنبه مهما اشتدت الضغوط.

الآن نجري اتصالات مع الأخوة في حركة فتح، وسنجري اتصالات مع كل الفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع عاجل وحوار شامل لكل القوى الوطنية والإسلامية، لأن اتفاق مكة الثنائي لم يحل المشاكل وقلنا ذلك في حينه للأخوة في فتح وحماس وأن هذا الاتفاق كان على شكل محاصصة بعيدة عن الفصائل الفلسطينية. وبالفعل تفجرت الأمور في أقل من شهرين. الحوار الوطني الفلسطيني الشامل يجب أن يقف بعمق أمام المسائل السياسية وكيفية رسم رؤية سياسية تقوم على قاعدة التمسك بالثوابت الفلسطينية، ووقف الرهان على حلول بائسة ثبت فشلها، ووقف الرهان على موضوع المفاوضات وخطة خارطة الطريق، لأن إسرائيل لا تريد سلاماً، بل تريد أن تفرض استسلاماً على الشعب الفلسطيني. يجب تشكيل قيادة وطنية مؤقتة تضم كل القوى الوطنية والإسلامية لمحاولة معالجة هذا الواقع الخطير الذي نعيشه في الساحة الفلسطينية، هذا هو المخرج وهذا هو الحل.

هل سيتحقق ذلك؟

ليس لدي جواب على هذا السؤال لأن الأمور الآن معقدة وخطيرة، ونحن فعلاً أمام حكومتين والكل علم بالمبادرة الأمريكية والاتحاد الأوربي لصرف مساعدات مالية لحكومة الطوارئ، هناك فعلاً تدخلات مريبة وخطيرة من الخارج، وليس أمامنا من خيار إلا العودة لبناء الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ومشاركة جميع القوى ضمن إطارها، ورسم استراتيجية ورؤية أساسية تقوم على قاعدة التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، واستمرار المقاومة.

جميع الإشكالات التي نشأت بعد فوز حماس بالانتخابات، كانت تجري تسويتها برعاية دول عربية محددة، وهي الدول المتماهية مع المشروع الأمريكي – الصهيوني، وبالتالي كانت الصراعات تتفجر مجدداً ورغم ذلك بقيت الرعاية العربية محصورة بهذه الدول، فكيف ترى الدور العربي في المساعدة بحل الوضع الخطير الذي نشأ مؤخراً؟

الأهم هو العامل الذاتي الفلسطيني، ينبغي أن تتم معالجة الأمور داخل الساحة الفلسطينية ودون توفر الإرادة السياسية لدى الأطراف الفلسطينية المختلفة لن تحل أية مشكلة.

 هناك اتجاه كبير داخل فتح لديه القناعة أن الأمور وصلت إلى الطريق المسدود بمعنى الحل السياسي، لكن هناك اتجاه آخر في فتح. يجب قراءة التجربة الماضية، بكل استخلاصاتها سلبياتها وإيجابياتها، أين أصبنا وأين أخطأنا؟ بوش قد أعطى ضمانات مكتوبة لإسرائيل بأن الحل يقوم على قاعدة لا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، لا انسحاب من القدس ومن أراضي /67/، إذاً على ماذا يراهن البعض؟

إن توفير الإرادة السياسية عند الفصائل الفلسطينية هو الأساس للحل وبدونه من الصعب أن تتوصل لحلول.

نحن نرحب بأي جهد عربي يرغب بمساعدتنا بالاتجاه الذي يؤدي إلى تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية.

الآن نأمل بالإطار الفلسطيني أن يتم إدراك المخاطر التي ترتبت على ما جرى وأن نعود بسرعة لإجراء حوار فلسطيني شامل من أجل الوقفة العميقة أمام الأسباب السياسية. جذر الخلاف في الساحة الفلسطينية جذر سياسي ترتبت عليه هذه التداعيات، ودون الوقوف بعمق أمام هذا الموضوع من الصعب إعادة توحيد الساحة الفلسطينية، لذلك علينا أن نجري حواراً وطنياً فلسطينياً شاملاً وهذه هي نقطة البدء في معالجة الأوضاع الداخلية الفلسطينية.

دعيتم أكثر من مرة لتجنب الاقتتال، وكانت مواقفكم حاسمة عند حصول أية مناوشات. فهل الاقتتال الأخير كان إجبارياً ولا مهرب منه، وهل ما جرى كان صراع مشروعين متناقضين وفق فرز واضح، أحدهما مفرّط بالحقوق، والآخر مقاوم؟

هناك نهجان سياسيان في داخل الساحة الفلسطينية اتجاه مقاوم، واتجاه مازال يراهن على موضوع المفاوضات ولديه استعداد لتقديم التنازلات، المرحوم ياسر عرفات دخل بمغامرة أوسلو لكنه أدرك ولو متأخراً أن إسرائيل وأمريكا لا تريدان دولة فلسطينية مستقلة وأدرك أن الحد الأدنى الذي كان يطمح إليه لن يتحقق.

في مفاوضات كامب ديفيد بحضور الرئيس «كلينتون» و«باراك»، طُلب من ياسر عرفات أن يوقع على حل ينهي الصراع العربي الإسرائيلي دون الانسحاب والقدس ودون حسم حق العودة والانسحاب من أراضي (67)، ولكن ياسر عرفات قال بأنه إذا وقع على هذا الحل فستكون جنازته بعد 24 ساعة فقط! لأن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يقبل بهذا، ورفض التوقيع بعدها تم محاصرته في رام الله حتى اغتيل. مع ذلك لازال بالساحة الفلسطينية من يراهن على ذلك، وأن طريق المقاومة لا جدوى منه.

لكنني أقول أن ممر الوصول للاقتتال الداخل لم يكن إجباراً، الساحة الفلسطينية لها خصوصية، ونحن خاضعون للاحتلال، وعملياً لا يوجد سلطة فلسطينية، هي مثل الذي كذب كذبة وصدقها الآن اسماعيل هنية لا يمكنه الانتقال بين الضفة وغزة، فإذا خرج من غزة، بحاجة لموافقة إسرائيل. الرئيس أبو مازن في كل مرة يغادر فيها إلى الخارج يحتاج إذن من إسرائيل أيضاً، فعن أي سلطة يتحدثون. عملياً مازلنا خاضعين للاحتلال بكل معنى الكلمة ونحن مازلنا حركة تحرر وطني والمشكلة أن البعض بدأ ينسى هذا الموضوع. فالصهاينة يسيطرون على غزة ومعابرها يخرجون ويدخلون متى يشاؤون، وهذا ما يجعلنا أن نرفض الاقتتال بأي شكل من الأشكال، لأن المقاومة يجب أن تتوجه لهذا الاحتلال، وتبقى كل البنادق الفلسطينية مشرعة نحو التناقض الرئيسي. الاقتتال كان جريمة وليس ممراً إجبارياً، وليس هناك حل سوى الحوار واللجوء إلى الحوار والمقاومة، لأننا من دون حوار نعرض قضيتنا الفلسطينية لخطر شديد ونعرض المشروع الفلسطيني كله لخطر أشد. الصراع السياسي لا يحسم إلا الاحتكام للجماهير وخوض عملية تعبئة وتحرير وتوعية. الشعب الفلسطيني بات يدرك أن إسرائيل لا تريد السلام والحل، بل تريد سلطة عميلة تحمي الاحتلال. وهذا نشأ بالتفكير الصهيوني الاستراتيجي عندما قمنا بانتفاضة /1987/ التي أصبحت فيها عملية المواجهة مباشرة ومحتدمة على الأرض الفلسطينية ذاتها وانتقل مركز النقل الفلسطيني إلى الداخل، فبدؤوا يفكرون كيف سيواجهون هذا المواقع الجديد لذلك نشأت فكرة أوسلو.

هل نحن أمام (فتحين)؟.

لا شك أن حركة فتح حركة مناضلة ولعبت دوراً أساسياً في الحركة الوطنية الفلسطينية، ولكن هناك اتجاهات داخل فتح، وهو أمر معلن وغير سري، فهناك اتجاه ضد أوسلو وضد التنازلات التي قدمت، وبالتالي هناك صراع داخل فتح له طبيعة سياسية معروفة، وأنا أتصور أن جسم كبير ضمن إطار حركة فتح هذا الاتجاه وبرفض التنازلات، لذلك فالضغط الشعبي الجماهيري في الداخل والخارج بتكتيل القوى الديمقراطية داخل حركة فتح وحماس، يستطيع أن يحاصر التيار الموجود داخل الساحة الفلسطينية الذي مازال يراهن على الصفقات والتنازلات وإلى ما هنالك أما اللجوء إلى العنف المسلح يخلق أجواء متناقضة نحن بغنى عنها.

رغم كل هذه المأساة وهذا السواد، وبقاء الاحتلال جاثماً على أرض فلسطين ألست متفائلاً؟

أنا بكل صدق متفائل، وأعتقد أن الشعب الفلسطيني اليوم أقوى بكثير مما كان عليه عام 1948 فقد تمكن هذا الشعب أن ينهض، وأن يفجر ثورة معاصرة، وأن يقاوم الاحتلال وواجه صعوبات كثيرة في مسيرته الكفاحية وصمد صموداً أسطورياً وبعد ذلك نقل الصراع للداخل. وبالمعنى الاستراتيجي إسرائيل تعيش بمأزق حقيقي، ففي إحدى المؤتمرات اعترفوا أنه في عام 1948 بقي بفلسطين /150/ ألف فلسطيني، الآن مليون و300 ألف يعيشون في غزة والقطاع وأكثر من /5/مليون فلسطيني في كامل فلسطين التاريخية. أنا متفائل رغم كل الشدائد والمحن.

آخر تعديل على الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2016 19:27