ديون اليونان المستعصية  تنفتح على آفاق جيوسياسية جديدة

ديون اليونان المستعصية تنفتح على آفاق جيوسياسية جديدة

قد تغدو الآثار المختلفة لما بات يعرف بـ«أزمة الدين اليونانية» متعددة الأبعاد. وإن بدا البعد الاقتصادي المالي اليوناني، ومآلاته، طاغياً في الهم اليومي للمواطن اليوناني وفي التداول الإعلامي، إلا أن ذلك لا يغطي ضمناً على تطور هذه الأزمة إلى تحولات جيوسياسية كبرى في المنطقة الأوربية.

بات من الواضح أنه وفقاً لتفاصيل الأزمة بجوانبها المالية، فإن اليونان لن تستطيع، أياً يكن برنامج التقشف، من دفع ديونها. فالديون ستصل بحدود عام 2030 إلى 118% من الناتج المحلي الإجمالي، واليونان المطالبة بـ120 مليار يورو للبنك المركزي الأوربي ولصندوق النقد الدولي تستدين من أجل خدمة ديونها، وذلك وفقاً للبنك الدولي، أي أنها تستدين من أجل وفاء فوائد القروض. أما القروض فلن تستطيع أبداً دفعها.


ماذا يريد المقرضون؟

الخطة الأوربية لمعالجة، أو تيسير أزمة القروض اليونانية، تقضي أن تحصل اليونان على حزمة مساعدات مقدارها 16 مليار يورو تقريباً، توزع على أربع شرائح لمدة خمسة أشهر. وتتضمن إصلاحات المقرضين ثلاثة شروط أساسية، هي: الإصلاح الضريبي، وإصلاح معاشات التقاعد، وإصلاح سوق الأيدي العاملة ونظام الرواتب في القطاع العام. وبطبيعة الحال فإن «الإصلاح» هنا هو مفردة تجميلية لما تعنيه الشروط الأوروبية لمزيد من التقشف وتخفيض إنفاق الحكومة وتدهور حال المواطن اليوناني.


ماذا تريد اليونان؟

عرض رئيس الحكومة اليونانية ألكسيس تسيبراس منحها برنامج إنقاذ جديد لمدة عامين، بهدف تلبية احتياجاتها المالية مع إعادة هيكلة ديونها، الاقتراح الذي رفضت أوربا نقاشه، وطالبت اليونان بدفع ما يستحق عليها، وقبول حزمة الإنقاذ الأوربي كما هي. الأمر الذي رفضته الحكومة التي تخلفت عن الدفع، وأعلنت عن جملة سياسات لإيقاف نزيف رأس المال اليوناني من البنوك، كما أقرت مجموعة من الإجراءات للحد من حركة رؤوس الأموال للخارج، ومنع سحب أكثر من 60 يورو للشخص يومياً من الصرافات الآلية.
«القبول» مشروط بالاستفتاء
ظهر رئيس الوزراء اليوناني مرتين خلال 48 ساعة بخطابين تلفزيونيين، دعا خلال خطابة الأول اليونانيين الذهاب لاستفتاء على شروط التقشف الأوروبية التي قال عنها أنها استفزاز وإركاع للشعب اليوناني، وطالب الشعب، في الثاني، بقول «ﻻ» على المشروع التقشفي الأوربي. جاء الرد الأوربي على تصريحات تسيبراس مباشراً: «إن «لا» تعني إخراج اليونان من الاتحاد الأوربي»، ورافق ذلك زخم إعلامي مناهض لتوجهات الحكومة، وترهيب للشعب اليوناني عبر ربط فكرة رفض التقشف بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وإعلان الإفلاس النهائي الكلي، زخم رافقة تحرك مئات من مناصري التقشف، على رأسهم رجال أعمال يونانيين، قابلهم الآلاف من مناصري رفض التقشف، من عمال وجماهير الشعب اليوناني.


تحولات استراتيجية ممكنة

جاءت أحدث حلقات الاستعصاء المالي اليوناني عبر بوابة صندوق النقد الدولي الذي رفض إعادة جدولة دفعة ديونه المستحقة على اليونان- العاجزة عن السداد مسبقاً. أي أن هذا الرفض، في مضمونه، أمريكي المصدر، بحكم تبعية الصندوق لواشنطن عملياً. أي، استنتاجاً، هناك مصلحة أمريكية ما في انفراط عقد الاتحاد الأوربي. ولكن في المقابل، تقول أوساط إعلامية إن «تهديدات الاتحاد الأوروبي بخروج اليونان من الاتحاد الأوربي بدأت تثير قلق واشنطن. وذلك لأن اليونان عضو مهم في حلف شمال الأطلسي. وتخشى واشنطن أن تجد اليونان نفسها في مجال النفوذ الروسي في حالة خروجها من الاتحاد الأوروبي».
إن الواضح في حلبة الجيوسياسة الدولية هو أن أي حل يفضي لخروج اليونان، على خلفية استمرار رفضها المشروع للإملاءات الأوربية، يعني ضرب مسمار آخر في نعش الاتحاد الأوربي برمته، وهذا عملياً يسير بالترافق مع التراجع الموضوعي للمراكز الغربية عموماً، وتوجه معظم البلدان، المتضررة من سياسات الغرب الاقتصادية والسياسية وغيرها، إلى الشرق، روسيا والصين.
ولقد تعززت هذه الاحتمالات في «الأزمة اليونانية»، فالأحاديث تزداد عن احتمال انضمام اليونان إلى الإطار الأوراسي، الذي تشكل روسيا عماده الرئيسي، وإن بدا غير مكتمل حتى اللحظة، إلا أنه إشارة على بدء انفتاح أفق جيوسياسي واقتصادي جديد، تتفادى عبره اليونان الخسائر القائمة والمحتملة. وهنا تقدم روسيا طوق نجاة لليونان، وللاتحاد الأوربي ككل في حال امتلك الإرادة السياسية، وتحديداً في مركزه الألماني، للانفكاك عن واشنطن، ولكن هذه الإرادة غير متوافرة إلى الآن وهي تتجاذب الحبال مع الميل الموضوعي للتكامل الأوراسي.


البعد الروسي

وتجدر الإشارة هنا إلى أن زيارة تسيبراس لموسكو تلاها اتفاق يقضي بجعل اليونان محطة للغاز الروسي الداخل لأوروبا، أي أن اليونان تستطيع أن تحصل على أكثر من استثمار اقتصادي في مجال الغاز، بمقدار ما تستطيع أن تتحكم بعصب الإنتاج الأوربي عبر خطوط الغاز، ما يضعها في موقع هام على صعيد تنامي قدراتها على التمرد على الشروط الأوربية المجحفة، وصولاً إلى احتمال تغيير اتجاها نحو الشرق كلياً.
وبالنسبة للروس، فالدخول من البوابة اليونانية سيكون هجوماً معاكساً، جديداً وحيوياً، في عمق الغرب. فاليونان لم تكن من المحسوبين سابقاً على أوربا الشرقية، بل كانت محسوبة على الكتلة الغربية، وهي إحدى أهم القواعد البحرية للناتو، وتطل على المتوسط، حيث تكثر السفن الحربية للطرفين الأمريكي/ الأطلسي والروسي.
وإن كان يبدو أن لا حل مالياً للأزمة اليونانية في الأفق المنظور، قادراً على أن يحسم التكهنات، إلا أن لعبة الوقت تنضج بهدوء شروطاً جيوسياسية جديدة، تقض مضجع الغرب أكثر، وتجعل من الأمريكيين «مراقبين حذرين»، وتجعل من أعصاب الروس أكثر بروداً.