لا يكفي أن نُحصي الأقارب... فلنُحص أيضاً الثروات
حين أصدرت وزارة المالية في الثالث من آب 2026 تعميمها الذي ألزم المديرين العامين ومديري الجهات التابعة لها بالإفصاح عن وجود أقارب لهم من العاملين في الجهات التي يديرونها حتى الدرجة الرابعة، فإنها بعثت برسالة مفادها أن زمن التغاضي عن تضارب المصالح لم يعد مقبولاً. والتعميم، المستند إلى قرار سابق لرئاسة مجلس الوزراء بشأن تنظيم إشغال الوظيفة العامة بين الأقارب، يمثل بلا شك خطوة تستحق الترحيب، لأنه يتعامل مع واحدة من أكثر الثغرات التي أضعفت الثقة بالإدارة العامة لعقود طويلة.
لكن الترحيب بالإجراء لا ينبغي أن يمنع من طرح السؤال الأهم: هل يكفي الإفصاح عن صلات القرابة لصناعة بيئة نزيهة؟ وهل يمكن اختزال مكافحة الفساد في الكشف عن الروابط العائلية داخل المؤسسات؟
الجواب، ببساطة، لا.
فالقرابة ليست سوى أحد أشكال تضارب المصالح، وليست كلها. وقد يكون المسؤول بعيداً عن أي علاقة قرابة داخل المؤسسة، لكنه يملك مصالح تجارية مع متعاقدين، أو حصصاً في شركات تستفيد من قراراته، أو علاقات مالية تؤثر في استقلالية قراره، أو ثروة تضخمت بصورة لا تتناسب مع دخله المشروع. عندها، ماذا يفيد أن نعرف من هم أقاربه إذا كنا لا نعرف أين تتجه مصالحه؟
إن الفساد لا يولد من رابطة الدم وحدها، بل من تضارب المصالح بكل صوره، ومن غياب الشفافية، ومن ضعف الرقابة، ومن غياب المساءلة. لذلك فإن معالجة مظهر واحد، مهما كان مهماً، لا تكفي إذا بقيت بقية المنافذ مفتوحة.
وثمة ملاحظة لا تقل أهمية عن مضمون التعميم نفسه، وهي أنه صدر عن وزارة المالية وحدها. صحيح أن لكل وزارة صلاحية تنظيم شؤونها الإدارية، لكن النزاهة ليست شأناً قطاعياً، والفساد لا يعمل داخل حدود وزارة دون أخرى. فإذا كانت القرابة تشكل خطراً على حياد القرار في وزارة المالية، فهي تشكل الخطر ذاته في وزارات الصحة والعدل والداخلية والإدارة المحلية والنقل والتعليم وسائر مؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تكون مبادرات متفرقة تصدرها كل وزارة على حدة، بل سياسة حكومية موحدة، تنطلق من رؤية واحدة، وتفرض معايير واحدة، وتطبق على الجميع بلا استثناء. أما إذا بقيت كل جهة تعمل منفردة، فإن النتيجة ستكون تفاوتاً في الالتزامات، وتفاوتاً في الرقابة، وتفاوتاً في مستوى النزاهة، وهو ما يتعارض مع جوهر الإصلاح الإداري.
والأهم من ذلك كله أن الوقت قد حان للانتقال من الإفصاح عن القرابة إلى الإفصاح عن الذمة المالية. فلا يمكن الحديث عن تجفيف منابع الفساد بينما لا يزال الإقرار بالأملاك والأرصدة والحصص والاستثمارات خارج منظومة الإفصاح الدوري لشاغلي الوظائف العامة، ولا سيما القيادية منها. فالإقرار بالذمة المالية ليس إجراءً شكلياً، بل هو من أكثر أدوات الوقاية فاعلية، لأنه يتيح مقارنة الوضع المالي للمسؤول عند توليه المنصب وبعد سنوات من شغله، ويجعل أي تضخم غير مبرر في الثروة محل تساؤل ومراجعة وفق أحكام القانون.
وليس المقصود بذلك انتهاك خصوصية الأفراد، وإنما حماية المال العام. فكل من يتولى سلطة تؤثر في الإنفاق العام أو الإيرادات أو العقود أو التعيينات، ينبغي أن يقبل مستوى أعلى من الشفافية، لأن السلطة العامة تقترن دائماً بمسؤولية عامة.
كما أن منظومة النزاهة لا تكتمل دون إجراءات أخرى، مثل الإقرار السنوي بتضارب المصالح، والتدوير الوظيفي في المواقع الحساسة، والفصل بين صلاحيات الاعتماد والتنفيذ والرقابة، وتعزيز التدقيق الداخلي، والرقمنة الكاملة للإجراءات، وحماية المبلغين عن الفساد، وربط تقييم القيادات الإدارية بمؤشرات النزاهة والامتثال، لا بمؤشرات الإنجاز الإداري وحدها.
إن تعميم وزارة المالية خطوة صحيحة، لكنه ليس نهاية الطريق، بل بدايته. وإذا كانت الدولة جادة في الانتقال من مكافحة وقائع الفساد إلى منع أسبابها، فإن المطلوب اليوم هو مشروع وطني متكامل للنزاهة، لا يكتفي بإحصاء الأقارب، بل يحاصر كل صور تضارب المصالح، ويُلزم شاغلي الوظيفة العامة بالإفصاح عن ذممهم المالية، ويضع الجميع تحت مظلة قواعد واحدة، لأن الفساد لا يُهزم بالقرارات الجزئية، وإنما بمنظومة متكاملة تجعل النزاهة قاعدة لا استثناء، وتجعل الشفافية التزاماً لا خياراً، وتجعل الوظيفة العامة خدمة للمواطن، لا باباً للمصالح الخاصة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290