العطّارة في سورية، مهنة بلا رقابة وسوق مفتوح على صحة المواطن
في مشهد يعكس انهياراً منظماً لكل معايير الصحة والسلامة، تحولت مهنة «العطّارة» في سورية من حرفة تراثية عريقة إلى سوق مفتوح للدجل والاستغلال، حيث يبيع من لا يملك أدنى خبرة أو مؤهل علمي والمنتحل خلطات مجهولة المصدر تحت ألقاب جذابة «كخبير أعشاب» و«استشاري تغذية»، محوّلين أجساد السوريين إلى مختبرات تجارب مجانية في غياب تام للرقابة!
من مهنة عريقة إلى سوق للدجل
لم يعد الحديث عن بائع أعشاب تقليدي يبيع «الزهورات» والنعناع، فما نشهده اليوم هو تحول جذري نحو ما يشبه «مختبرات جهنمية» مصغرة. يستغل الدخلاء على المهنة، ممن يطلقون على أنفسهم «خبراء»، يأس المواطن الذي لم يعد قادراً على دفع أجرة الكشفية لدى الطبيب، ناهيك عن ثمن الدواء في الصيدلية الذي بلغ أرقاماً فلكية.
أمام هذا الجدار، يظهر «المنقذ» بخلطته التي لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف، ليجني أرباحاً طائلة وسريعة من جيوب المفقرين المحتاجين للعلاج.
المنطق هنا تجاري بحت، متخفٍ وراء قناع «العودة إلى لطبيعة» يتم تركيب خلطات علاجية لمرضى السكري، الضغط، وحتى السرطان، في أقبية وزوايا محال، دون أدنى معرفة بالتفاعلات الكيميائية أو الجرعات الدوائية. منتجات تُباع دون أي بيان توضيحي، فلا تعرف مكوناتها، ولا جرعاتها، ولا حتى تاريخ إنتاجها.
إنها مقامرة حقيقية؛ ربحها مضمون لصاحبها، وخسارتها محسومة لصحة المريض.
أضاحي الجهل...
تتضاعف المأساة عندما ننظر إلى ضحايا هذه الفوضى، فتهاني، وهي ممرضة، تشتري الخلطات منذ سنوات «بثقة عمياء» بخبرة البائع التي تعتقد أنها متوارثة، ومقتنعة بأن «الطبيعي آمن».
أما أسامة، فبعد معاناة من آلام المفاصل وفشل العلاجات التقليدية، استسلم لتجارب «إيجابية» سمعها من آخرين، ليجد نفسه أمام منتجات لا يعرف مكوناتها ولا مصدرها.
لكن ما لا يدركه هؤلاء، وما تغفل عنه الدعاية الرخيصة، أن بعض النباتات التي تبدو بريئة قد تسبب آثاراً جانبية خطِرة إذا استُخدمت بجرعات غير مدروسة، فالدواء، سواء كان عشبياً أم كيميائياً، يجب أن يستند إلى أدلة علمية، لا إلى المعتقدات الشعبية أو تجارب شخصية.
منصات لترويج الموت
لم يعد الدجل محصوراً في واجهات المحلات، بل انتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي حيث ينتشر أشخاص يقدمون أنفسهم «كخبراء أعشاب» دون أي مؤهل علمي.
وفي مثال صارخ، يروي أحد الصيادلة كيف تُسوّق مواد مختلفة تحت اسم «البربرين» لعلاج السكري، بينما لا تحتوي على المادة الأصلية، في عملية نصب واضحة لتحقيق أرباح سريعة على حساب صحة المواطن.
مسؤولية متداخلة، وتقصير مشترك
هذه الفوضى ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تقصير متعمّد من جميع الجهات
المعنية، وكأن هناك تواطؤاً صامتاً يسمح بتحويل صحة السوريين إلى بضاعة رخيصة.
فأين كانت البلديات وهي تمنح تراخيص «عطارة» لتتحول لاحقاً إلى عيادات شاملة؟، وفي أي قاموس قانوني يسمح لمحل تجاري بتركيب أدوية وخلطات طبية دون أدنى رقابة؟
ولماذا تغض وزارة الصحة ونقابتا الأطباء والصيادلة الطرف عن ممارسة الطب والصيدلة دون ترخيص، وكأن صحة الفقراء لا تستحق عناء الملاحقة القانونية؟ أين الدور التمويني الرقابي على هذه المنتجات مجهولة الهوية والمصدر؟ لماذا لا تُسحب عينات من هذه «الخلطات السرية» لتحليلها والكشف عن سمومها؟
الصمت هنا يرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة!
كذلك أين وزارة الإعلام من دورها في ضبط إعلانات هؤلاء الدجالين التي تغزو منصات التواصل الاجتماعي، وتلفق قصص شفاء وهمية لتسويق سمومهم؟
أما حان وقت كسر العظام على من يتلاعب بصحة الناس؟
لم يعد هناك متسع للإجراءات الترقيعية أو «لجان دراسة الظاهرة»، فما يحدث هو انهيار كامل للسيادة الصحية، واستباحة لحياة السوريين.
إن التعامل مع هذه الجريمة بحق الصحة العامة بطريقة الصمت والترقيع والتجميل هو استكمال للجريمة ذاتها، فالمواطن السوري الذي أنهكته الحروب والأزمات الاقتصادية، يستحق أكثر من أن يُترك فريسة «لمن لا عمل لهم» تحت غطاء «الطب البديل».
المطلوب، إغلاق كل محل لا يستوفي شروط الترخيص، كما ملاحقة كل من ينتحل صفة «خبير أعشاب»، ووضع آلية رقابية صارمة تشمل التحليل المخبري لكل منتج قبل عرضه للبيع، فالصحة ليست سلعة، وحياة السوريين ليست رهاناً في متناول من لا يملك من العلم شيئاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290
منية سليمان