افتتاحية قاسيون 1290: «تحالف مكة» والنظام الإقليمي الجديد!
تحاول الماكينة الإعلامية الغربية هذه الأيام، وخاصة بشقها الصهيوني، نسج مختلف أنواع الأساطير حول التحالف الجديد بين (السعودية، باكستان، تركيا)، الذي تم التوقيع على معاهدته يوم الجمعة 7 آب 2026 في مكة المكرمة.
المقولة الأساسية التي تحاول هذه الماكينة نشرها، هي أن هذا التحالف هو «تحالف سني ضد إيران الشيعية»، وتمضي بعض الوسائل أبعد من ذلك لتصل إلى أن هذا التحالف هو الخطوة الأولى نحو تحالف لاحق أوسع هو (ناتو إسلامي/«إسرائيلي»)!
لوضع الأمور في سياقها الصحيح، لا بد من التذكير بما يلي:
أولاً: حين تم توقيع «اتفاقات أبراهام» مع الإمارات والبحرين، عام 2020، نشطت الآلة نفسها في القول إن التالي هو السعودية، وإن «ناتو عربي/إسرائيلي» سيتم تشكيله لمواجهة إيران. في حينه أكدت قاسيون أن «اتفاقات أبراهام» هي في الجوهر تعبير عن التراجع الأمريكي، وليست تعبيراً عن التقدم، وأن مصير هذه الاتفاقات هو دفع الدول الأساسية في المنطقة نحو مزيد من التقارب مع الصين وروسيا، وبين بعضها البعض، وبالضد من الأمريكي والصهيوني في نهاية المطاف... وفي حينه كان هذا الكلام يبدو خروجاً كاملاً عن سرب التحليل العام، ليس ضمن الماكينة الغربية فحسب، بل وضمن مجمل وسائل الإعلام بمختلف توجهاتها.
ثانياً: مع مراوحة «اتفاقات أبراهام» في مكانها لسنوات تلت التوقيع، حصل ما استشرفته قاسيون عبر التسوية السعودية الإيرانية برعاية صينية عام 2023، بما عرف بـ«اتفاق بكين»؛ أي أنه في الوقت الذي كان الأمريكي يسعى فيه لزج السعودية في حرب مع إيران لمصلحة «إسرائيل»، فإن ما جرى هو أن إيران والسعودية قد تقاربتا بوساطة صينية وروسية.
ثالثاً: بعد ذلك تعزز التقارب ليس بين السعودية وإيران فحسب، بل وأيضاً بينهما وبين تركيا ومصر وباكستان، عبر جملة من التفاهمات والاتفاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لتشكل هذه الدول بمجموعها نواة ما أسمته قاسيون باكراً بـ«التحالف الخماسي»، والذي يجمع بين دوله الخطر والتهديد المشترك، الأمريكي/«الإسرائيلي».
رابعاً: مع الحرب على إيران بموجتها الأولى السنة الماضية، وبموجتها الحالية، بدا وكأن السعودية مهيأة للانخراط في المعسكر الأمريكي/«الإسرائيلي»، وفي حينه، أكدت قاسيون بشكل متكرر أن هذا لن يحدث، وأن الحرب وإنْ أنتجت نزاعات وتناقضات مؤقتة، فإنها ستعزز التراجع الأمريكي/ «الإسرائيلي» من جهة، وستعزز التقارب بين الدول الخمس من جهة أخرى...
بالمحصلة، فإن «تحالف مكة»، وقبله بأيام التحالف الذي أنشأته السعودية لحماية الملاحة البحرية، هما ترتيبان مؤقتان يخدمان الأغراض التالية:
أولاً: تأمين بديل جاهز بالمعنى الأمني العسكري، للحلول محل العسكر الأمريكي الذي سينسحب من المنطقة بشكل كامل خلال الأشهر والسنوات القادمة.
ثانياً: وضع أساس أولي للنظام الإقليمي الجديد الذي سيشمل مجمل غرب آسيا وصولاً إلى البحر الأحمر ومصر ضمناً، والذي ستكون إيران حكماً جزءاً أساسياً منه، وسيكون مدعوماً صينياً وروسياً، ولن تكون لا الولايات المتحدة ولا «إسرائيل» جزءاً منه.
ثالثاً: سيتم استخدام هذا التحالف الجديد في إطار الحوار والتفاوض مع إيران، للوصول إلى صيغة متوازنة للمنظومة الإقليمية الجديدة، ولن يتم استخدامه بأي حال من الأحوال للصراع مع إيران لمصلحة «الإسرائيلي» أو الأمريكي.
فهم هذه الإحداثيات بشكل استباقي، هو ضرورة قصوى لتحديد التموضع الصحيح لسورية، الذي يخدم الشعب السوري ويخدم وحدة سورية ومستقبلها... وعدم فهمها والسير بشكل مخالف لها، يعني السير ضد مصلحة البلاد وأهلها، ويعني السير بعكس اتجاه التاريخ... ومن يسير عكس اتجاه التاريخ يتحول إلى صفحة مطوية من صفحاته، بأسرع مما يظن!
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290