مصياف... نحو 800 إصابة قبل أن تكشف الفحوص تلوث المياه
في الأزمات الصحية، لا يُقاس نجاح المؤسسات بعدد البيانات التي تصدرها، بل بعدد الإصابات التي تنجح في منعها. وما شهدته مدينة مصياف خلال الأسبوع الماضي يطرح سؤالاً مؤلماً: هل كان بالإمكان حماية مئات الأشخاص لو كانت الإجراءات الاحترازية أكثر سرعة وشفافية منذ الأيام الأولى؟
خلال خمسة أيام فقط، تحولت حالات الإسهال الحاد في المدينة من إصابات متفرقة إلى حدث وبائي واسع النطاق. ووفق بيان وزارة الصحة الصادر بتاريخ 16 تموز، بلغ العدد التراكمي للحالات التي راجعت المشافي منذ 11 تموز وحتى صباح 16 تموز 769 حالة، استدعت 38 حالة القبول في مشفى مصياف الوطني و20 حالة في المشافي الخاصة، مع تأكيد الوزارة أن جميع المرضى بحالة صحية جيدة.
لكن هذا الرقم، على الأرجح، لا يعكس الحجم الحقيقي لما حدث على الأرض. فمن يعرف طبيعة الخدمات الصحية في المدينة يدرك أن عشرات، وربما مئات، من المصابين لم يراجعوا المشافي الحكومية أصلاً، بل قصدوا المشافي الخاصة أو عيادات الأطباء أو اكتفوا بالحصول على العلاج من الصيدليات، خصوصاً أن معظم الحالات كانت تعاني من إسهال شديد وإقياءات وجفاف بدرجات متفاوتة دون الحاجة إلى دخول المستشفى. ولذلك، فإن العدد الفعلي للمصابين مرجح أن يكون أكبر من الرقم الرسمي المعلن.
منذ الساعات الأولى للأزمة، كان السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع واحداً: ما مصدر التلوث؟
وفي الوقت الذي كانت فيه الإصابات تتزايد يوماً بعد يوم، صدرت تصريحات محلية أفادت بأن نتائج العينات الأولية لمياه الشرب جاءت سليمة، وأن المياه ليست مصدر المشكلة. لكن بينما كان المواطنون يتلقون هذه التطمينات، كانت أعداد المصابين تواصل الارتفاع بوتيرة مقلقة، الأمر الذي كان يستوجب، على أقل تقدير، توسيع نطاق الفحوص واتخاذ إجراءات احترازية استثنائية إلى حين حسم مصدر العدوى بشكل نهائي.
ثم جاء بيان وزارة الصحة في 16 تموز ليكشف صورة مختلفة تماماً.
فقد أعلنت الوزارة أنها، فور الإبلاغ عن تزايد الحالات، فعّلت الاستجابة الوبائية، وشكلت فرق تقصٍ زارت المشافي والمراكز الصحية ومنازل المرضى، وسحبت عينات من مياه الشبكة العامة والآبار وخزانات المنازل، إضافة إلى عينات غذائية من مصادر متعددة، بما فيها الخضار والبطيخ.
والأهم من ذلك أن الوزارة أعلنت نتائج التحاليل بوضوح:
جاءت اختبارات الكوليرا والزرع الجرثومي الخاصة بها سلبية.
لكن الفحوص المخبرية كشفت عن وجود تلوث جرثومي في معظم عينات المياه المفحوصة.
كما أظهرت نتائج الزرع الجرثومي أن عينات من مياه الشرب ومن بعض الأغذية كانت غير صالحة من الناحية الجرثومية.
وعلى ضوء ذلك، أعلنت الوزارة التنسيق مع محافظة حماة والجهات المعنية لتعزيز جودة مياه الشرب وتشديد مراقبة مصادر المياه.
هذه النتائج تفتح الباب أمام أسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابات.
إذا كانت معظم عينات المياه التي شملها التقصي الموسع ملوثة جرثومياً، فلماذا لم يُتخذ منذ الأيام الأولى مبدأ الحيطة؟ ولماذا لم تُكثف عمليات أخذ العينات على نطاق أوسع مع الارتفاع المتسارع في أعداد الإصابات؟ وهل كانت العينات الأولية ممثلة فعلاً للشبكة، أم إنها كانت محدودة بحيث لم تعكس الواقع الكامل؟
هذه الأسئلة ليست بحثاً عن شماعة لتعليق المسؤولية، بل هي جزء أساسي من أي مراجعة جادة لأزمة مست الصحة العامة.
ففي مثل هذه الظروف، لا ينتظر المواطن معرفة السبب النهائي فقط، بل ينتظر إجراءات وقائية عاجلة أيضاً زيادة وتيرة الفحوص، تعزيز تعقيم الشبكة، مراقبة مستويات الكلور بشكل مكثف، وإصدار توصيات احترازية واضحة بشأن استخدام مياه الشرب إذا كان احتمال التلوث قائماً. فالوقاية ليست إعلاناً عن الفشل، بل هي جوهر عمل مؤسسات الصحة والمياه.
وفي ظل تصاعد الغضب الشعبي، تداول ناشطون بياناً باسم «أهالي مدينة مصياف» بتاريخ 18 تموز 2026، اعتبر أن ما جرى هو «كارثة تلوث مياه مدينة مصياف»، مطالباً «بكسر سياسة النكران والشفافية التامة»، وإلزام الجهات المعنية بكشف الأسباب الحقيقية للتلوث وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام. كما دعا البيان إلى «تأمين بدائل مياه آمنة وموثوقة» عبر صهاريج معقمة وبشكل مجاني، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية الخانقة لا تسمح لشريحة واسعة من الأهالي بتحمل الأعباء المالية الإضافية لشراء مياه الشرب المعقمة، فضلاً عن المطالبة بإجراء كشف فني شامل لمنظومة المياه وإعادة تأهيلها وتعقيمها، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة أي تقصير يثبته التحقيق. وتعكس هذه المطالب حجم القلق الذي عاشه سكان المدينة بعد أن أصبحت سلامة مياه الشرب موضع شك، وما ترتب على ذلك من أعباء صحية ومعيشية أثقلت كاهل مئات الأسر خلال أيام الأزمة.
وإذا كانت أزمة مصياف قد كشفت شيئاً، فهي أنها ليست مجرد حادثة محلية، بل مرآة لواقع البنية التحتية في سورية. فشبكات مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي في كثير من المحافظات والمدن والبلدات تعاني من التقادم والاهتراء، وتحتاج إلى برامج صيانة وإعادة تأهيل شاملة بعد سنوات طويلة من الاستهلاك والأضرار. وكل تأخير في معالجة هذا الملف يعني أن احتمال تكرار ما حدث في مصياف سيبقى قائماً، ليس في مدينة واحدة، بل في أي مكان تتقاطع فيه شبكات متهالكة مع ضعف الرقابة والصيانة.
إن صحة السوريين ليست بنداً ثانوياً في الموازنات، ولا ملفاً يمكن تأجيله حتى تقع الكارثة. وما حدث في مصياف يجب ألّا ينتهي بانخفاض عدد الإصابات، بل ينبغي أن يكون نقطة تحول حقيقية في إدارة قطاع المياه والصحة العامة، وأن يقود إلى مراجعة شاملة ومساءلة شفافة لكل أوجه القصور التي يكشفها التحقيق، لأن الحق في مياه شرب آمنة ليس امتيازاً، بل هو أبسط حقوق الإنسان.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287