11 عائلة... و15 عاماً من الانتظار تنتهي بإنذار إخلاء!

11 عائلة... و15 عاماً من الانتظار تنتهي بإنذار إخلاء!

“منذ 16 تموز، أُثيرت قضية إنذارات الإخلاء الموجهة إلى 11 عائلة تقيم في منطقة وادي سفيرة بدمشق، وذلك من خلال إفادات وشهادات المتضررين التي نشرتها وسائل إعلام عدة، بعد منحهم مهلة لا تتجاوز سبعة أيام لمغادرة منازل يقيمون فيها منذ عام 2009. ورغم اتساع تداول القضية وما أثارته من تساؤلات، لم يصدر حتى الآن أي بيان أو توضيح رسمي من محافظة دمشق أو الجهات المعنية يشرح أسباب القرار أو يوضح خلفياته، لتبقى الرواية الرسمية غائبة عن قضية تمس استقرار أسر تواجه خطر فقدان مساكنها.”

فعندما يتعلق الأمر بمصير أسر مهددة بفقدان منازلها، فإن الحد الأدنى من المسؤولية يقتضي مخاطبة الرأي العام، وشرح الأساس القانوني للقرار، وتوضيح البدائل إن وجدت، بدلاً من ترك الناس يتداولون الروايات في ظل غياب أي موقف رسمي.
قد يبدو للبعض أن القضية محدودة، فهي تخص 11 عائلة فقط. لكن العدالة لا تُقاس بالأرقام، بل بالحقوق. فإخلاء أسرة واحدة من منزلها بسبب تقاعس إداري لم تكن طرفاً فيه، يكفي ليجعل القضية شأناً عاماً يستحق النقاش والمساءلة.
وبحسب ما أورده المتضررون، فإن هذه العائلات لم تشغل المساكن بصورة غير قانونية، ولم تضع يدها عليها بالقوة، وإنما أُسكنت فيها بقرار رسمي بعد انهيار منازلها عام 2009، وظلت طوال أكثر من خمسة عشر عاماً تدفع بدلات إشغال للمحافظة، بانتظار استكمال نقل الملكية، وهي الإجراءات التي بقيت معلقة بسبب الإشكال القائم بين محافظة دمشق ووزارة الأوقاف حول ملكية الأرض.
خمسة عشر عاماً مرت، ولم تُحل المشكلة.

خمسة عشر عاماً ظل المواطن خلالها ملتزماً بما طُلب منه، بينما لم تتمكن الجهات الرسمية من إنهاء خلاف إداري يقع ضمن مسؤولياتها.
ثم جاءت النتيجة في صورة إنذار بالإخلاء خلال سبعة أيام.
أي منطق إداري يقبل بأن يستغرق حل ملف بين مؤسستين رسميتين خمسة عشر عاماً، بينما يُطلب من الأسر أن ترتب حياتها، وتبحث عن مأوى جديد، وتغادر منازلها خلال أسبوع واحد؟
وإذا كان سبب تعثر التمليك يعود إلى نزاع بين المحافظة والأوقاف، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا يتحمل المواطن وحده نتائج هذا النزاع؟ ولماذا يصبح الطرف الذي التزم بقرارات الدولة، ودفع بدلات الإشغال سنوات طويلة، هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن التأخير؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد.
فإنذارات الإخلاء تفتح باباً لسؤال لا يقل أهمية: ماذا بعد؟
هل ستبقى هذه المساكن خالية بعد إخلائها؟
من الصعب تصور ذلك.
وإذا كانت ستُشغل مجدداً، فمن سيقيم فيها؟ وما الذي يجعل أي شاغل جديد أولى بهذه المنازل من عائلات استقرت فيها أكثر من خمسة عشر عاماً بقرار رسمي، وانتظرت بصبر أن تنهي الجهات الرسمية خلافاتها؟
إن هذه الأسئلة لا تفترض مسبقاً ما سيحدث، لكنها تفرض نفسها منطقياً. لأن الهدف من الإخلاء لا يمكن أن يكون مجرد إفراغ المساكن، بل لا بد أن تكون هناك غاية لاحقة. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يعرف: إذا كانت هذه الوحدات ستُخصص لغير شاغليها الحاليين، فما هو معيار الأولوية؟ وهل يُعقل أن يكون القادم الجديد أحق بها ممن عاش فيها خمسة عشر عاماً، بينما كانت الإدارة تؤجل حل المشكلة عاماً بعد عام؟
إن العدالة لا تتحقق باستبدال متضرر بآخر، ولا بإغلاق ملف إداري على حساب من لا ذنب له فيه.

القضية اليوم ليست قضية أحد عشر منزلاً، بل قضية نهج إداري يثير تساؤلات عميقة حول مفهوم المسؤولية. فالإدارة لا تملك سلطة إصدار القرارات فقط، بل تتحمل مسؤولية نتائج تقاعسها عن معالجة الملفات التي تقع ضمن اختصاصها أيضاً. وعندما يبقى نزاع بين جهتين رسميتين معلقاً خمسة عشر عاماً، ثم يُطلب من المواطنين وحدهم دفع الثمن، فإن الخلل لا يكون في المواطن، بل في طريقة إدارة الملف.
قد يكون عدد المتضررين 11 عائلة فقط، لكن قيمة العدالة لا تُقاس بالعدد. فإخلاء أسرة واحدة من منزلها بعد سنوات طويلة، بسبب مشكلة لم تصنعها ولم تملك يوماً سلطة حلها، هو قضية تستحق التوقف عندها. لأن الدولة التي تطلب من مواطنيها احترام القانون، مطالبة أيضاً بأن تحترم مبدأ الإنصاف، وألا تجعل من المواطنين ضحايا لتأخرها في أداء واجباتها، أو لصراع الصلاحيات بين مؤسساتها. فالثقة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بالعدالة التي يشعر بها الناس عندما يرون أن الإدارة تتحمل مسؤولية أخطائها، بدلاً من أن تنقل كلفتها إلى أضعف الأطراف.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287