حلب بلا ماء... المواطن يدفع ثمن الأزمة مرتين

حلب بلا ماء... المواطن يدفع ثمن الأزمة مرتين

لم تعد أزمة مياه الشرب في مدينة حلب مجرد عطل طارئ يمكن تجاوزه بانتظار إصلاح محطة أو عودة التيار الكهربائي، بل أصبحت أزمة مفتوحة تكشف هشاشة منظومة الخدمات الأساسية، وتضع آلاف العائلات أمام معركة يومية لتأمين أبسط مقومات الحياة.

ففي عدد من أحياء المدينة، تحولت صنابير المياه إلى مصدر انتظار طويل بلا نتيجة. سكان أحياء مثل الزبدية والإذاعة والأنصاري الشرقي ومناطق أخرى تحدثوا عن انقطاعات امتدت إلى أسابيع متواصلة، فيما بقيت الوعود بإعادة الاستقرار إلى الشبكة عاجزة عن تغيير الواقع الذي يعيشه الناس داخل منازلهم.
الأزمة التي تتكرر بأشكال مختلفة لم تعد مرتبطة بخلل فني هنا أو انقطاع كهربائي هناك فقط، رغم أن الجهات المعنية تربط جزءاً كبيراً منها بتوقفات في محطات المعالجة وانخفاض كميات الضخ، بل باتت تعكس مشكلة أعمق تتمثل في غياب حلول دائمة لمنظومة مائية باتت عاجزة عن تلبية احتياجات مدينة كبيرة مثل حلب.

وفي ظل غياب المياه من الشبكة العامة، وجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عن بدائل مكلفة، وكان الصهريج هو الخيار الوحيد أمام كثير من العائلات. لكن هذا الخيار لم يكن حلاً بقدر ما كان عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة الأعباء اليومية.
فقد شهدت أسعار المياه المنقولة عبر الصهاريج ارتفاعاً كبيراً، حيث قفز سعر خزان سعة خمسة براميل من نحو 75 ألف ليرة سورية إلى ما بين 125 و150 ألف ليرة في بعض الحالات، ما يعني أن الأسرة التي كانت تشتري المياه عند الحاجة أصبحت مضطرة لإنفاق مبالغ كبيرة بشكل متكرر لتأمين احتياجاتها الأساسية فقط.
وهكذا لم يعد المواطن يدفع ثمن انقطاع المياه فقط، بل يدفع ثمن غياب البدائل المنظمة والرقابة على سوق الصهاريج أيضاً. ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه المياه خدمة عامة مؤمنة عبر الشبكة الرسمية، تحولت إلى سلعة باهظة الثمن تتحكم بها ظروف الأزمة وحاجة الناس الملحة.

الأكثر قسوة أن هذه المعاناة تأتي في فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة وتزداد الحاجة إلى المياه للشرب والنظافة والاستخدامات المنزلية المختلفة. عائلات كثيرة اضطرت إلى تقنين استهلاكها إلى الحد الأدنى، وتأجيل أعمال منزلية أساسية، وتحويل جزء من دخلها المحدود إلى شراء المياه بدلاً من الإنفاق على الغذاء أو الدواء أو متطلبات الحياة الأخرى.
وتزداد المعاناة لدى الأسر ذات الدخل المحدود، إذ إن شراء صهريج واحد لا ينهي المشكلة، فالاستهلاك اليومي يجعل الحاجة إلى تكرار الشراء أمراً مستمراً، ما يحول الأزمة من طارئ مؤقت إلى استنزاف مالي طويل الأمد.
ورغم إعلان الجهات المسؤولة عن أعمال صيانة ومحاولات لتحسين الضخ ومعالجة أسباب الخلل، فإن المواطن الذي ينتظر منذ أسابيع لا يرى في البيانات الرسمية حلاً لمعاناته اليومية. فالمشكلة بالنسبة له ليست في تفسير سبب الانقطاع، بل في استمرار غياب المياه عن منزله وتحوله إلى رهينة للصهاريج والأسعار المرتفعة.

إن أزمة المياه في حلب أصبحت مثالاً صارخاً على أنه كيف يمكن لخدمة أساسية أن تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي عندما تغيب المعالجة الجذرية. فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود أو التبريرات، بل يحتاج إلى شبكة مياه تعمل بانتظام، وإلى إجراءات تمنع استغلال حاجته، وإلى حلول تمنع تكرار المشهد نفسه مع كل موسم صيف.
فالماء ليس رفاهية، وليس سلعة إضافية يمكن للمواطن الاستغناء عنها، ومن غير المقبول أن يتحول الحصول على بضعة براميل منه إلى معركة يومية تستنزف جيوب الناس وطاقتهم في مدينة أنهكتها الأزمات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287