ارتفاع قياسي في حوادث السير... السلامة المرورية أمام اختبار حقيقي
رهف ونوس رهف ونوس

ارتفاع قياسي في حوادث السير... السلامة المرورية أمام اختبار حقيقي

تتصاعد الأرقام في سجلات وزارة الطوارئ، لترسم لوحة قاتمة لواقع مروري يغيب عنه الرادع وتتوارى خلفه المسؤوليات.

فبينما كان عدد الحوادث المرورية في سورية خلال عام 2025 بأكمله نحو 3000 حادث، ها هو النصف الأول من 2026 يسجل 2400 حادث مقترباً من إحصائية العام الفائت، في مؤشر خطِر يكشف عن حالة تفلّت وغياب هيبة الدولة على طرقاتها.


حمص نموذجاً


سجل النصف الأول من 2026 في حمص 292 حادثاً أسفر عن 20 وفاة و317 إصابة. وبالمقارنة مع الفترة ذاتها لعام 2025 الذي شهد 69 حادثاً فقط، و3 وفيات و57 إصابة، نجد أن نسبة الارتفاع تقترب من 300%!
إنها قفزة مخيفة لا يمكن تفسيرها بظروف طارئة أو عوامل عابرة، بل هي نتيجة حتمية لغياب الانضباط وتراجع هيبة القانون.


من المسؤول؟


تُحمّل التقارير الرسمية للوزارة «السرعة الزائدة» النسبة الأكبر كمسبب للحوادث بـ 35,96%، لكن هذا في حقيقته، تنصل فاضح من المسؤولية، إذ يتجاهل أسباباً جوهرية لا تقل خطورة، وفي مقدمتها البنية التحتية المتهالكة التي لم تتجاوز نسبتها في التقارير 1,71%، و20 -25% في عموم سورية.
ليأتي الواقع الميداني ويفضح هذا التبرير، حيث تعاني الطرق وخاصة السريعة والدولية من تفسخات وحفر مفاجئة تباغت السائقين وتؤدي إلى فقدان السيطرة، ناهيك عن غياب الإنارة والإشارات المرورية التحذيرية، وضعف تصريف المياه وتآكل الطبقات الإسفلتية التي تتحول في الشتاء إلى مصائد قاتلة.
وعليه، فتحميل السائق وحده المسؤولية، مع إغفال تقصير المؤسسات، هو تضليل للرأي العام وتبرير للفشل.


«طرق الموت»


أوتوستراد دمشق– درعا وأوتوستراد دمشق– دير الزور، اللذان باتا يُعرفان «بطرق الموت»، يقدمان الدليل الأكثر إيلاماً على فشل النهج القائم، حيث وقع أخر الحوادث على طريق درعا بتاريخ 8/7/2026، وتسبب بـ 4 وفيات و31 إصابة لم يكن استثنائياً، بل حلقة في سلسلة مأساوية تتكرر يومياً، بسبب تهالك الطريق وغياب أدنى تجهيزات السلامة.
فالمشاريع الجزئية، والترقيع المؤقت، والخطابات الإنشائية عن وعود وتوجيهات للإصلاح، كلها لا ترقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية التي تتكشف يومياً على الطرق.


سلطة غائبة ورادع مشلول


ففي واقع تسوده الفوضى المرورية، يعكس انهيار هيبة الدولة في أرقى تجلياتها، فالرادع القانوني بات شبه غائب، والغرامات المالية التي «تُجبى» من المخالفات لا تشكّل رادعاً حقيقياً في ظل انفلات أمني مروري شامل، والأكثر خطورة، أن آلاف السائقين يمارسون القيادة دون رخص رسمية، مما يعني أن مركبات تتحول إلى آليات قاتلة يقودها من لم تثبت كفاءتهم.
كما أن الرادارات والكاميرات المرورية اتخذت منحى الرقابة المؤقتة، حيث يلتزم السائق فقط عند المرور أمامها، في نهج ترقيعي يحوّل الضبط المروري إلى جباية أموال لا أكثر، من دون أي أثر رادع أو تحسين في سلوك القيادة.


نظام مروري مستدام...


ما نشهده اليوم ليس مجرد أرقام متصاعدة، بل مؤشر أساسي لحالة تفلت وغياب للمسؤولية. فبناء نظام مروري فعال يتطلب نهجاً قائماً على الاستدامة لا الترقيع، يبدأ من إعادة منح رخص القيادة وفق اختبارات صارمة، وصولاً إلى تركيب الرادارات والكاميرات على جميع الطرق دون استثناء، مروراً بصيانة البنية التحتية وفق خرائط دقيقة تستند إلى بيانات الحوادث الميدانية لتحديد بؤر الخطر» وتوجيه ورشات الصيانة نحوها.
فالأرواح التي تزهق يومياً ليست مجرد أرقام، بل أمهات وآباء وأطفال وشباب كان يمكن إنقاذهم لو توفر الحد الأدنى من المسؤولية والمساءلة.
اليوم، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالنداءات والتحذيرات والتصريحات عن مشاريع إصلاحية تبقى حبيسة الأدراج، فحل ملف الحوادث المرورية في سورية، مسؤولية وواجب وحق لكل مواطن ليعيش بسلامة وكرامة، فمن وزارة النقل إلى المحافظات وإدارة المرور وجهات منح الرخص، جميعها مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤولياتها، فاستمرار هذا النزيف ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة غياب السياسات المتوازنة، بالتزامن مع الفشل والإهمال المتراكم.
فكم من الضحايا يجب أن تسقط حتى تتحرك الضمائر قبل الآليات الرسمية؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287