تحصيل المعاش رحلة معاناة يومية، فمتى تبدأ الحلول الجذرية؟!
لا يكاد راتب المتقاعد أو الموظف يفي بثمن ربطة خبز وفاتورة كهرباء، حتى يُحدد «بسقف سحب» يحوّل انتظاره إلى طقس إذلال يومي! فبين شوارع سلمية المزدحمة بالعجز، وأزقة دير الزور المثقلة بالمسافات، يقف آلاف السوريين في طوابير تمتد ساعات تحت الشمس الحارقة أو البرد القارس، فقط ليصطدموا بصرّاف معطّل أو فارغ، أو برسالة «تجاوزت الحد المسموح».
هذا ليس سيناريو استثنائياً، بل هو المشهد اليومي لاقتصاد يحوّل معاش المفقرين إلى رهينة لقرارات لا تليق بكرامة إنسان.
«رفع السقف...» مسكّن لا يوقف النزيف
في التاسع من تموز صدر قرار يسمح بزيادة سقف السحب في صرافات المصرفين التجاري والعقاري، لتمكين أصحاب الرواتب من قبض مستحقاتهم دفعة واحدة بعد الزيادة المقررة (وخاصة للمتقاعدين).
الخطوة شكلاً تبدو «إيجابية»، لكنها في الجوهر لا تتجاوز «ترقيعاً» جديداً في جدار الأزمة. فالمشكلة لم تكن يوماً في كمّ المبلغ الذي يمكن سحبه، بل في مبدأ ربط قوت الفقراء بسقف سحب يليق بالمضاربين لا بأصحاب الدخل المحدود.
القرار صحيح في توجهه، لكنه «غير كافٍ» لأنه يعالج عرَضاً ويترك المرض مستفحلاً... لماذا يُعامَل راتب الجوع كأرباح تاجر عملة أصلاً؟
من سلمية إلى دير الزور... مشاهد من مسرح المعاناة
في سلمية، يناشد متقاعدون وعاملون من مؤسسات مختلفة كل جهة مسؤولة، بعدما حوّلتهم الصرافات إلى متسوّلين على أرصفة الانتظار، فهناك صراف واحد أو اثنان بالكاد يعملان ويتعطلان أياماً، يلتهمان الوقت والأعصاب، ويجبران كبار السن على قطع المسافات سيراً أو دفع أجور نقل تفوق ما تبقى من الراتب. وكذلك الأمر في دير الزور، تتضاعف المأساة مع صرافات قليلة ومتباعدة، ومسافات شاسعة تعني أن المواطن يدفع ثمن الوصول إلى الصراف ثم ثمن العودة، ليكتشف أن السقف لم يسمح له بأكثر من نصف راتبه، فيضطر لإعادة الكرّة غداً، في دورة استنزاف لا تنتهي.
متقاعدون سبعينيّون يفترشون الرصيف لساعات، يحملون أمراضهم وأوجاعهم، ينتظرون دورهم علّ الآلة تمنحهم قوت أسبوع، بينما تمتلئ بطون الصرافات بأموالهم المحتجزة بلا مبرر.
الجذر الذي يُتجاهل هنا، لماذا يُسقف السحب أساساً؟
جوهر الإشكالية ليس تقنياً معقداً، ولا يحتاج موازنات خيالية أو تجهيزات لوجستية ضخمة، إنه مجرد تعديل في نظام الصرافات، يكون بإلغاء سقف السحب عن كل حساب يُصنَّف كحساب راتب أو معاش، فمن غير المنطقي أن يُسقف سحب دخل عامل أو مدرّس أو متقاعد أنهكه العمر، بينما تتدفق أموال التجار والمتنفذين بلا حدود. هذه المعاملة ليست سوى استمرار لسياسة تعميق الفقر والعوز، وتكريس لفكرة أن المواطن المفقر يجب أن يبقى تحت الوصاية المالية حتى في جني ثمار تعبه.
إنهاء سقف السحب عن الرواتب والمعاشات التقاعدية ليس ترفاً إدارياً، بل استحقاق وعدالة، فكل شهر يمرّ دون هذا الإجراء، يعني المزيد من الإذلال لمن لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في زمن تحوّلت فيه الصرافات إلى مغازل للمعاناة، وتحوّل الراتب من حقّ إلى «منّة» تُقطَّر بالقطارة.
حان الوقت أن يرحل «السقف» عن قوت الفقراء، لا أن يُرفع قليلاً ويعدّل ليعود بعد أشهر خناقاً جديداً، مع زيادة عدد الصرافات العاملة وصيانتها الدورية لضمان بقائها قيد الخدمة طوال الوقت، وتوفير سيولة نقدية كافية لتجنب نفاذ الأموال سريعاً من الصراف وعدم التأخير في تغذيتها، فأزمة الصرافات في سورية ليست مجرد مشكلة تقنية أو إدارية فقط، بل تعكس عمق الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تواجه المواطن يومياً، فالمطلوب عاجلاً وسريعاً إجراءات فعلية تحترم كرامة الناس بحل هذا المشهد الذي يتكرر كل شهر أمام طوابير الانتظار وتخفيف أعباء الحياة عن الغالبية العظمى المفقرة من الشعب السوري.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
رشا عيد