الحوالات الخارجية وغياب الرقابة... خسائر مضاعفة وإفقار متسارع
تشير تقديرات البنك الدولي– في ظل غياب أي تقديرات رسمية– إلى أن حجم الحوالات الشخصية النظامية إلى سورية يبلغ ملياري دولار سنوياً، ويرتفع إلى 3 مليارات عند احتساب التحويلات التي لا تمر عبر الأقنية الرسمية.
يعكس هذا الفارق الكبير (ثلث إجمالي التحويلات)، حجم التدفقات التي تهرب من القنوات الرسمية، وتمر خارج إطار رقابة المصرف المركزي.
فوضى العمولات
رغم الحديث عن التقدم المحرَز في العودة إلى «نظام سويفت»، لا تزال المصارف العالمية ترفض التعامل مع المصارف السورية، ما يعني عمولة مزدوجة؛ واحدة يفرضها الوسطاء وأخرى تفرضها المصارف ومكاتب الحوالات.
فبالنسبة للمؤسسات والمنظمات الدولية المُلزمة بالتحويل عبر الأقنية الرسمية تتراوح العمولة بين 5 بالألف كحد أدنى، وصولاً إلى 12,5 بالألف لدى بعض البنوك الخاصة، بحسب البلد المرسل منه، وحجم الحوالة.
كما تكشف آلية احتساب العمولات عن حالة من الفوضى التنظيمية وغياب الرقابة. حيث تتجاوز العمولة 10% للحوالات الفردية في كثير من الأحيان، والأدهى أنها ليست موحدة حتى ضمن الفئة نفسها أو ضمن مكتب الصرافة نفسه؛ فمثلاً حوالة بقيمة 2000 دولار قد تُفرض عليها مرة عمولة 3% ومرة 7%... إلخ، وكأن المسألة يحكمها المزاج لا القانون.
وتخلق هذه العمولة المرتفعة بحجة «المخاطر» حلقة مفرغة؛ فارتفاع العمولات من دون ضوابط والاعتماد على الوسطاء، يؤدي إلى ترسيخ نفوذ السوق الموازي، الذي يؤدي بدوره إلى خسارة المركزي للسيولة وضعف قدرته على التدخل، وبالتالي استمرار الفجوة السعرية.
فيما تُقتطَع هذه العمولات المرتفعة وغير المنظمة من قوة العمل. ويمكن القول إن كل حوالة تخضع «لخسارة مزدوجة»؛ عمولة مرتفعة زائد خسارة في سعر الصرف، ما يُفقد الحوالة جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية، ويُفقد الأسر جزءاً من قوتها الشرائية قبل أن تُستهلك في السوق المحلية.
وبالنظر إلى حجم الحوالات (3 مليارات دولار)، فإن هذه الخسائر المجمّعة قد تصل إلى ملايين الدولارات سنوياً، التي تذهب إلى جيوب الوسطاء والمضاربين.
لماذا يهرب المواطن من السوق الرسمية؟
يشكل الفرق بين سعر الصرف الرسمي والموازي المحرك الرئيس لسلوكيات التحويل. ففي كانون الثاني 2026، كان السعر الرسمي عند 11,000 ليرة، بينما بلغ الموازي نحو 12,230 ليرة؛ أي بفجوة تجاوزت 11%.
وتطورت الفجوة بشكل كبير لاحقاً، إذ وصل سعر الدولار في السوق الموازي في منتصف حزيران إلى 14,500 ليرة، بينما بقي السعر الرسمي عند 11,250، ما خلق فجوة تجاوزت 28%.
وفي محاولة لتضييق الفجوة، خفض المركزي قيمة الليرة رسمياً في 28 حزيران إلى 121,5 ليرة جديدة، مقابل 131,5 في السوق الموازي اليوم، وتقلصت الفجوة إلى نحو 8%.
غير أن هذا الإجراء، رغم كونه خطوة إيجابية، يبقى معالجة لأعراض الأزمة وليس لجذورها. فالواقع أن المركزي هو جهة من بين عدة مراكز تأثير «تحدد» سعر الصرف؛ السوق الموازي، وشركات الصرافة والتحويل، والتجار والمستوردون، وشبكات التحويل غير الرسمية، إضافة إلى سلوك الأفراد في الادخار والتحوط.
وعندما يفشل المصرف في توحيد سعر الصرف، وإعادة هيكلة شاملة للسوق النقدي، ويكتفي بتدخلات محدودة وجزئية، إلى جانب عجزه عن تأمين سرعة وكفاءة في تسليم الحوالات، يصبح السوق الموازي بديلاً مجزياً و«شرعياً» في نظر المواطن، بغض النظر عن مخالفته للقوانين، خاصة وأن الوعود السابقة لم تتحقق، سواء باستقرار سعر الصرف، أو تحسن الوضع المعيشي، وحتى رفع العقوبات.
وهذا الفراغ في السلطة النقدية يضرب صميم السيادة المالية للدولة، ولا يقتصر أثره على المواطنين الذين تتآكل قدرتهم الشرائية يومياً، إذ إن كل ليرة أو دولار يمر عبر السوق الموازي هو خسارة مباشرة للخزينة العامة من حيث الرسوم والمعاملات، وأخرى غير مباشرة تتمثل في تآكل أدوات السياسة النقدية وفقدان القدرة على حماية المواطن من تقلبات السوق.
تغيير السياسات
تؤكد المعطيات أن السيطرة على تدفق الأموال وأسعار الصرف لا تزال بجزء كبير منها خاضعة لشبكات غير رسمية، مع تجيير فوائد هذه السيطرة لمصلحة قلة من كبار المضاربين.
وبينما تُدفع شرائح أوسع من السوريين إلى ما تحت خط الفقر، نشهد مزيداً من تركز الثروة في أيدي النخب المتحكمة في السوق الموازي.
وهذا يحيلنا إلى أن معظم– إن لم يكن جميع– التعليمات والقرارات النقدية تُطرح من دون توفير بيئة داعمة ومستقرة لتنفيذها، ومن دون رقابة لضمان تطبيقها.
وطالما بقي السوق الموازي هو المحدد الفعلي لسعر الصرف، وطالما بقيت العمولات فوضوية، واستمر غياب الثقة، ستظل الحوالات سلاحاً ذا حدين؛ فهي تمثل شريان حياة لنحو 38% من الأسر السورية، لكنها في الوقت نفسه تعمق الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، وتحول المواطن، جرّاء غياب القطاعات الإنتاجية الحقيقية (الصناعة والزراعة)، إلى رهينة في صراع لا نهاية له بين سلطة نقدية عاجزة وقوى سوق متوحشة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
فرح شرف