مشروع «صفر خيمة» مقاربة جزئية لأزمة أعمق...
تستهدف خطة «صفر خيمة» التي انطلقت رسمياً مطلع العام الجاري إنهاء ملف المخيمات، وتخصيص محافظة حلب لتكون أولى محطات الإنجاز قبل نهاية عام 2026.
وبالفعل، لوحظ انخفاض في أعداد سكان المخيمات؛ لكن هذا الانخفاض يحمل في طياته عدة إشكاليات.
فالسبب الرئيسي لم يكن إيجاد بدائل سكنية ملائمة، أو حياة كريمة خارج المخيم؛ وكان لتوقف الدعم الإنساني من المنظمات الدولية وتقليص حصص الغذاء والمواد الأساسية الدور الأكبر في العودة.
أي إن العودة تمت تحت ضغط الجوع وليس تحت ضوء حلول الإسكان. وهنا تتحول «العودة الطوعية» إلى وهم، وتحل محلها «هجرة قسرية» من خيمة إلى خرابة، وهو انتقال لا يقلّ فداحة.
فبحسب تقرير لجنة الإنقاذ الدولية، الصادر في 6 تموز، فإن 91% من العائدين إلى مناطقهم وجدوا أنفسهم في بيئات تفتقر للخدمات الأساسية، و71% منهم يعيشون في مساكن متضررة جزئياً أو كلياً، فيما حصل أقل من خُمس العائدين على مساعدات كافية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، و44% وجدوا الأوضاع أسوأ مما توقعوا.
وعند توسيع دائرة النظر، نكتشف أن الخيمة ليست سوى غيض من فيض. حيث لا يتجاوز عدد سكان من بقي في المخيمات 700 ألف نسمة. في المقابل، تشير أحدث إحصائيات الأمم المتحدة، في 11 حزيران 2026، إلى أن قرابة 76% من النازحين داخلياً (أي نحو 4,21 مليون شخص) لا يسكنون الخيم أصلاً، وموزعين بين شقق مستأجرة، وبيوت عشوائية متكدسة في أطراف المدن.
وهؤلاء ليس لديهم أي قيد في سجلات المخيمات، ولا يحصلون على حصص غذائية، وهم في الغالب يعتمدون على العمل اليومي الهش لتغطية إيجاراتهم الباهظة واحتياجاتهم الأساسية.
وهذا يعني أن التركيز على «صفر خيمة» فقط، وكأنه الحل السحري، هو تضليل واختزال كارثي للأزمة. فإذا كانت الخيمة هي الرمز المرئي للمأساة، فإن الجرح الحقيقي يتمثل في البنى التحتية المدمرة، وشبكات الكهرباء المنقطعة، ومدارس تحولت إلى ركام، ومستشفيات خرجت عن الخدمة.
كما يمتد الجرح إلى خارج الحدود، فبوجود أكثر من 3,64 ملايين لاجئ في دول الجوار، يبقى الحديث عن «التصفير» حلماً بعيد المنال من دون خطة متكاملة؛ وهذا الرقم لا يشمل اللاجئين في دول أوروبا.
وقد عادت حركة العودة لتشهد تباطؤاً ملحوظاً، رغم عودة نحو 1,5 مليون لاجئ من دول اللجوء منذ كانون الأول 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، بحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
ففي الأردن، على سبيل المثال، بلغ إجمالي العائدين نحو 190 ألفاً فقط، مقابل بقاء ما يقارب 388 ألفاً. ومع أن دول اللجوء تضع خططاً لتسريع وتيرة العودة وتقديم حوافز مالية، فإن هذه الخطط، ما لم تقترن بحوافز حقيقية داخل سورية، ستحول ملف العودة إلى أزمة إنسانية جديدة، لا إلى حل.
والمطلوب وقف استعراض تقارير إعلامية عن انخفاض أعداد الخيم، وتقديم خريطة واضحة المعالم تضمن عودة كريمة لكل النازحين واللاجئين.
بدءاً بإعادة تأهيل البنى التحتية بشكل جذري، وترميم المباني السكنية، وتقديم حوافز ملموسة تشجع على العودة بدلاً من الاعتماد على أداة «خفض المساعدات» كوسيلة ضغط. وانتهاءً بإحياء سوق العمل عبر استعادة النشاط الزراعي والصناعي، لأن العائد الذي لا يجد عمل مصيره سيكون أكثر سوءاً.
وإلا ستبقى خطة «صفر خيمة» شكلية لا تغني عن الجوهر؛ فهي مجرد عنوان براق، يخفي تحت لافتة الحل كارثة جديدة اسمها «صفر حياة كريمة»!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
سارة جمال