تحرير أسعار المشتقات... أم تعميم الفقر؟
في 16 تموز 2026، أصدرت الحكومة نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية، رفعت بموجبها سعر ليتر البنزين أوكتان (90) من 12,500 إلى 14,000 ليرة سورية قديمة بنسبة 12%، وسعر المازوت من 10,700 إلى 12,000 ليرة بنسبة 12,15%، كما ارتفع سعر البنزين أوكتان (95) من 13,000 إلى 14,500 ليرة بنسبة 11,54%، مع الإبقاء على أسعار أسطوانات الغاز دون تغيير.
هذه الزيادة ليست حدثاً منفصلاً، وإنما تأتي ضمن نهج اقتصادي تبنته الحكومة يقوم على تحرير أسعار المشتقات النفطية بالتوازي مع إنهاء الدعم عنها، وربط الأسعار المحلية بتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الاستيراد وسعر الصرف، بما يعني عملياً أن نشرات الأسعار ستستمر بالصدور كلما ارتفعت كلفة الطاقة.
قد يكون لهذا النهج مبررات مالية تتعلق بتخفيف الأعباء عن الخزينة العامة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: على حساب من يجري هذا الإصلاح؟
الجواب واضح في الواقع المعيشي؛ على حساب المستهلك أولاً وأخيراً.
فمع كل زيادة في أسعار المحروقات، لا يقتصر الأمر على ارتفاع سعر ليتر البنزين أو المازوت، بل تبدأ سلسلة متلاحقة من الارتفاعات تشمل أجور النقل، والمواد الغذائية، والخضار، والمنتجات الصناعية، والخدمات، لأن المحروقات تدخل في تكلفة كل سلعة تقريباً. وتتحول الزيادة خلال أيام إلى موجة تضخم جديدة تلتهم ما تبقّى من القوة الشرائية للأسر.
لكن المفارقة الصارخة أن السوق لا يعمل بالمنطق نفسه عندما تنخفض أسعار النفط أو المشتقات النفطية. فعند الارتفاع، تنتقل الزيادة إلى الأسواق بسرعة قياسية، أما عند الانخفاض، فإن الأسعار تبقى في مكانها، وكأن الانخفاض لم يحدث. وهكذا تصبح آلية التسعير ذات اتجاه واحد؛ تنقل الزيادات فوراً إلى المستهلك، بينما تحجب عنه أي مكاسب قد تنتج عن انخفاض التكاليف.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالحكومة حررت الأسعار، لكنها لم تحرر الأسواق من الاحتكار، ولم تضمن انتقال انخفاض التكاليف إلى المستهلك، ولم توفر شبكة أمان اجتماعي تعوض الأسر عن تراجع قدرتها الشرائية. وبذلك أصبح المستهلك يدفع ثمن كل ارتفاع، دون أن يجني أي منفعة عند الانخفاض.
لقد تحولت سياسة تحرير الأسعار، في صورتها الحالية، إلى نهج لنقل الأعباء الاقتصادية والمالية من الدولة، ومن جزء من الفعاليات الاقتصادية، إلى المستهلك وحده. فالدولة خففت عبء الدعم عن موازنتها، والعديد من المنتجين والتجار نقلوا ارتفاع تكاليفهم مباشرة إلى الأسعار النهائية، بينما بقي المواطن الحلقة الوحيدة التي لا تستطيع نقل العبء إلى طرف آخر.
إن المستهلك السوري لم يعد يدفع فاتورة واحدة، بل ثلاث فواتير متراكمة: فاتورة ارتفاع أسعار المحروقات، وفاتورة إنهاء الدعم، وفاتورة انتقال هذه الزيادات إلى أسعار جميع السلع والخدمات. وفي المقابل، لا توجد زيادة حقيقية في الدخل، ولا تعويضات نقدية، ولا برامج حماية اجتماعية واسعة، ولا رقابة فعالة تفرض على الأسواق خفض الأسعار عندما تنخفض تكاليف الإنتاج والنقل.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن تقديرات الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية تشير إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فإن أي زيادة جديدة في أسعار المحروقات لا يمكن النظر إليها بوصفها تعديلاً فنياً في نشرة أسعار، بل هي سياسة سيكون من نتائجها تعميق الفقر واتساع رقعته. فحين تُحمل الأسر ذات الدخل المحدود أعباء إضافية في ظل غياب أي مظلة حماية اجتماعية، فإن المحصلة المنطقية هي مزيد من الإفقار، ومزيد من تآكل الطبقة المتوسطة، ومزيد من انكماش القدرة الشرائية.
إن الإصلاح الاقتصادي لا يعني تخفيف العجز المالي أو إنهاء الدعم فقط، بل يعني أيضاً توزيع كلفة الإصلاح بصورة عادلة بين الدولة والقطاع الخاص والمستهلك. أما أن تتحول سياسات تحرير الأسعار إلى أداة لتحميل المستهلك وحده كامل كلفة التصحيح المالي، بينما تبقى الأسواق حرة في رفع الأسعار عند الزيادة وغير ملزمة بخفضها عند الانخفاض، فإن ذلك لا يحقق عدالة اقتصادية، بل يكرس اختلالاً متزايداً في توزيع الأعباء.
إن نجاح أي سياسة لتحرير أسعار الطاقة لا يقاس بعدد نشرات التسعير التي تصدر، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. أما عندما يغيب هذا التوازن، وتغيب معه شبكات الحماية الاجتماعية والرقابة الفاعلة على الأسواق، فإن تحرير الأسعار يتحول من أداة للإصلاح إلى أداة لنقل الأزمات المالية إلى جيوب المواطنين.
والنتيجة التي يلمسها السوريون اليوم واضحة: كل زيادة في أسعار المحروقات تعني انخفاضاً جديداً في مستوى المعيشة، وكل نشرة أسعار جديدة تعني أن المستهلك هو من يدفع الفاتورة كاملة، بينما يبقى الإصلاح الاقتصادي شعاراً لا ينعكس على حياته إلا في صورة أعباء إضافية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287