شركات مساهمة... أم خصخصة مقنعة؟

شركات مساهمة... أم خصخصة مقنعة؟

لم يكن تصريح وزير المالية محمد يسر برنية، خلال الندوة التي نظمتها غرفة تجارة دمشق في 8 تموز 2026 تحت عنوان «كيفية تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة أو خاصة وإدراجها في سوق دمشق للأوراق المالية»، مجرد إعلان عن تعديل إداري في بنية المؤسسات العامة، بل كشف عن توجه اقتصادي يرسم ملامح المرحلة المقبلة. فقد أعلن الوزير أن الحكومة تتجه إلى تحويل جميع الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي إلى شركات مساهمة عامة، مؤكداً أن هذه الخطوة «لا تعني الخصخصة على الإطلاق».

غير أن التجارب الاقتصادية علمتنا أن الخصخصة لا تبدأ ببيع المؤسسات العامة، وإنما تبدأ بإعادة تعريفها قانونياً. فالمؤسسة العامة، حين تتحول إلى شركة مساهمة، لا تكون قد خرجت من ملكية الدولة بعد، لكنها تصبح قابلة للتقييم، والتداول، وطرح الأسهم، وإدخال المستثمرين، وبيع الحصص، وهي إجراءات لم تكن ممكنة بصيغتها السابقة. لذلك فإن التحول إلى شركة مساهمة ليس الخصخصة ذاتها، لكنه البوابة القانونية التي تجعل الخصخصة خياراً جاهزاً في أي وقت.

لهذا، فإن التأكيد الرسمي بأن «التحول لا يعني الخصخصة» لا يكفي لإغلاق باب التساؤلات. فالقضية ليست فيما يقال اليوم، وإنما فيما يتيحه هذا التحول غداً. والتاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة بدأت بإعادة الهيكلة، ثم تحولت إلى خصخصة جزئية، وانتهت في كثير من الحالات بخروج الدولة من قطاعات كانت تعد جزءاً من أمنها الاقتصادي.

والأهم أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لنهج بدأ في السنوات الأخيرة من عهد السلطة الساقطة، حين رفعت شعارات إصلاح القطاع العام، وإعادة الهيكلة، وتطوير الإدارة، وتعزيز دور القطاع الخاص. واليوم تتغير الوجوه، لكن الأدوات الاقتصادية تبدو متشابهة إلى حد بعيد، وكأن المشروع نفسه يستأنف مسيرته تحت إدارة جديدة.

ومن اللافت أيضاً أن هذا التوجه ينسجم بصورة كبيرة مع الأدبيات الاقتصادية التي دأب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الترويج لها منذ عقود، تحت عناوين براقة مثل «الإصلاح الهيكلي»، و«الحوكمة»، و«رفع الكفاءة»، و«تحرير الأسواق»، و«تعزيز دور القطاع الخاص». وهي عناوين تبدو، في ظاهرها، إدارية وتقنية، لكنها كانت في كثير من التجارب مدخلاً لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وتقليص دور القطاع العام، وفتح المجال أمام انتقال الأصول العامة إلى الملكية الخاصة بدرجات متفاوتة.

ولا يغير من هذه الحقيقة ما إذا كانت الحكومة تطبق هذه السياسات استجابة لشروط مباشرة من المؤسسات المالية الدولية أو أنها تتبناها طوعاً. فالنتيجة واحدة عندما تكون الأدوات واحدة، والفلسفة الاقتصادية واحدة، والغاية المعلنة هي نفسها: تحويل الدولة من منتج ومالك إلى منظم ومراقب، وإفساح المجال بصورة متزايدة أمام رأس المال الخاص.

والمفارقة أن هذه الوصفات، التي قدمت دائماً باعتبارها الطريق إلى النمو والازدهار، لم تحقق الوعود التي صاحبتها في كثير من الدول. فقد شهدت دول عديدة طبقت برامج التكيف الهيكلي موجات من بيع الأصول العامة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع قدرة الدولة على حماية الفئات الأشد ضعفاً، وكانت الكلفة الاجتماعية مرتفعة فيها، وما زال تقييم هذه التجارب محل خلاف بين الاقتصاديين.

أما في سورية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل هذا هو الوقت المناسب للمضي في سياسات من هذا النوع؟

فالبلاد تعاني اقتصاداً منهكاً، وإنتاجاً متراجعاً، واستثمارات محدودة، وكتلة واسعة من المواطنين تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية. وفي ظل هذا الواقع، يبدو التعويل على الخصخصة أو على استنساخ نماذج الإصلاح التي صيغت في بيئات اقتصادية مختلفة رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فالمشكلة السورية ليست أن الدولة تمتلك مؤسسات كثيرة، بل أن هذه المؤسسات تعرضت منذ عقود لسوء الإدارة، والفساد، وضعف الاستثمار، وتآكل البنية الإنتاجية.

إن تحويل المؤسسة العامة إلى شركة مساهمة لن يعالج هذه الاختلالات تلقائياً، تماماً كما أن تغيير الاسم لا يغير جوهر المشكلة. فالإدارة الكفؤة، والمحاسبة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، والسياسات الصناعية الواضحة، هي التي تصنع المؤسسات الناجحة، وليس الشكل القانوني وحده.

ثم إن هناك سؤالاً لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة تؤكد أنها لا تنوي الخصخصة، فلماذا يجري اختيار الصيغة القانونية التي تجعل الخصخصة أسهل إذا تغير القرار مستقبلاً؟ ولماذا لا يُطرح مشروع متكامل لإصلاح القطاع العام مع ضمانات قانونية صريحة تمنع التصرف بالأصول الاستراتيجية أو بيعها إلا باستفتاء شعبي أو بقانون خاص يصدر بعد نقاش عام؟

إن حماية الملكية العامة لا تعني الدفاع عن الفساد أو البيروقراطية، كما أن رفض الخصخصة لا يعني رفض الإصلاح. بل على العكس، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح الإدارة، وإطلاق الإنتاج، وربط الأجر بالإنتاجية، واسترداد الأموال المنهوبة، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين كفاءة الإنفاق، وإخضاع الجميع للمساءلة. أما الاكتفاء بتحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة، فهو يغير الشكل القانوني أكثر مما يعالج جذور الأزمة.

إن مستقبل الاقتصاد السوري لا ينبغي أن يرتهن لوصفات جاهزة أثارت جدلاً واسعاً في العالم، ولا لنظريات تعتبر السوق وحدها قادرة على حل جميع المشكلات. فالاقتصاد ليس مجرد ميزانيات وأرباح وخسائر، بل هو أيضاً أمن وطني، وعدالة اجتماعية، وسيادة على الموارد، وحق المواطنين في أن تبقى الأصول التي بناها المجتمع عبر عقود ملكاً عاماً لا سلعة قابلة للتداول كلما ضاقت الخيارات المالية.

ولذلك، فإن تحويل الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي إلى شركات مساهمة يجب ألا يُنظر إليه باعتباره إجراءً تقنياً محدوداً، بل باعتباره خياراً استراتيجياً ستكون له آثار بعيدة المدى على طبيعة الدولة ودورها الاقتصادي. ومن حق السوريين أن يعرفوا إلى أين يقودهم هذا الطريق قبل أن يصبح الرجوع عنه أكثر صعوبة.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286