«تسوية الالتزام...» رصاصة الرحمة على ما تبقى من تمريض
في خطوة وصفت «بالتنظيمية»، أعادت وزارة الصحة العمل بقرار دفع البدل المالي (بدل الالتزام) لخريجي مدارس التمريض والقبالة التابعة لها، دون تعديل على الرسوم المعتمدة البالغة 360,000 ل.س قديمة عن كل سنة التزام.
شمل التعميم الخريجين القدامى والجدد بكل حالاتهم الوظيفية، وحتى المباشرين في الخدمة الفعلية.
ولئن كان القرار «إيجابياً» في ظاهره، وحلاً جزئياً لمشكلة الشهادات المعلقة لآلاف الخريجين، فإنه يطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل القطاع الصحي في سورية، وحول ما إذا كانت الوزارة تمتلك فعلاً رفاهية التخلي عن كوادرها في وقت تعاني فيه فجوة حادة في التغطية التمريضية.
حل لمشكلة أم فتح لباب الهجرة؟
لا يمكن إنكار أهمية القرار والذي أتاح للخريجين «وأخيراً» إمكانية الحصول على شهاداتهم ومزاولة المهنة، بعد سنوات من التجميد القسري، لكن المحصلة الأبرز للقرار هي أنه يفسح المجال أمام الخريجين للتوجه نحو القطاع الخاص، حيث الأجور الأفضل نسبياً وظروف العمل الأقل قسوة، وهنا يكمن التناقض الصارخ؛ القرار الذي يفترض أن يحل أزمة، يتحول عملياً إلى آلية لرفد المشافي الخاصة بكادر تمريضي مدرّب ومؤهل على حساب زيادة النزف في القطاع العام.
فهل لدى وزارة الصحة وفرة في الكادر التمريضي حتى تستغني عن فكرة الالتزام؟!
وهل تخطط لتعويض هذا النقص، أم أنها تكتفي بتصريحات عن «التطوير» «والتعافي» التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع؟
فجوة صارخة
كشف تصريح مدير مديرية المهن الصحية في وزارة الصحة «دريد رحمون» لصحيفة «الثورة» مطلع تموز، عن واقع مروّع بوجود فجوة في أعداد العاملين، موضحاً أن الوزارة تضم حالياً نحو 12,390 ممرضاً، في حين تتطلب وفق معايير الكفاية نحو 18,700 ممرض، هذا يعني وجود عجز يقدّر بنحو 6,210 ممرض، أي ما نسبته 40% من الاحتياج الفعلي.
وهذا الرقم لا يعكس سوى جزء من الكارثة، فقد أشارت تقارير سابقة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن القطاع الصحي السوري شهد نزيفاً حاداً بلغ 70% من الأطباء والممرضين، مما أدى إلى تراجع نسبة التغطية ومستوى جودة الرعاية.
فكيف تسمح وزارة تعاني هذا النقص المزمن بتسهيل نزف الكفاءات؟ وكيف تبرر قراراً يزيد الطين بلة، في وقت يشكو فيه المواطنون من تدني مستوى الخدمات وغياب الكادر التمريضي الكافي في المشافي الحكومية؟!
اعتراف رسمي
يؤكد «رحمون» أن «العائد المادي الحالي للممرضين لا يواكب الاحتياجات المعيشية وإن تدني الرواتب يشكل أحد أبرز أسباب هجرة الكوادر، ولا سيما أصحاب الخبرات، إلى فرص عمل أخرى داخل البلاد أو خارجها».
ورغم إقرار «زيادة نوعية» على رواتب القطاع الصحي، إلا أنها لم تصل الجيوب المفقرة، لتظل الأجور محدودة، والضغوط هائلة في مشافٍ منهكة بفعل سياسات التهميش والتطفيش التي اتبعتها السلطة الساقطة سابقاً، والتي تبدو السلطة الحالية قد عقدت عزمها على تكريسها، بمزيد من القرارات التي تشجع على النزيف بدلاً من وقفه، فما الذي يشجّع ممرضاً على البقاء في مستشفى حكومي ينهار، بينما يمكنه دفع البدل والعمل في القطاع الخاص أو السفر بحثاً عن حياة كريمة؟!
بدل الالتزام... أم بدل التخلي عن المسؤولية؟
القرار في جوهره، ليس مجرد إجراء إداري لتحصيل مبلغ مالي (مهما كان زهيداً أو كبيراً بالنسبة للخريج).
إنها رسالة سياسية واقتصادية واضحة: وزارة الصحة، إما أنها لا تدرك حجم الكارثة التي يعيشها قطاعها، أو أنها تتعمد التخلي عن مسؤوليتها في بناء منظومة صحية وطنية قوية، لتكتفي بدور المراقب على نزيف الكوادر، فهل هذا هو «التعافي» الذي وعدت به الخطط والتصريحات أم أنه مجرد ترقيع آخر يخفي رؤية قاصرة، ويضرب بعرض الحائط مستقبل الصحة في سورية، ويترك المواطن وحيداً في مواجهة منظومة صحية تنهار بفعل قرارات تبدو، في أفضل أحوالها، غير مدركة لعواقبها؟!
لقد حان الوقت لمعالجة جذرية، قبل أن يصبح «بدل الالتزام» هو الثمن الذي تدفعه الدولة مقابل خروج آخر الكوادر من مشافيها. فالمواطن، الذي يدفع اليوم ثمناً باهظاً لتراجع الخدمات الصحية، ليس بحاجة إلى وعود بتعويضات «ستأتي» أو قوانين «ستُقرّ»، بل قرارات جريئة مجزية تحفز الممرض على البقاء، وخطط توظيف طموحة تسد الفجوة، واستراتيجية وطنية تعيد الاعتبار لمهنة التمريض كركيزة أساسية في أي نهضة صحية حقيقية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
منية سليمان