الموارد الذاتية أم جيوب المواطنين؟ كيف مُوِّلت زيادات الأجور من تقليص الدعم على الكهرباء والخبز

الموارد الذاتية أم جيوب المواطنين؟ كيف مُوِّلت زيادات الأجور من تقليص الدعم على الكهرباء والخبز

في 21 حزيران 2026، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الحكومة رفعت كتلة الأجور والرواتب الشهرية من 11,3 مليار ليرة إلى 46 مليار ليرة، كما ارتفعت كلفة معاشات المتقاعدين من 2,9 مليار ليرة إلى أكثر من 13,5 مليار ليرة، مؤكداً أن هذه الزيادات «تم تمويلها بالكامل من الموارد الذاتية للدولة، دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو الاستدانة».

وبالأرقام، بلغت الزيادة الشهرية: 34,7 مليار ليرة زيادة في كتلة الأجور، و10,6 مليارات ليرة زيادة في معاشات التقاعد، أي أن إجمالي ما أضيف إلى الإنفاق الشهري لا يتجاوز 45,3 مليار ليرة.
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن تحسين الأجور ضرورة ملحة بعد سنوات طويلة من تآكل الدخل الحقيقي. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: من أين جاءت هذه «الموارد الذاتية»؟
هل جاءت من نمو الإنتاج؟ من توسيع القاعدة الاقتصادية؟ من زيادة الصادرات والاستثمارات؟
أم أنها جاءت ببساطة من تقليص الدعم الذي كانت تتحمله الدولة، وتحويل كلفته تدريجياً إلى المواطنين؟


الكهرباء... عندما يتحول الدعم إلى إيراد


مع نهاية العام الماضي شهدت تعرفة الكهرباء ارتفاعات غير مسبوقة، في إطار سياسة معلنة لإعادة هيكلة الدعم.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن إجمالي المشتركين في شبكة الكهرباء السورية يبلغ نحو 6 ملايين مشترك، منهم: 4,8 ملايين مشترك يملكون عدادات كهربائية، و1,2 مليون مشترك بلا عدادات، أي ما يعادل 20% من إجمالي المشتركين.
ولتبسيط الحساب فقط، سنفترض أن جميع المشتركين الذين يملكون عدادات يخضعون للتعرفة المنزلية، رغم أن جزءاً منهم تجاري وصناعي، وتعرفته أعلى، ما يجعل هذا الافتراض «مرشداً» ويؤدي إلى تقدير أقل من الواقع.
كما سنفترض متوسط استهلاك شهري يبلغ 200 كيلوواط ساعي لكل عداد فقط.
وفق هذا الافتراض: التعرفة القديمة 10 ليرات لكل كيلوواط ساعي، والتعرفة الجديدة 600 ليرة لكل كيلوواط ساعي.
فتصبح الفاتورة قبل الرفع 2,000 ليرة شهرياً، وبعد الرفع 120 ألف ليرة شهرياً، أي بزيادة تبلغ 118 ألف ليرة شهرياً لكل عداد.
وعند تطبيق هذا الفارق على 4,8 ملايين عداد، يصبح الأثر المالي النظري: 566,4 مليار ليرة شهرياً، أي نحو 6,8 تريليون ليرة سنوياً.
وهذا الرقم يزيد على قيمة الزيادة في الرواتب والتقاعد بأكثر من 12 مرة.
وحتى لو افترضنا أن جزءاً كبيراً من هذا الرقم يذهب لتغطية تكاليف الإنتاج والفاقد، فإن حجم الوفر يبقى كافياً لتغطية الزيادة المعلنة في الأجور بسهولة.


الخبز... تمويل على حساب لقمة الناس


لم يتوقف تقليص الدعم عند الكهرباء. فالخبز، الذي يمثل الحد الأدنى من الأمن الغذائي للمواطن، شهد هو الآخر تخفيضاً متدرجاً في الدعم منذ نهاية عام 2024، ليس عبر رفع سعر الربطة، وإنما عبر تقليص وزنها مع الإبقاء على السعر نفسه.
فقد انخفض وزن الربطة من 1500 غرام إلى 1000 غرام، بينما بقي السعر 4000 ليرة. أي أن المواطن أصبح يدفع المبلغ نفسه مقابل كمية تقل بنحو الثلث.
وبحسب الإنتاج الرسمي البالغ نحو 4,4 ملايين ربطة يومياً، فإن التخفيض التراكمي من 1500 إلى 1000 غرام يعني توفير ما يزيد على 800 ألف طن من الخبز سنوياً، أي ما يعادل أكثر من 682 ألف طن من القمح. ووفق السعر الرسمي للقمح، فإن قيمة هذا الوفر تبلغ نحو 31,4 مليار ليرة سنوياً.
قد يبدو هذا الرقم أقل من وفر الكهرباء، لكنه يحمل دلالة مختلفة وأكثر خطورة.
فالحديث هنا لا يدور عن خدمة يمكن للمواطن أن يخفف استهلاكها، بل عن الرغيف نفسه، وعن السلعة الأساسية التي تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي لملايين الأسر.


موارد ذاتية... ولكن من جيوب المواطنين


عندما ترتفع فواتير الكهرباء عشرات الأضعاف، وعندما تنخفض كمية الخبز المدعوم مع بقاء السعر ثابتاً، فإن النتيجة المالية واضحة: الدولة تخفف عبء الدعم عن موازنتها، بينما ينتقل هذا العبء إلى المواطن.
ومن الناحية المحاسبية يمكن بالفعل وصف ذلك بأنه تحسن في الإيرادات أو انخفاض في الإنفاق.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه هذا الوصف هو: من الذي موَّل هذا التحسن؟
الجواب واضح: ليس النمو الاقتصادي، وليس زيادة الإنتاج، وليس الاستثمار، بل المواطن نفسه.
فالموظف الذي قيل له إن راتبه ارتفع، هو ذاته الذي أصبح يدفع فاتورة كهرباء أعلى، ويحصل على كمية خبز أقل، ويتحمل كلفة أكبر لتأمين احتياجاته الأساسية.


هل تحسن دخل المواطن فعلاً؟


إذا كانت زيادة الأجور قد مُوِّلت عبر تقليص الدعم عن الكهرباء والخبز وسلع وخدمات أخرى، فإن جزءاً مهماً من هذه الزيادة يعود مباشرة إلى الخزينة عبر ارتفاع ما يدفعه المواطن.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم زاد الراتب؟
بل: كم بقي من هذه الزيادة بعد أن دفعت الأسرة فاتورة الكهرباء، وثمن الخبز، وارتفاع بقية تكاليف المعيشة؟
فزيادة الدخل الاسمية لا تعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة إذا كانت تقابلها زيادة أكبر في النفقات الأساسية.


على حساب أساسيات الحياة


لا خلاف على ضرورة تحسين أجور العاملين والمتقاعدين، لكن تمويل هذه الزيادات عبر تقليص الدعم عن الكهرباء والخبز وغيره يعني عملياً نقل العبء المالي من الموازنة إلى الأسر السورية.
لذلك، فإن عبارة «تمويل الزيادات من الموارد الذاتية» تبدو صحيحة من الناحية المحاسبية، لكنها لا تكتمل من الناحية الاقتصادية والاجتماعية إذا لم يُذكر أن هذه الموارد تحققت عبر تحميل المواطنين أعباء إضافية في أكثر الملفات حساسية: الكهرباء التي لا تستغني عنها أي أسرة، والخبز الذي يمثل أساس الأمن الغذائي للملايين.
وعندما يكون تمويل تحسين الرواتب قائماً على تقليص الدعم عن أساسيات الحياة، فإن المواطن لا يحصل على زيادة صافية في دخله بقدر ما يجد نفسه يعيد دفعها على شكل فواتير ورسوم وأسعار أعلى. وعندها، تصبح «الموارد الذاتية» في جوهرها موارد مولِّدُها الأساسي جيبُ المواطن، لا تَوسُّعُ الاقتصاد ولا زيادةُ إنتاجيَّته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284