سعر الصرف والأسعار.. تحسن الأرقام وتدهور الواقع

سعر الصرف والأسعار.. تحسن الأرقام وتدهور الواقع

شهدت سوق الصرف خلال الفترة الأخيرة تحركات متعاكسة. فقد رفع مصرف سورية المركزي سعر الدولار الرسمي من نحو 11,300 ليرة سورية قديمة إلى نحو 11,900 ليرة، أي بزيادة تقارب 600 ليرة (ما يقارب 5,3%). وفي الوقت نفسه، انخفض سعر الدولار في السوق الموازية بشكل واضح، إذ تراجع من مستويات كانت تتجاوز 14,300 ليرة إلى أقل بنحو 1,000 ليرة خلال أسبوع واحد، أي ما يقارب 7%.

نظرياً، هذا يفترض أن ينعكس مباشرة على حياة الناس، فانخفاض الدولار الموازي يعني انخفاض تكاليف الاستيراد، وبالتالي انخفاض الأسعار. لكن ما يحدث على الأرض مختلف تماماً.
فالأسعار في السوق ترتفع بسرعة عندما يرتفع الدولار أو تزيد أسعار الوقود، لكنها لا تنخفض بنفس السرعة عندما يحدث العكس. بمعنى أبسط؛ الأسعار تعرف طريق الصعود جيداً، لكنها لا «تتذكر» طريق النزول.
هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل تعكس خللاً واضحاً في طريقة عمل السوق، حيث يتم تمرير الارتفاعات إلى المواطن فوراً، بينما يتم تجاهل أو تأخير الانخفاضات، أو امتصاصها داخل حلقات التسعير والربح.
ويظهر هذا بشكل أوضح في المشتقات النفطية، التي تُسعر وفق الكلفة الفعلية وبسعر صرف أعلى من الرسمي. ومن المفترض أن أي انخفاض في سعر الدولار أو أسعار النفط العالمية يخفف تكلفة النقل والإنتاج، وبالتالي يخفف الأسعار، خاصة أن بقية عناصر التكلفة (مثل الأجور والرسوم وهوامش التشغيل) تبقى شبه ثابتة نسبياً، ومع ذلك لا أحد يراجع الأسعار نزولاً كما يحدث عند ارتفاعها.
وحتى عندما تنخفض أسعار النفط عالمياً، لا يصل هذا الانخفاض إلى المواطن بشكل حقيقي، لأن السوق لا تنقل «الإيجابي» بسرعة نقل «السلبي» نفسها.
المشكلة ليست في سعر الصرف وحده، بل في طريقة التعامل معه، فعندما يرتفع الدولار، تتحرك الأسعار فوراً، وعندما ينخفض، تتغير ذرائعية الخطاب، مثل: «تكاليف أخرى لم تنخفض»، «السعر السابق مستقر»، أو «الانخفاض مؤقت». والنتيجة واحدة، أن المواطن لا يستفيد.
أما على مستوى الدور المفترض للدولة هنا فهو واضح وبسيط، لكنه غير مطبق بالشكل المطلوب، والذي يمكن أن يتمثل بالآتي:
منع التسعير الانتقائي الذي يمرر الارتفاعات فقط.
فرض شفافية حقيقية على بنية التكلفة.
التأكد أن انخفاض التكاليف ينعكس على الأسعار.
كسر حالة الجمود في الأسعار التي لا تنخفض إلا نظرياً.
بالمقابل فإن ما يحدث فعلياً هو أن السوق تتحرك بحرية عند الارتفاع، وتتجمد عند الانخفاض. وهذا ما يجعل أي تحسن في سعر الصرف أو أسعار النفط تحسناً «على الورق» فقط، ولا يظهر في حياة الناس.
المشكلة لم تعد في الأرقام نفسها، بل في النتيجة، فالأسعار لا تنخفض، والدخل لا يكفي، والمعيشة تزداد صعوبة، رغم أن بعض المؤشرات تقول إن الوضع «تحسن».
والسؤال الملح الذي يبقى بلا إجابة واضحة:
إذا كانت الأسعار ترتفع فوراً مع أي زيادة في التكلفة، فلماذا لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تنخفض تلك التكاليف؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284