سرقة الكابلات والبارات النحاسية... نشاط أقل لكن بخسائر كبيرة
رغم تراجع حجم سرقات الكابلات الكهربائية والبارات النحاسية من مراكز التحويل مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن الحوادث التي سجلت خلال العام الحالي تؤكد أن الشبكات التي تنشط في هذا المجال لم تتوقف بالكامل، بل عادت إلى العمل بوتيرة أقل نسبياً، مستفيدة من استمرار الطلب على النحاس والمعادن في أسواق الخردة ومن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في هذه الأعمال غير القانونية.
فخلال الأشهر الماضية شهدت عدة محافظات حوادث متفرقة استهدفت شبكات الكهرباء ومراكز التحويل، كان أبرزها سرقة كابلات على طريق السويداء، ما أدى إلى أضرار جسيمة وسقوط عدد من الأعمدة الكهربائية، إضافة إلى حوادث أخرى طالت خطوطاً ومعدات كهربائية في محافظات الجنوب وريف دمشق ودير الزور. وتشير هذه الوقائع إلى أن الظاهرة لا تزال قائمة رغم المساعي الأمنية والفنية المعلنة للحد منها.
وفي تعليق رسمي على إحدى هذه الحوادث، أكد وزير الطاقة المهندس محمد البشير في 13 أيار 2025 أن سرقة الكابلات الكهربائية على طريق السويداء تسببت بأضرار كبيرة في الشبكة، مشدداً على أن «الأفعال التي تستهدف قطاع الكهرباء لن تمر دون محاسبة»، وأن الجهات المختصة ستلاحق المتورطين وتتعامل بحزم مع كل من يعبث بمقدرات الدولة ومصالح المواطنين. وقد جاء التصريح عقب حادثة أدت إلى تخريب جزء من الشبكة الكهربائية واستدعت تدخلاً عاجلاً من فرق الصيانة لإعادة الخدمة.
ولا تكمن خطورة هذه السرقات في قيمة المواد المسروقة فقط، بل في الأثر الذي تتركه على الخدمة الكهربائية. فالكابل أو البار النحاسي الذي يباع لاحقاً كخردة بمبلغ محدود قد يؤدي نزعه إلى خروج مركز تحويل كامل من الخدمة أو انقطاع الكهرباء عن حي سكني أو منطقة واسعة لأيام طويلة، ريثما تتمكن الورشات من تأمين البدائل وإجراء الإصلاحات اللازمة.
من المنفذ... ومن المستفيد؟
رغم أن واجهة هذه العمليات غالباً ما تكون أفراداً يقومون بقطع الكابلات أو تفكيك التجهيزات الكهربائية، فإن المستفيد الحقيقي غالباً ما يكون أبعد من منفذ السرقة المباشر. فالنحاس المستخرج من الشبكات الكهربائية لا يختفي من تلقاء نفسه، بل يجد طريقه إلى أسواق الخردة وإلى حلقات شراء وتجميع وإعادة بيع تحقق أرباحاً أكبر بكثير من تلك التي يحصل عليها المنفذون.
ولهذا فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على توقيف الأشخاص الذين يضبطون أثناء السرقة، بل يجب أن تمتد إلى تشديد الرقابة على تجارة الخردة والمعادن ومحاسبة الجهات التي تشتري النحاس دون التحقق من مصدره. فوجود سوق قادرة على استيعاب الكميات المسروقة يبقى أحد أهم العوامل التي تسمح باستمرار هذه الجرائم.
الفقر والبطالة كعامل ضغط
في المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب الاقتصادي للظاهرة. فسنوات الحرب والتدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر خلقت بيئة تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن أي مصدر دخل، حتى لو كان مخالفاً للقانون ومحفوفاً بالمخاطر.
ولا يشكل ذلك تبريراً لهذه الأفعال، لكنه يساعد على فهم الأسباب التي تجعل بعض الأفراد يقبلون على سرقة الكابلات أو العمل ضمن شبكات تجمع النحاس وتبيعه، رغم معرفتهم بالعقوبات القانونية والمخاطر التي قد تواجههم.
مخاطر قد تنتهي بالموت
ولعل أخطر ما في هذه السرقات أنها لا تهدد استقرار الشبكة الكهربائية فحسب، بل تهدد حياة منفذيها أيضاً. فالتعامل مع مراكز التحويل أو خطوط التوتر المتوسط والعالي يتطلب خبرات وتجهيزات خاصة، وأي خطأ بسيط قد يؤدي إلى صعق كهربائي قاتل.
وقد شهدت السنوات الأخيرة أكثر من حادثة انتهت بوفاة أشخاص أثناء محاولتهم استخراج النحاس من الكابلات أو تفكيك تجهيزات كهربائية. كما تداولت وسائل إعلام محلية خلال الفترة الماضية حادثة وفاة شخص أثناء محاولته سرقة كابلات من منشأة كهربائية، بعدما تعرض لصعق كهربائي مباشر أدى إلى وفاته في الموقع، في تذكير جديد بأن الاقتراب من الشبكات الكهربائية بغرض السرقة لا ينطوي على مخالفة قانونية فقط، بل على خطر حقيقي قد ينتهي إلى فقدان الحياة. وتؤكد مثل هذه الحوادث أن المكاسب المالية المحدودة التي قد يجنيها المنفذون لا تقارن بحجم المخاطر التي يتعرضون لها.
خسارة يدفع ثمنها الجميع
في المحصلة، لا تتوقف آثار سرقة الكابلات والبارات النحاسية عند حدود المؤسسة الكهربائية أو قيمة المواد المسروقة، بل تمتد إلى المواطنين الذين يفقدون خدمة أساسية، وإلى الاقتصاد الذي يتحمل كلفة إضافية لإصلاح الأضرار، وإلى المجتمع الذي يخسر أحياناً أرواحاً بسبب هذه الممارسات الخطرة.
ومع استمرار تسجيل حوادث متفرقة في عدد من المحافظات، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة شاملة تجمع بين الردع الأمني، وتشديد الرقابة على تجارة الخردة، وتحسين الظروف الاقتصادية وتوفير فرص العمل، بما يقلل من قدرة شبكات الاتجار بالنحاس المسروق على استقطاب مزيد من الأفراد للعمل في هذا النشاط الذي يضر بالمرافق العامة ويهدد حياة مرتكبيه والآخرين على حد سواء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284