عندما تغيب العدالة الأجرية ويحضر التمييز الوظيفي

عندما تغيب العدالة الأجرية ويحضر التمييز الوظيفي

لم يكن الاعتراض الواسع والمستمر على ما سُمي «الزيادات النوعية» مجرد رد فعل عابر على قرارات مالية جديدة، بل كان تعبيراً عن شعور متراكم بالغبن لدى شرائح واسعة من العاملين في الدولة، وجاء ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما جرى يمثل إصلاحاً للأجور أم إعادة إنتاج للتفاوت داخل القطاع العام تحت مسمى جديد؟

تقوم العدالة الأجرية على مبدأ بسيط وواضح؛ وهو أن يحصل العامل على أجر يضمن له حياة كريمة، وأن تكون الفروق في الأجور مبنية على معايير موضوعية ومعلنة وقابلة للدفاع عنها. أما حين تصبح الفروق واسعة إلى حد خلق طبقات متباينة من الموظفين داخل الدولة الواحدة، فإن الحديث عن العدالة يتحول إلى مجرد شعار لا يجد له العامل أثراً في حياته اليومية.
المفارقة أن جميع العاملين في الدولة يواجهون الظروف المعيشية نفسها. فالمعلم والمهندس والموظف الإداري والفني والعامل الخدمي يشتركون جميعاً في مواجهة الارتفاع الهائل في تكاليف المعيشة وتآكل القوة الشرائية للدخل. الأسعار لا تميز بين موظف مشمول بزيادة نوعية وآخر مستبعد منها، وفاتورة الغذاء والسكن والنقل والطاقة لا تُحسب وفق الجهة التي يعمل فيها المواطن. لذلك فإن العدالة تقتضي أولاً معالجة الفجوة بين الأجور ومتطلبات الحياة قبل الانتقال إلى صناعة فجوات جديدة بين العاملين أنفسهم.
قد يكون من المشروع دعم بعض القطاعات التي تعاني نقصاً في الكوادر أو هجرة للكفاءات، لكن ذلك لا يمنح صانعي القرار حق تجاهل بقية العاملين أو التعامل معهم بوصفهم موظفين من درجة ثانية. فالحوافز الخاصة يجب أن تكون استثناءً محدوداً ومبرراً، لا أن تتحول إلى سياسة تؤسس لتفاوتات متنامية داخل الإدارة العامة.

إن أخطر ما أفرزته الزيادات النوعية ليس قيمتها المالية بحد ذاتها، بل الرسالة الضمنية التي حملتها إلى آلاف العاملين المستبعدين منها، وهي أن جهودهم أقل قيمة، وأن أدوارهم أقل أهمية، وأن معاناتهم المعيشية أقل استحقاقاً للمعالجة. وهذه رسالة بالغة الخطورة على مستوى الانتماء الوظيفي والرضا المؤسسي والثقة بالسياسات العامة.
كما أن غياب الشفافية الكاملة في شرح معايير الاختيار فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة.
لماذا شملت الزيادات بعض الجهات واستبعدت أخرى؟
وما هي الأسس العلمية أو الاقتصادية التي حددت حجم الزيادة لكل فئة؟
وهل توجد خطة زمنية واضحة لمعالجة أوضاع بقية العاملين؟
إن العدالة لا تتحقق بالقرار وحده، بل بوضوح أسبابه وقابليته للإقناع المجتمعي.
إن مفهوم الإنصاف المعيشي يقتضي أن يكون الحد الأدنى من الكرامة الاقتصادية حقاً لجميع العاملين، لا امتيازاً لفئات بعينها. فالدولة ليست مجموعة جزر وظيفية منفصلة، بل جهاز واحد يتكامل فيه الجميع لأداء الخدمة العامة. وحين يشعر جزء كبير من العاملين بأنهم خارج دائرة الاهتمام، فإن المشكلة لا تعود مالية فقط، بل تتحول إلى أزمة ثقة وعدالة.
إن أي سياسة للأجور لا تُقاس بنجاحها في تحسين دخل فئة محددة، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة والإنصاف. أما حين يصبح الموظفون أنفسهم منقسمين بين رابحين وخاسرين، ومشمولين ومستبعدين، فإننا نكون أمام سياسة تعمق الشعور بالتمييز أكثر مما تعالج مشكلة الأجور.

لقد كشفت الاعتراضات الواسعة على الزيادات النوعية حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ العاملون لا يطالبون بالمساواة المطلقة، بل يطالبون بالعدالة. والعدالة تبدأ من الاعتراف بأن الجميع شركاء في أعباء المعيشة، وأن أي إصلاح حقيقي للأجور يجب أن ينطلق من تحسين المستوى المعيشي العام لجميع العاملين، قبل توزيع الامتيازات الخاصة على فئات محددة. وما لم يتحقق ذلك، ستبقى الزيادات النوعية في نظر كثيرين عنواناً لتكريس الفوارق لا لمعالجتها، ومصدراً للاحتقان أكثر من كونها أداة للإصلاح.
ولا تكتمل أي مقاربة للعدالة الأجرية من دون التوقف عند شريحة المتقاعدين، وهي الشريحة التي تبدو الأكثر تضرراً والأقل قدرة على التكيف مع التدهور المستمر في القدرة الشرائية. فهؤلاء الذين أمضوا عقوداً في خدمة الدولة لا يمكن التعامل معهم بوصفهم ملفاً منفصلاً عن ملف الأجور، لأن الراتب التقاعدي في جوهره هو أجر مؤجل استحق نتيجة سنوات العمل والإنتاج والخدمة العامة.

إن الحديث عن تحسين دخول العاملين مع تجاهل أوضاع المتقاعدين يطرح إشكالية أخلاقية واجتماعية عميقة. فالمتقاعد يواجه أسعار الغذاء والدواء والطاقة والنقل نفسها التي يواجهها العامل على رأس عمله، بل إنه يتحمل في كثير من الأحيان أعباء إضافية مرتبطة بالعمر والحاجة إلى الرعاية الصحية. لذلك فإن أي زيادة لا تراعي أوضاع المتقاعدين تبقي جزءاً كبيراً من المجتمع خارج دائرة الحماية المعيشية.
ومن منظور الإنصاف المعيشي، لا يجوز أن يتحول التقاعد إلى بوابة للفقر بعد سنوات طويلة من الخدمة. فالغاية من نظام التقاعد ليست مجرد دفع مبالغ رمزية للمتقاعدين، وإنما ضمان استمرار الحياة الكريمة بعد انتهاء الخدمة. وعندما يصبح الراتب التقاعدي عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الأساسية، فإن ذلك يعني أن العقد الاجتماعي بين الدولة ومن خدموها قد تعرض لاختلال واضح.

وإذا كانت الزيادات النوعية قد أثارت اعتراض العاملين بسبب ما أحدثته من تفاوتات داخل القطاع العام، فإن المتقاعدين وجدوا أنفسهم خارج هذا الجدل كله، وكأنهم لا ينتمون إلى المنظومة الوظيفية التي أسهموا في بنائها منذ عقود. وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً؛ فالفئات التي قدمت أطول سنوات الخدمة هي في كثير من الأحيان الأقل استفادة من سياسات تحسين الدخل والأشد تعرضاً لتداعيات الغلاء.
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بما يتقاضاه العامل اليوم فقط، بل بما يضمن له حياة كريمة غداً عندما يغادر وظيفته أيضاً. ولذلك فإن أي إصلاح جاد لمنظومة الأجور يجب أن يشمل العاملين والمتقاعدين معاً ضمن رؤية واحدة للكرامة المعيشية، لأن العدالة التي تستثني المتقاعد ليست عدالة مكتملة، والإنصاف الذي يتوقف عند أبواب التقاعد يفقد جزءاً كبيراً من معناه الإنساني والاجتماعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281