الإسمنت... تخفيض على الكلنكر، والمادة النهائية خارج السيطرة
فرح شرف فرح شرف

الإسمنت... تخفيض على الكلنكر، والمادة النهائية خارج السيطرة

في خطوات بدت «إصلاحية»، خفّضت وزارة الاقتصاد والصناعة رسوم استيراد مادة الكلنكر من 13 إلى 7 دولارات للطن، بعد أن ألغت في وقت سابق «الضمائم» المفروضة على منتجي الإسمنت المحلي، بهدف تخفيف أعبائهم المالية وتعزيز القدرة التنافسية أمام المستوردات.

لكن الواقع في الأسواق يحكي قصة مختلفة تماماً؛ فأسعار الإسمنت ومواد البناء لم تشهد أي تراجع يُذكر، ولا يزال المواطن يدفع فواتير باهظة كالسابق.


فجوة العرض والطلب


يُنتج قطاع الإسمنت نحو 4 ملايين طن سنوياً، بينما يتجاوز الطلب الفعلي 9 ملايين طن؛ أي إن الإنتاج المحلي يغطي أقل من نصف الحاجة. ما يجعل أي تخفيض جمركي أشبه «بقطرة ماء في صحراء».
ولا يمكن أن تتغير هذه المعادلة إلا بزيادة الإنتاج المحلي إلى مستويات تغطي الحاجة، وهو ما لا تتوقعه الحكومة قبل عام 2027 على الأقل.


وهم التخفيض


صحيح أن الوزارة أقرت تخفيضاً على مدخل أولي لصناعة الإسمنت، إلا أنها لم تجر أي تعديلات على رسوم الإسمنت الجاهز أو الأبيض.
فالتخفيض يمس حلقة أولية في سلسلة الإنتاج، وليس المادة النهائية؛ فحتى لو انخفضت تكلفة الكلنكر، فإن تكاليف النقل والشحن ارتفعت نتيجة التوترات الإقليمية بنحو 4-5 دولارات للطن، بحسب محمود فضيلة، مدير الشركة العامة لصناعة الإسمنت ومواد البناء.
أي إن التخفيض الجمركي، والبالغ 6 دولارات، هو رقم ضئيل مقارنة بسعر الطن النهائي الذي يتراوح بين 110 و133 دولاراً للمحلي، نحو 150 دولاراً للمستورد، ولا يواكب الزيادة الحاصلة في تكاليف الشحن وحدها.
وفي ظل الطلب المرتفع والمستمر، يبقى السعر كما هو، بل ويرتفع، ويُحتسب الإلغاء كزيادة في هوامش الربح، لا كتخفيض يمرر إلى المستهلك.


الإكساء... معادلة أكثر تعقيداً

تتراوح الكلفة الإجمالية لبناء المتر المربع، بين 350 و650 دولاراً. ويدخل في الحسابات عشرات المواد المستوردة، التي لا تخضع لأي تخفيض جمركي؛ كالدهانات والسيراميك والأدوات الصحية والألمنيوم، إلخ.
فحتى لو نجحت الدولة في خفض سعر الإسمنت بشكل طفيف – وهو ما لم يحدث – فإن تأثيره على فاتورة البناء النهائية يظلّ محدوداً.


السياسات التجميلية


يبقى «التخفيض الجمركي» جزءاً من سياسات «تجميلية»؛ فالجوهر الحقيقي للمشكلة هو:
- فجوة إنتاجية عميقة.
- توقف إنتاج الكلنكر محلياً ما جعل الصناعة مستوردة للمدخلات.
- ارتفاع كلفة الطاقة والنقل بما يفوق التخفيض الجمركي بعشرات الدولارات.
- سلسلة وسيطة طويلة من كبار المستوردين والمحتكرين تلتهم أي انخفاض في التكاليف.
- غياب رقابة حقيقية على الأسعار.
وما لم تتجه السياسات نحو معالجة هذه العوامل، بإعادة تأهيل المعامل المتوقفة عن العمل، وكسر حلقات الاحتكار، وملاحقة هوامش ربح المستوردين وحيتان السوق، وتأمين الطاقة للقطاع الصناعي بأسعار مستقرة، سيبقى المستهلك النهائي، الساعي إلى إعادة بناء مسكنه المدمر، في نهاية سلسلة طويلة من الأطراف المستفيدة، التي تعلو هوامشها على أي تخفيض حكومي وتتفوق على أي إجراء «إصلاحي».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281