الأولوية في قطاع الزراعة... للاستثمار الخاص أم للأمن الغذائي؟
خلال فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر «حوار القطاع الخاص» في دمشق، في 2 حزيران، أعلن وزير الزراعة، باسل السويدان، عن توجه حكومي نحو «إعادة هيكلة شاملة للقطاع الزراعي»، بالتعاون مع مستثمرين محليين وأجانب.
والهدف – كما كل أهداف الحكومة – هو «تحسين بيئة الاستثمار، وتخفيض التكاليف، ورفع كفاءة الإنتاج.»
إلا أن ما يروّج له اليوم تحت عنوان «الشراكة» هو في جوهره إعادة إحياء لسياسات سابقة، أدت إلى تراجع القطاع الزراعي وتباطؤ نموه.
والواقع أن «تحرير القطاع الزراعي» يعود إلى عام 1991، حين بدأت أولى حلقات رفع الدعم عن البذور والمبيدات، وخفض دعم الأسمدة، وانخفضت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 27% مع بداية الألفية.
أزمة في ظروف متقلبة
تختلف اليوم الظروف جذرياً؛ فبحسب منظمة الأغذية والزراعة، يعاني نحو 14,5 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9,1 مليون يعانون مستويات حادة وشديدة الخطورة.
ويُضاف إلى استكمال السياسات الليبرالية للسلطة الساقطة من رفع كامل للدعم عن الفلاحين وصغار المنتجين، تدمّر أغلب البنى التحتية الزراعية، والجفاف.
فهل يمكن «للشراكة» مع القطاع الخاص، الباحث عن أرباح سريعة، في هذا السياق أن تكون الحل؟
تفتقر دعوات الوزير لاستقطاب الاستثمارات الخارجية إلى ضوابط واضحة، ويبقى الكلام عن «التنمية» و«الاكتفاء» فضفاضاً، لكن المعروف أن شركات الاستثمار الزراعي لا تبحث عن حل جذري لأزمة الغذاء، بل غرضها الأساسي هو السيطرة على حلقات الإنتاج الأكثر ربحية (البذور والأسمدة والتسويق)، ما يزيد التبعية ويقضي على صغار المنتجين ويرفع الأسعار على المستهلكين.
ولنا في العراق أفضل مثال على ذلك؛ فقد أدى الاعتماد على بذور تجارية هجينة وعقيمة لا يمكن إعادة زراعة ناتجها، إلى تدمير الإنتاج الزراعي، ما أفقد العراق قدرته على الاكتفاء الذاتي، وأصبح المزارع رهينة لأسعار الشركات العالمية المحتكرة، ويضطر لشراء البذور سنوياً.
أما سورية، التي تمتلك أصنافاً محلية من البذور متكيفة مع ظروفها المناخية، قد تفقد هذا الإرث، وبدلاً من «تحقيق الأمن الغذائي»، سنرى ارتفاعاً أكبر في التكاليف وازدياداً في أعداد المجوّعين.
بدائل ضرورية
أضعف الإيمان أن تقدم الوزارة تعريفاً لهذه «الشراكة» في إطار حوكمة صارمة تحمي السيادة الغذائية، عوض الحديث «باستعراضية» عن أكثر من 6 ملايين هكتار صالحة «للاستثمار»، وتحول رقمي، والتركيز على جذب رؤوس أموال كبيرة ضمن استراتيجية غير واضحة المعالم.
وقبل الحديث عن «إعادة هيكلة» تفتح الباب أمام احتكارات جديدة، يجب إنقاذ 14,5 مليون سوري من الجوع، وإعادة بناء قطاع زراعي مستدام، ما يتطلب سياسات تضع الأمن الغذائي للمواطنين في صميم رؤيتها عبر دعم التعاونيات الزراعية، وتوفير الدعم لمدخلات الإنتاج، وتطوير سلاسل قيمة محلية، وحماية الأصناف المحلية من البذور.
وإلا فما يقدمه الوزير اليوم ليس سوى تكرار لوصفات أثبتت فشلها، ولكن في ظروف أكثر قسوة هذه المرة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281
سارة جمال