الأوقاف والأسواق... تعظيم الريع وزعزعة الاستقرار وتوزيع جديد للثروة

الأوقاف والأسواق... تعظيم الريع وزعزعة الاستقرار وتوزيع جديد للثروة

أثار تصريح أحد مسؤولي وزارة الأوقاف السورية بشأن السعي إلى الحصول على الأرشيف العثماني، وما رافقه من حديث عن الاستفادة من السجلات الوقفية، جدلاً يتجاوز البعد الإداري أو التاريخي ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والملكية والسوق. فالتصريح، الذي بدا في ظاهره توثيقياً، جاء منسجماً مع سلسلة إجراءات شهدتها الفترة الأخيرة، من إعادة تخمين إيجارات في أسواق دمشق القديمة مثل سوق الحميدية وسوق البزورية وسوق مدحت باشا، إلى مطالبات بالإخلاء في بعض المواقع المرتبطة بأملاك وقفية أو مشتركة مع جهات رسمية، بما في ذلك محيط مبنى محافظة دمشق.

عند جمع هذه المؤشرات، يتضح أن ما يجري ليس تحركاً منفصلاً أو ظرفياً، بل مسار متدرج نحو إعادة تعريف العلاقة مع الأملاك الوقفية، يقوم على تعظيم العائد المالي وإعادة تفعيل الأصول التاريخية، مع إدخال عناصر أرشيفية قديمة- كالوثائق العثمانية- كمرجعية محتملة لإعادة التدقيق في الملكيات أو الانتفاع. ورغم أن هذا التوجه قد يُقدَّم باعتباره محاولة لتنظيم الموارد غير المستثمرة أو تحسين إدارة الوقف، إلا أن أثره العملي يتجاوز ذلك بكثير، لأنه يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أوضاع استقرت لعقود طويلة داخل أسواق تعد من أكثر الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية حساسية في البلاد.

فأسواق دمشق القديمة، وكذلك أسواق حلب القديمة، ليست مجرد مساحات تجارية، بل بنى تاريخية معقدة تشكلت عبر أجيال من الاستقرار النسبي في الملكية أو الانتفاع، حيث يقوم النشاط الاقتصادي على توازن دقيق بين الإيجارات التقليدية المنخفضة نسبياً، ووجود حرفيين وتجار مرتبطين بالمكان لا بالعقد فقط، بل بالسياق الاجتماعي ذاته. وعندما تُطرح فجأة فكرة إعادة التخمين وفق أسعار السوق أو إعادة النظر في الصفة الوقفية للعقارات بالاستناد إلى أرشيف تاريخي، فإن ذلك لا يعني تعديلاً في العقود فقط، بل إعادة توزيع غير مباشر للثروة داخل هذه الفضاءات.

النتيجة الفعلية لمثل هذا المسار، حتى قبل اكتماله قانونياً، هي خلق موجة من عدم اليقين. فالمستأجر التقليدي يجد نفسه أمام احتمال ارتفاع مفاجئ في التكاليف أو فقدان موقعه، بينما يدخل لاعبون أكثر قدرة مالية إلى المشهد، ما يؤدي تدريجياً إلى تحويل طبيعة السوق من فضاء حرفي اجتماعي إلى فضاء استثماري أكثر ربحية وأقل ارتباطاً بالأنماط التقليدية. وفي هذا التحول، لا تتغير الأسعار فقط، بل تتغير البنية الاجتماعية ذاتها للأسواق، ويبدأ تآكل تدريجي للحرف القديمة لصالح أنشطة أكثر ربحاً وأقل استقراراً.
الأخطر في هذا السياق لا يكمن في الإجراءات بحد ذاتها، بل في الإشارة التي ترسلها إلى السوق؛ أن الاستقرار القائم في الملكيات أو الانتفاعات ليس نهائياً، وأنه قابل لإعادة التفسير استناداً إلى مصادر تاريخية أو قرارات إدارية لاحقة. ففي بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وعدم استقرار تشريعي وضغط معيشي مرتفع، تصبح هذه الإشارة بحد ذاتها عاملاً مقلقاً، لأنها تمس جوهر الثقة التي يقوم عليها أي نشاط اقتصادي طويل الأمد.

وهكذا، وبينما يمكن فهم دوافع تعظيم عائدات الأوقاف كجزء من منطق إداري أو مالي مشروع، فإن الإشكالية تظهر في غياب التوازن بين هذا الهدف وبين حماية استقرار المعاملات. فالتاريخ الاقتصادي للأسواق التقليدية في المنطقة، من دمشق إلى حلب، يبين أن أي تحول سريع في بنية الملكية أو الانتفاع، دون إطار قانوني واجتماعي متماسك، لا يؤدي إلى إعادة توزيع للثروة فقط، بل إلى إعادة تشكيل للمدينة نفسها، اقتصادياً واجتماعياً، وبثمن قد يكون أعلى بكثير من المكاسب المالية المباشرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274