حين تتحول صرخة الشارع إلى بيان عمالي ضد الجوع والخصخصة
شهدت ساحة يوسف العظمة في ذكرى الجلاء اعتصاماً لافتاً للسوريين، رفع فيه المحتجون شعارات بسيطة في صياغتها عميقة في دلالاتها: «بدنا ناكل، بدنا نعيش»، «سوريا ليست للبيع»، «لا للخصخصة»، «لا بيع للمشافي»، «لا لرفع أسعار الخدمات الأساسية». هذه العبارات التي قد تبدو بديهية في أي سياق طبيعي، تكشف في الحالة السورية عن تحول خطير في سلم الأولويات، إذ لم تعد المطالب متعلقة بتحسين شروط الحياة أو تطويرها، بل باتت تدور حول الحد الأدنى من البقاء.
ارتباط شعارات الاعتصام بقضايا العمال
وعندما تترافق هذه الصرخات مع شعارات مناهضة للخصخصة ورفض بيع مؤسسات ومعامل الدولة والاحتجاج على ارتفاع الأسعار والخدمات الأساسية، فإننا نكون أمام مشهد يرتبط عضوياً بقضايا العمال ومعاناتهم اليومية.
فالطبقة العاملة هي أول من يدفع ثمن السياسات الاقتصادية المختلّة، وهي أكثر تضرراً من رفع الدعم وتحرير الأسعار وخصخصة القطاع العام. لذلك لم يعد غريباً أن تتقاطع شعارات المعتصمين مع المطالب التاريخية للعمال، لأن الطرفين في الواقع يشكلان كتلة اجتماعية واحدة تعاني من التهميش نفسه وإن اختلفت التسميات.
«بدنا ناكل»
إن شعار «بدنا ناكل» ليس مجرد تعبير عن الجوع بالمعنى الفيزيائي، بل هو تعبير عن انهيار القدرة الشرائية للأجور. فالعامل السوري اليوم، سواء كان في القطاع العام أو الخاص، لم يعد قادراً على تأمين احتياجاته الأساسية رغم عمله، وهو ما يشكل خرقاً جوهرياً لفكرة الأجر العادل التي تقوم عليها علاقة العمل.
فالأجر لم يعد يوازي قيمة العمل المبذول، بل أصبح أقرب إلى إعانة رمزية لا تكفي لسد الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وهنا يظهر الرابط المباشر بين الاحتجاج الشعبي ومطالب العمال: كلاهما يطالب بإعادة الاعتبار لقيمة العمل والإنسان.
«بدنا نعيش»
أما شعار «بدنا نعيش» فهو يتجاوز مسألة الغذاء ليشمل الحق في السكن والصحة والتعليم والطاقة والنقل. وهذه كلها خدمات أساسية شهدت ارتفاعاً كبيراً في تكلفتها خلال السنوات الأخيرة، سواء نتيجة رفع الدعم أو نتيجة التوجه نحو خصخصة بعض القطاعات. وهنا أيضاً فإن العمال هم الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات، لأن دخلهم ثابت أو شبه ثابت بينما ترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة.
إن الاحتجاج على الخصخصة وبيع مؤسسات الدولة يعكس وعياً متزايداً لدى المواطنين، وخاصة العمال، بخطورة هذه السياسات. فالقطاع العام، رغم كل ما يعانيه من فساد وضعف إدارة، كان يشكّل تاريخياً صمام أمان اجتماعي، من خلال توفير فرص العمل والاستقرار الوظيفي، إضافة إلى تقديم خدمات مجانية (صحة وتعليم) أو بأسعار مدعومة. وعندما يتم تفكيك هذا القطاع أو بيعه، فإن النتيجة لا تكون فقدان الوظائف فقط، بل وفقدان القدرة على ضبط الأسعار وتأمين الخدمات بشكل عادل أيضاً.
الشعب السوري يرفض الخصخصة
الخصخصة في السياق السوري لا تأتي ضمن بيئة تنافسية شفافة، بل غالباً ما ترتبط بانتقال الأصول العامة إلى أيدي قلة قليلة من المستثمرين، ما يؤدي إلى تكريس الاحتكار بدلاً من كسره. وهذا ينعكس مباشرة على العمال، سواء من خلال تسريحهم أو إعادة توظيفهم بشروط أسوأ، أو من خلال تحميلهم كلفة الخدمات التي كانت مدعومة سابقاً.
من جهة أخرى، فإن ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والاتصالات يشكل عبئاً مزدوجاً على العمال: فهو يستنزف جزءاً كبيراً من دخلهم، ويزيد في الوقت ذاته من كلفة الإنتاج. وبالتالي فإن المطالبة بضبط هذه الأسعار ليست مطلباً استهلاكياً فقط، بل هي أيضاً مطلب إنتاجي يرتبط بحماية سوق العمل.
ما يميز هذا الاعتصام هو أنه أعاد ربط المسألة الاقتصادية بالبعد الاجتماعي والسياسي، فالمطالب التي رفعت فيه لا تتعلق فقط بالأجور والأسعار، بل تمس جوهر النموذج الاقتصادي الذي يتم تكريسه.
وهذا يفتح الباب أمام إعادة طرح أسئلة أساسية: ما هو دور الدولة الاقتصادي؟ هل هي مجرد منظم للسوق أم أنها ضامن للعدالة الاجتماعية؟ وهل يمكن ترك القطاعات الحيوية لقوى السوق دون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية؟
بالنسبة للعمال، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي مسألة حياة يومية. فكل قرار برفع الدعم أو خصخصة مؤسسة أو زيادة سعر خدمة ينعكس مباشرة على قدرتهم على العيش. ولذلك فإن أي حركة احتجاجية ترفع هذه القضايا، حتى وإن لم تكن منظمة نقابياً، هي في جوهرها تعبير عن مطالب عمالية.
غياب النقابات العمالية عن الاعتصام
لكن في المقابل يطرح هذا الواقع تحدياً كبيراً أمام الحركة العمالية نفسها. فغياب التنظيم النقابي الفاعل وضعف تمثيل العمال يجعل هذه الاحتجاجات عفوية ومحدودة التأثير. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء أدوات الدفاع عن حقوق العمال، سواء من خلال نقابات مستقلة قادرة على تحويل هذه المطالب إلى برامج عمل واضحة.
إن ما جرى في ساحة يوسف العظمة في ذكرى الجلاء يحمل دلالة رمزية عميقة. ففي يوم يفترض أن يُحتفى فيه بالسيادة والاستقلال، يخرج الناس للمطالبة بأبسط حقوقهم في العيش. وهذا يعكس مفارقة مؤلمة: الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي يضمن كرامة المواطنين، وخاصة العمال وهم الغالبية من الشعب السوري.
في المحصلة يمكن القول إن هذا الاعتصام لم يكن حدثاً معزولاً، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية يعيشها المجتمع السوري، تتجلّى بشكل خاص في أوضاع العمال. والشعارات التي رفعت فيه ليست سوى ترجمة مباشرة لمعاناة يومية تتطلب حلولاً جذرية لا مجرد إجراءات ترقيعية. فإعادة الاعتبار للعمل، وضمان أجر عادل، وحماية القطاع العام، وضبط الأسعار، ليست مطالب فئوية، بل هي شروط أساسية لأي استقرار اجتماعي واقتصادي حقيقي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
ميلاد شوقي