حديث عمالي بعد احتجاج 17 نيسان
كنت حريصاً على أن أرصد آراء بعض المشاركين في احتجاج 17 نيسان، وهذا لم يكن ممكناً خلاله، بل كان لا بد من الانتظار حتى انفضاض الحشود كي أحظى بجلسة هادئة مع أحد المحتجين الشباب الذين تواجدوا في ساحة يوسف العظمة يحمل لافتة ورقية صغيرة وبسيطة كُتب عليها بخط اليد «بدنا نعيش». لم يكن الشاب ماهر مهتماً بالإعلام رغم محاولات العديد من الوسائل والمواقع الإعلامية لأخذ حديث منه. كيف لا، وهو بوقفته الصلبة وظهره المشدود وعقدة حاجبيه الحازمة وصوته الصدّاح كان ملفتاً للنظر. لكنه لم يكن مهتماً بالتصريح والتصوير والإدلاء، بل كان مركزاً على كل حدث صغير يجري حوله. حين علم أني إعلامي ومهتم بالحديث معه على «رواق» بعد انتهاء الاحتجاج لنحتسي القهوة معاً، وبأنني فقط أريد أن أعرف لماذا شارك اليوم، اهتم للأمر واتفقنا على جلسة فنجان قهوة في أحد المقاهي الشعبية القريبة من ساحة الاعتصام.
ماهر أو كما يحب أن ينادوه (أبو بلال) شاب في منتصف العقد الثالث، متزوج وله ولدان أحدهما رضيع حديث الولادة، متخرج من كلية الحقوق لكنه يعمل في شركة لصيانة أجهزة الحاسوب منذ 15 عاماً، من بلدة جوبر في الغوطة الشرقية. شارك في الحراك الشعبي منذ بدايته في 2011 وبقي منخرطاً فيه حتى بداية 2013 نزولاً عند رغبة والدته التي تصاعد خوفها عليه إلى درجة أجبرته على الرضوخ لجملتها المتكررة: «أنت وحيدي ما لي غيرك، لا تحرق قلبي عليك برضايي عليك». يصف نفسه بأنه مثقف حقيقي لا يشبه أولئك المدّعين للثقافة والفكر، يعشق التاريخ
والتراث، وأخبرني بأسلوبه البسيط والعميق معاً أن أكبر ما نعانيه منذ عقود اغترابنا عن واقعنا واستهلاكنا للفكر بدلاً من إنتاجه، وبأننا بحاجة «لنفضة شاملة» في الفكر والاقتصاد والمجتمع. بعد أن تعرفت عليه وبددت الريبة التي أحاطت اندفاعي للحديث إليه، دخلنا في صلب الموضوع وسألته سؤالي الوحيد الذي وعدته به: لماذا شاركت في احتجاج اليوم؟
هتافات الاحتجاج «خلّتني فكّر»
أجابني أبو بلال: «لك يا أستاذ، قبل ما جاوبك خليني أشرحلك شي. من شوي حكينا بالمعرفة والاغتراب وبالسياسة والمثقفين. الجواب بظن أنو طلعتي بالاحتجاجات – طبعاً لأنو هاد مو أول احتجاج بطلع فيه – هو نتيجة واقع، وأنا ابن الواقع وواحد من نتائجه كمان. يعني لازم يصير السؤال: ليش اللي ما طلع ما طلع؟ إذا كان واقعنا بقول إنو نحن بأسوأ حال من كل النواحي والظروف، وكل الدلالات بتقول إنو مستمر وبفظاعة أكثر. خليني بلش بأبسط شي وأكبر شي بنفس الوقت: ربطة الخبز، الغاز، المواصلات، الاتصالات، الأسعار، البضايع الأجنبية اللي معبية السوق. حدا بصدق إنو نحن نشوف بسكوت مستورد بالسوق؟ هلق بفهم موبايل أو سيارة أو حتى شي فاكهة استوائية، لكن بسكوت وعصير وألبسة ومعكرونة؟ معقول؟ طيب المعامل اللي عنا شو بدها تشتغل؟ طيب العمال شو بيعملوا إذا سكرت؟ اليوم بالهتافات انتبهت لقصة مشفى البيروني وعلاج السرطان، قلت يا ساتر، إذا حدا من عيلتي أو الحجة والحج صار لهم شي، كيف بعالجهم؟ وقصة مشفى الأطفال وغسيل الكلى؟ طيب وهالمشافي متل ما سمعنا من الوزير ح يعطوها للقطاع الخاص، كيف هيك؟ أنا من شهر ولدت مرتي بأرخص مشفى خاص كلفتني 3 ملايين من عدا الأدوية. ليش؟ لأني ما بوثق آخذها ع المشفى العام. أنت صحفي وبتعرف روح عمل تحقيق هنيك وشوف المشفى الجامعي والزهراوي. زيد عليهم الكهربا. أنا كنت باحتجاج الكهربا. متلي متل هالناس عايش متلهم وشايف اللي شايفينه.
اليوم أنت، بكرة أنا
بشتغل بسوق البحصة بشركة طويلة عريضة باخد 6 ملايين بالشهر. ضيف عليهم 100 دولار كل شهر من أخي الكبير المسافر، وتعا نحسبها سوا. إيجار بيتي مليون و200 ألف ببيت سحم، وعندي مصروف ولدين صغار والعيلة بشكل عام. بتطلّع بلاقي الموظف راتبو مليون ليرة والمتقاعد 800 ألف. بسأل حالي: كيف زابطة؟ أنا دخلي فوق 7 ملايين والله ما عم يكفو لغطي كل مصاريفي وما في شي زايد. عايشين عادي كتير، وكل ما لنا لورا، هون مربط الفرس. في كرة ثلج عم تتدحرج وتكبر، ولازم نوقفها مو؟ يعني الكل متضرر: الصناعيين والتجار الصغار وأصحاب المصلحة والموظفين وأصحاب الدكاكين، لك حتى شوفير التكسي ما بقى. الضرر على هاد دون هاد؟ ما نافد إلا 2٪ أو 3% من السوريين. غير هيك كلنا بالهوى سوا، والوضع ما لح يستثني حدا. اليوم عليّ، بكرة عليك إجباري، لأنه ما في سياسات صح، ما في دولة صح واقتصاد. ما في. سمعت من خبير اقتصادي جملة حبيتها لأنها بصلب المهنة اللي بشتغلها. قال: الاقتصاد ما بقى ينفع معو السوفت وير، صار بدو هارد وير. وفعلاً جملة حلوة وبتعبر، لأنو الفقر فايروس، إذا ما وقفتو بينتشر بكل مكان. وأنا ما لح أنطر لأصفى بالشارع وموت من الجوع لاطلع احتجاج. وشعار «بدنا نعيش» مو يعني جوع، لأ أبداً. «بدنا نعيش» بشوفها أكبر من هيك، يعني بدنا معيشة كريمة كاملة مكملة. شو ناقصنا نكون متل الخلق والعالم؟ ولا شي، غير أنو هالبلد تندار بطريقة صح. وهالشي ليزبط لازم الكل يشتغل على هالشي.
قضية القابون وجوبر لم تكن غائبة
تحفّظ ماهر خلال حديثه على ألا يخوض بموضوع جوبر والقابون، كون عائلته متضررة ولا يريد أن أظن بأنه يشخصن الموضوع أو أن سبب استمراره بالاحتجاجات منحصر فيه. وبأنه يعتبر هذا المطلب، رغم أحقيته وحجمه، لا يعتبره إلا آخر مطالبه. وبأن العقار الذي يملكه والده يعتبر نقطة في بحر دمار يصعب حصره. وبأن والده دائماً يقول لهم بأنه يعتبر كل ما تعرض له من خسائر خلال السنوات الماضية حصته من الثمن الذي لا بد من دفعه كغيره من الشعب السوري. كما أبدى إعجابه بعشرات الشعارات التي رفعها المحتجون، مؤكداً أنها أضاءت على رؤية جديدة لم يكن يعرفها، ومنها شعار «الأكثرية الطبقية طائفتي» و«سورية ليست للبيع» وغيرها. كما أكد بأنه مستمر باحتجاجات الحرية والكرامة والخبز حتى الوصول للغايات الكبرى، وقيام سورية الموحدة والمستقلة والديمقراطية والعادلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274