بين البحر والموائد الخالية... إلى أين تمضي أغنام العواس السورية؟
مع نهاية شباط ومطلع آذار، غادرت سفينة من مرفأ طرطوس محمّلة بنحو 11 ألف رأس من ذكور أغنام العواس متجهة إلى السعودية. خبر مرّ في وسائل الإعلام بوصفه إنجازاً اقتصادياً جديداً، ودليلاً على عودة حركة التصدير وتنشيط التجارة. لكن خلف هذا الخبر البسيط ظاهرياً، تتوارى أسئلة ثقيلة تتعلق بمصير الثروة الحيوانية في سورية، وبالقدرة على التوفيق بين الحاجة إلى التصدير وبين حماية الأمن الغذائي للسكان.
فأغنام العواس ليست مجرد سلعة تصديرية عادية. هذه السلالة كانت منذ عقود العمود الفقري للثروة الحيوانية في سورية، وركيزة أساسية لإنتاج اللحوم والحليب والصوف. وكانت قطعانها تنتشر في البادية والسهوب السورية بملايين الرؤوس، تشكّل مصدر رزق لآلاف الأسر الريفية والرعوية.
لكن الواقع اليوم مختلف. سنوات الحرب والجفاف وارتفاع التكاليف أرهقت المربين وأضعفت قدرتهم على الحفاظ على قطعانهم. ومع ذلك، يجري الحديث عن تصدير عشرات الآلاف من رؤوس الأغنام سنوياً، دون أن تتوافر بيانات واضحة للرأي العام حول الحجم الحقيقي للقطيع المتبقي في البلاد.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالنقاش حول تصدير المواشي لا يمكن أن يكون صحيّاً أو موضوعياً في غياب المعطيات الأساسية.
كم يبلغ عدد الأغنام في سورية اليوم؟
كم انخفضت أعدادها خلال السنوات الماضية؟
ما حجم الاستهلاك المحلي من اللحوم؟
وما هو الحد الآمن للتصدير الذي لا يهدد توازن السوق المحلية؟
هذه الأسئلة البديهية لا تجد إجابات واضحة في التصريحات الرسمية أو البيانات المنشورة.
والنتيجة أن التصدير يجري في فراغ معلوماتي، وكأن القطيع السوري مورد لا ينضب.
تزداد حساسية هذا الملف عندما يأتي التصدير في وقت ترتفع فيه أسعار اللحوم محلياً إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر. ومع حلول شهر رمضان، حيث يزداد الطلب التقليدي على اللحوم، تتحول هذه المسألة من نقاش اقتصادي إلى قضية تمس الحياة اليومية للناس.
ففي الوقت الذي تغادر فيه آلاف الرؤوس المرافئ باتجاه الخارج، يواجه المستهلك السوري واقعاً مختلفاً تماماً على موائد الطعام. اللحوم أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر وجبة نادرة، إن لم تكن غائبة بالكامل.
لكن المشكلة لا تتوقف عند التصدير الرسمي وحده. فالثروة الحيوانية السورية تعاني من نزيف آخَر أيضاً لا يقل خطورة؛ التهريب عبر الحدود.
هذا التهريب، الذي ازداد خلال السنوات الماضية بفعل الفوارق السعرية بين الدول المجاورة، يستنزف القطعان بصمت، بعيداً عن الأرقام الرسمية أو الرقابة الفعلية.
وهكذا يجد القطيع السوري نفسه بين مسارين متوازيين من الاستنزاف: تصدير نظامي من جهة، وتهريب غير نظامي من جهة أخرى.
وفي قلب هذه المعادلة يقف المربون أنفسهم، الذين يعيشون ربما أصعب مراحل مهنتهم. فتكاليف التربية ارتفعت بشكل كبير، خاصة أسعار الأعلاف التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على أصحاب القطعان. كما أن المراعي الطبيعية تقلصت بفعل الجفاف وتغيرات المناخ وتراجع المساحات المتاحة للرعي.
في ظل هذه الظروف، يصبح بيع قسم من القطيع– سواء للسوق المحلية أو للتصدير– وسيلة اضطرارية للبقاء بالنسبة لكثير من المربين. لكن المفارقة المؤلمة أن الضغوط الاقتصادية التي تدفع إلى بيع الأغنام اليوم قد تؤدي في النهاية إلى تقليص القطيع غداً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ قطاع يعاني من تراجع أعداد القطعان وارتفاع تكاليف الإنتاج، يُطلب منه في الوقت نفسه أن يلعب دوراً أكبر في التصدير.
ليس المطلوب إغلاق باب التصدير بشكل كامل. فالتصدير يمكن أن يكون أداة مهمة لدعم المربين وتأمين موارد مالية للبلاد. لكن التصدير الناجح في أي دولة يقوم على قاعدة واضحة؛ وجود فائض حقيقي بعد تلبية احتياجات السوق المحلية وضمان استدامة القطيع.
أما في الحالة السورية، فإن غياب الإحصاءات الدقيقة والدراسات الشفافة حول احتياجات السوق يجعل من الصعب التأكد إن كان ما يجري تصديره هو الفائض فعلاً، أم أنه جزء من رأس المال الحيواني الذي ينبغي الحفاظ عليه.
الثروة الحيوانية ليست مورداً سريع الاستبدال. فالقطيع يحتاج سنوات ليكبر ويتكاثر، وأي تراجع كبير في أعداده لا يمكن تعويضه بسهولة.
ولهذا فإن إدارة هذا القطاع تتطلب سياسة زراعية واضحة تقوم على دعم المربين، وتأمين الأعلاف بأسعار مقبولة، وحماية المراعي الطبيعية، والحد من التهريب، إلى جانب وضع ضوابط دقيقة لعمليات التصدير.
أما الاستمرار في التعامل مع الملف بمنطق الصفقات والشحنات المتفرقة، فقد يقود في النهاية إلى واقع تصبح فيه أخبار تصدير الأغنام أكثر حضوراً من وجودها في الحقول والبادية.
وعندها لن يكون السؤال كم رأساً خرج من المرافئ... بل كم رأساً بقي في البلاد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268