الزراعة... الواقع بوادٍ ونشاط الحكومة الإعلامي بوادٍ آخر
نادين عيد نادين عيد

الزراعة... الواقع بوادٍ ونشاط الحكومة الإعلامي بوادٍ آخر

نشرت رئاسة مجلس الوزراء عبر صفحتها الرسمية يوم 14 كانون الثاني الجاري، خبراً عن واقع الزراعة، من خلال ذكر نسبة المساحات المزروعة حتى الآن، وذلك لعدة محاصيل زراعية، منها: القمح والشعير والبقوليات، بالإضافة للمحاصيل الطبية والعطرية...

وجاء في متن الخبر ما يلي: «بلغت المساحة المزروعة بمحصول القمح حتى الآن 1,189,678 هكتاراً، منها 547,765 هكتاراً مروياً و641,913 هكتاراً بعلاً، بينما بلغت المساحة المزروعة بمحصول الشعير حتى الآن 1,146826 هكتاراً في مختلف المحافظات.
مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة، المهندس أحمد حيدر، بين أن كمية البذار الموزعة بلغت حتى الآن 51,249 طناً بذار قمح، و1,862 طناً بذار شعير، لافتاً إلى أنه تمت زراعة 5,979 هكتاراً بالمحاصيل الطبية والعطرية، منها 611 هكتار كمون و426 هكتار يانسون و364 هكتار حبة البركة، و4520 هكتار كزبرة و58 هكتاراً محاصيل مختلفة، مثل: شمرا وزعتر وحلبة ونعنع ووردة دمشقية وغيرها.
وذكر حيدر، أن المساحات المزروعة بمحاصيل البقوليات الغذائية بلغت 86,096 هكتاراً، منها 66,615 هكتار عدس، و5,278 هكتار حمص، و12,925 هكتار فول حب، و1,278 هكتار بازلاء حب.»
ربما يُلاحظ من خلال الحديث عن حجم المساحات المزروعة حتى تاريخ الخبر، حجم الضخ الإعلامي، الذي لا يتعدى كونه دعاية إعلامية اعتدنا عليها، للإثبات أن وزارة الزراعة ماضية- وعلى قدم وساق- في تطوير استراتيجيتها الزراعية، لتحقيق المزيد من النجاحات والتقدم، بما يخص المحاصيل الزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي للمواطن، الذي هو الشغل الشاغل لبال الحكومة ومن وراءها، كما يبدو إعلامياً!
أما خلف الكواليس، فقد واصل القطاع الزراعي الانهيار المتسارع، حتى بات على اعتاب التوقف شبه الكامل، وحتى وصل تعداد المواطنين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى 12,6 مليون، و14،6 مليون مواطن بحاجة إلى مساعدات إنسانية بحسب تقديرات الأمم المتحدة!
كما بات القاصي والداني على دراية أن تلك التصريحات الحكومية لا ترتقي إلى مستوى التصريحات الجدية، ولا تتعدى كونها تلفيقاً إعلامياً ما زالت الحكومة تتبعه ضمن منهجيّتها، ولكنها ارتقت إلى مرحلة أن التلفيق بات على عينك يا تاجر، ودون أي حرج رسمي...

نماذج التفاؤل الحكومي...

التفاؤل الحكومي بأرقام المساحات المزروعة ليس جديداً، فقد تكررت تلك التفاؤلات مراراً وتكراراً، وواحد من تلك النماذج، ملامح موسم القمح الحالي، والتي تنذر بتكرار عثرات أعوامها السابقة، التي طُبّل وزُمّر لإنتاجها بشكل مهول!
فعلى الرغم من التغني والتفاؤل الحكومي خلال السنوات السابقة، وتحديداً منذ موسم 2021، بوفرة المساحات المزروعة، وما ستنتجه من أطنان تفيض وتزيد عن الحاجة المحلية، ما تزال الأفعال الحكومية تثبت- وكما يبدو واضحاً للعيان- أن الواقع بوادٍ ونشاط الحكومة الإعلامي بوادٍ آخر...

أرقام القمح السابقة

حققت سورية قبل سنوات انفجار الأزمة، اكتفاءً ذاتياً على مستوى إنتاج القمح، بالإضافة لمخزون استراتيجي يكفي لمدة عامين، بل وتصدير الفائض عن حاجتنا، حيث وصل إنتاج القمح حينها إلى 4 ملايين طن، وذلك من مجمل المساحة المزروعة والتي تقارب مليون ونصف هكتار...
خلال سنوات الأزمة تراجعت نسبة الأراضي المزروعة نتيجة الأعمال العسكرية الجارية على الأرض السورية...
وبعد إطلاق وزارة الزراعة شعار عام القمح للموسم 2021، وتبني الحكومة له، من خلال إطلاق خطة زراعية، بلغت خلالها مساحة الأراضي المزروعة بالقمح مليوناً و567 ألف هكتار من المساحة المخططة، والبالغة مليوناً و550 ألف هكتار، ووصل إنتاجها من القمح حسب تقديرات حكومية إلى 1,9 مليون طن، بينما الكميات المسوقة حكومياً لم تتجاوز 360 ألف طن فقط.
موسم 2022 لم يختلف عن الخطة الزراعية للعام 2021، والفارق أن كميات القمح المسوقة تراوحت بحدود 600 ألف طن فقط.
وبناءً على جملة النتائج السابقة، هل سيكون موسم القمح للعام القادم 2023، أفضل حالاً عمّا سبقه؟
لقد بلغت نسبة الأراضي المخطط لزراعتها نحو 1,6 مليون هكتار، وهي نسبة مشابهة لمساحة الأرضي المزروعة خلال سنوات سبقت الأزمة، والتي بلغ إنتاجها حينها 4 ملايين طن...
حسب الأرقام السابقة، فإن إمكانية تحقيق إنتاج وفير وفقاً لنسبة الأراضي المزروعة متوفر، والتجربة السابقة تثبت ذلك، ولكن هذا لا يكفي لإنجاح الخطة، حيث هناك الأساس المادي المتمثل بمستلزمات الإنتاج الزراعي، الذي يجب على وزارة الزراعة أن تعمل على توفيره بما يتناسب مع المساحة المخطط لزراعتها، ووضعه على قائمة أولوياتها القصوى، وإلا سيكون الموسم القادم شبيهاً بموسمي 2021 و2022، وتحديداً بما يخص الأسمدة، التي باتت نسبة تأمينها عبر المصارف الزراعية لا تذكر، تاركين المزارع يصارع لتأمينها عبر السوق السوداء، وبأسعارها المرتفعة، بالإضافة للمحروقات اللازمة لعمليات السقاية وغيرها من ضرورات العملية الإنتاجية، خصوصاً أن خنق الدعم الحكومي عن الزراعة قد ترافق خلال السنوات السابقة مع قلة الأمطار والجفاف وتراجع نسبة مياه نهر الفرات، مما حمّل المزارع أعباءً وتكاليف إضافية فوق طاقته، وهذا ما أدى إلى خسارة نسبة القمح البعل بشكل شبه كامل، خلال السنتين السابقتين، وما زاد الطين بلة، أن أسعار التسويق الحكومي خلال المواسم السابقة لم يكن مجزياً، وبالتالي، لم يتم استقطاب كامل كميات القمح المنتجة... وهذا ما يجب الإشارة إليه خلال الموسم القادم!
فعلى افتراض أن التفاؤل الحكومي قد أصاب لهذا الموسم، وكان الإنتاج وفيراً، طبعاً مشروطاً بتأمين مستلزمات الإنتاج المدعومة حكومياً، بالإضافة إلى وضع خطة للحالات الطارئة، كقلة الأمطار وموسم الجفاف، فهل سيتم تقديم التسهيلات للمزارعين لتسليم كميات القمح المنتجة؟ وهل سيتم تسويق القمح حكومياً بأسعار مجزية، تعوّض للفلاح تعب موسم كامل مع ما يتحمله من أعباء إنتاج تلقى على عاتقه، خصوصاً في ظل المنافسة الكبيرة لأسعار التسويق مع التجار والمناطق التي تقع خارج سيطرة الدولة؟!
فبحسب الخبر الرسمي أعلاه، تتركز النسبة الأكبر من الأراضي المزروعة بالقمح في الرقة والحسكة وحلب، وهذا ما يجعل المسؤولية ملقاة على عاتق الحكومة عبر وضع خطة تسويق، تكون عامل جذب لتسليم المزارع قمحه للجهات الحكومية حصراً...
وبغير تلك الخطوات والإجراءات المتمثلة بتوفير مستلزمات الإنتاج حكومياً وحصراً، ووضع تسهيلات وأسعار تسويق مجزية وتنافسية، لا يمكن أن يكون هناك إنتاج وفير، ولا كميات قمح وفيرة مسوقة حكومياً، ولنجد المواطن والمزارع على حد سواء يقفون موقف التشاؤم المبني على معطيات الواقع، ابتداءً من كميات الأسمدة الموزعة عبر المصارف الزراعية، والتي لا تتعدى 3 كيلوات لكل دونم، مروراً بالمحروقات ومأساة توفرها المتكرر عبر الأقنية الحكومية، على عكس التفاؤل الحكومي المبني لا على أساس الواقع، بل الآتي من الفراغ...!!

للبروظة فقط

واقع محصول القمح هو أحد النماذج الكثيرة التي تعبر عن واقع المحاصيل الزراعية المتهتك، والذي يجري مقابله ضخ حكومي تفاؤلي مبني على اللا شيء، ولمزيد من البروظة الإعلامية لا أكثر، وبالمقابل، يغرق السوريين يوما بعد آخر في عداد المعدمين غذائياً، نتيجة لتلك السياسات الحكومية غير المسؤولة عن تنفيذ خططها بما يخدم مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني...!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1106
آخر تعديل على الإثنين, 23 كانون2/يناير 2023 11:24