محاسبة الأطباء لإيقاف ظاهرة الأدوية المهرّبة
رند الحسين رند الحسين

محاسبة الأطباء لإيقاف ظاهرة الأدوية المهرّبة

بالتزامن مع تراجع القطاع الدوائي بشكل ملحوظ، كماً ونوعاً، والصعوبات في تأمين الأدوية، بدأت تنتشر ظاهرة الأدوية المهرّبة بصورة أكبر، على الرغم من المشكلات التي تحيط بهذا النوع من الدواء.

ولضبط ذلك تقرّر العمل على إعداد تشريع لمحاسبة الطبيب الذي يصف أدوية مهربة!
فقد كشف مصدر في المديرية العامة للجمارك عن ضبط كميات كبيرة من الأدوية في مستودع بريف دمشق، وقال إن التحقيقات مازالت جارية حول صلاحية هذه الأدوية ومصدرها، وأنه سيتم اختبار الأدوية بالتعاون مع المخابر المعنية ونقابة الصيادلة.
كما أشارت نقيب صيادلة دمشق الدكتورة وفاء كيشي إلى أن معدلات الأدوية المهربة بالسوق المحلية متدنية جداً ولا تتجاوز 5% ومعظم من يحفز على وجود الأدوية المهربة بالسوق المحلية هم بعض الأطباء الذين يصفون الأدوية الأجنبية والمهربة.

واقع الدواء السياحي

يشير الصيادلة عادةً إلى الدواء المهرّب باسم «الدواء السياحي»، وتتواجد هذه الأدوية في بعض الصيدليات بنسب متفاوتة بين صيدلية وأخرى، كذلك تتفاوت فعالية وأمان وموثوقية هذه الأدوية.
فعلى اعتبار أن هذه الأدوية غير خاضعة للرقابة فقد تكون منتهية الصلاحية، أو قد تتركب من مواد مسحوبة عالمياً من الأسواق بسبب تأثيراتها الجانبية الضارّة، ولكن رغم ذلك فهنالك بعض الأصناف التي أثبتت فعاليتها بالتجربة، ولكن للأسف لا يتوافر منها بديل وطني، بحيث يستطيع الطبيب أو الصيدلاني اللجوء إليه- أي البديل الوطني- على اعتبار أنه لا بدّ خاضع للرقابة، وموثوقيته وأمانه أعلى.
يذكر أن ظاهرة التهريب قد شملت أيضاً حتى تلك الأدوية المسموح باستيرادها بشكل نظامي، ويعود السبب في ذلك حسب مدير الجمارك إلى أن هذه الأدوية منخفضة الجودة، حيث إن معظم ما تم ضبطه غير صالح للتداول، أو يحتوي على تلاعب بالتواريخ والصلاحية.

رأي الأطباء

حمّلت نقابة الصيادلة وزر انتشار «الأدوية السياحية» إلى الأطباء الذين يصفون هذه الأدوية في وصفاتهم الطبية، متناسيةً أو متغافلةً عن سبب تواجد هذه الأدوية في السوق المحلية أصلاً، على الرغم من نسبتها الضئيلة!
بل جعلت من الأطباء وكأنهم شركاء في عمليات التهريب، من خلال العمل على وضع تشريع خاص لمحاسبة الطبيب الذي يصف أدوية مهربة!
مع العلم، وبحسب بعض الأطباء، فإنهم يلجؤون لوصف الدواء الأجنبي في حالات نادرة عادة عندما لا يتوفر البديل الوطني منه، أو عندما لا يثبت فعاليته المطلوبة في العلاج، والغاية من ذلك مصلحة المريض أولاً وآخراً، ولا مصلحة لهم لا مع الصيادلة ولا مع المهربين!
وبحسب بعض الأطباء فإن الدواء الوطني، الأقل كلفة على المريض والأكثر موثوقية وضماناً بالنسبة لهم، مطلوب توافره وبكافة أصنافه، أما بحال عدم توفره، أو بحال تدني مواصفته وجودته، فإن مصلحة المريض هي الفاصل بذلك بالنسبة لهم، وتساءل هؤلاء الأطباء عن نسبة تغطية الدواء الوطني لحاجات العلاج كماً ونوعاً؟
فبعض الحالات المرضية لا يتوفر لها أدوية محلية، وحتى المستورد منها غير كافٍ أو متحكم به، فما الحل بالنسبة للمريض المحتاج للعلاج عند ذلك؟!
بل أكثر من ذلك فإن بعض أصناف الأدوية المحلية يتم تقنين توزيعها على الصيدليات من قبل المعامل المنتجة لأسباب وذرائع مختلفة في كثير من الأحيان، وبالنتيجة تصبح شبه مفقودة، فما العمل بالنسبة إلى الأطباء عند مراجعة المريض لهم بأنه عجز عن إيجاد دوائه المحلي في الصيدليات؟!
هل يجب عليهم الاكتفاء بالصمت عند ذلك، وترك المريض أمام الخيارات المتاحة المتبقية باستفحال مرضه، ريثما ترضى الشركات والمعامل المنتجة لتعيد هذه الأصناف إلى الصيدليات؟
فالمعادلة أعلاه وفقاً لبعض الأطباء مع تحميلهم المسؤولية بالنسبة للأدوية الأجنبية التي يضطرون لوصفها في بعض الأحيان، غير صائبة ولا في مكانها على الإطلاق، ومن المفترض البحث عن حلها بعيداً عنهم، وعن مسؤوليتهم الطبية ذات الطابع الإنساني!

حلول مجتزأة

مع التأكيد على ضرورة منع التهريب، والحد منه على أقل تقدير، فالحدود المفتوحة أمام المهربين، للأدوية وغيرها من المواد والسلع، والصفقات التي تقوم بها شبكات التهريب بالتواطؤ مع بعض الفاسدين، أولى بالاهتمام من مساعي تجريم الأطباء الذين يضطرون للاستعانة بالدواء الأجنبي لمصلحة المريض اضطراراً!
فعلى الرغم من التصريحات الكثيرة التي تصدرها الإدارة العامة للجمارك حول ضبط الأدوية المهرّبة والتشدّد في التعامل مع المهرّبات، إلا أن عمليات التهريب مستمرة دون حلول جدية لها.
فالجمارك تتحمل المسؤولية الأكبر في انتشار هذه الأدوية، إضافةً إلى محدودية الإنتاج الوطني، على الرغم من تواجد أعداد كبيرة جداً من المعامل الدوائية المرخّصة، والتي تقوم بإنتاج أصناف دوائية متشابهة في التركيب، علماً أنّ الإمكانية لتطوير الإنتاج نوعاً، وتوسيعه وزيادته كماً، سواء من ناحية استيراد المواد الأولية أو الخبرات والإمكانات الصيدلانية المؤهلة، موجودة.
فقبل الحديث عن الإعداد لتشريع خاص لتجريم الأطباء الذين يصفون الدواء الأجنبي، لعله من الأولى العمل الجدي على تأمين الأدوية بكافة أصنافها لتلبي الاحتياجات العلاجية لكافة الأمراض، سواء عبر الإنتاج المحلي بالمواصفة والجودة المطلوبة، أو عبر أقنية الاستيراد الرسمي لها!
وهذه وتلك من مسؤولية الحكومة ووزارة الصحة ومعامل الأدوية ومستودعات الاستيراد، التي من المفترض تكامل عملها بما يحقق مصلحة المريض عبر توفير الدواء المضمون مواصفة وجودة، وليست من مسؤولية الطبيب المعالج، بل ولا من مسؤولية الصيدلاني!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1081