قطاع الإنتاج الزراعي والحيواني إلى مزيد من التراجع
نادين عيد نادين عيد

قطاع الإنتاج الزراعي والحيواني إلى مزيد من التراجع

شهدت معظم المحافظات السورية خلال الأيام الفائتة هطولات مطرية غزيرة، ترافقت مع تساقط الثلوج في محافظات عدة، وكان لبعض المدن الساحلية نصيب موجع إثر موجة الصقيع القاسية التي ضربت محاصيلها الزراعية نتيجة انخفاض درجات الحرارة، وما زالت البلاد تحت تأثير المنخفض الجوي.

ما تجدر الإشارة إليه، أن المنخفض الذي عم البلاد كان له تأثير ذي وجهين، أحدهما: انعكس بشكل إيجابي على الزراعة عموماً، والآخر: انعكس سلباً وبشكل حاد على واقع جزء من القطاع الزراعي والحيواني معاً!

قطاع الدواجن ومأساة الصقيع

قطاع الدواجن لم يسلم من موجة الصقيع، وخسائر المربين بالجملة، حيث تزداد الحاجة إلى التدفئة خلال هذه الفترة الشتوية الصعبة على مدار الساعة حفاظاً على حياة الدواجن، وفي ظل صعوبة تأمين مواد التدفئة، ما زالت وعود تأمين المادة جارية بلا تنفيذ على أرض الواقع.
فخلال اجتماع وزير التموين بمربي الدواجن منتصف الشهر الماضي تم قطع وعود لتأمين وسائل التدفئة خلال مدة عشرة أيام، ولم يجرِ تأمينها، والذريعة عدم توافر الفحم الحجري!
وفي ظل استمرار غياب الدعم الحكومي لوسائل التدفئة من الفحم الحجري والمازوت، يبقى الملجأ الوحيد للمربي هو شراء مادة الحطب لتدفئة المداجن، حيث بلغ سعر الطن الواحد ما يقارب الـ 400 ألف ل. س، وقد يحتاج المربي لشراء عدة أطنان وفق السعر السابق خوفاً من أن يمرض الفروج وينفق خلال هذه الفترة الصعبة من السنة.
وعلى العموم، فقد أثرت موجة الصقيع الحالية على الإنتاج وعلى التفقيس، كما أدت إلى زيادة المشاكل المرضية وحدوث نفوق في الفروج، وذلك وفقاً لتصريح عضو لجنة مربي الدواجن الذي بيّن أيضاً «أن إنتاج الدجاج الكبير في العمر انخفض حالياً خلال موجة الصقيع الحالية بنسبة 20% وكذلك إنتاج بيض التفقيس، وبيض المائدة، وحتى تفقيس البيض انخفض، وأضاف: إننا سنشهد نقصاً في نسبة صيصان الفروج خلال الفترة القادمة».

التكاليف مرتفعة وموجة الغلاء على الأبواب

تتراكم الأعباء على المربي، فلا تقتصر على عبء تأمين وسائل التدفئة، بل تمتد لتشمل واقع الأعلاف، حيث وصل سعر الكيلو منه إلى الـ 2000 ليرة، وأما ارتفاع أسعار الأدوية وأجرة الطبيب البيطري فطامة كبرى، فلا يمكن الاستغناء عن زيارة الطبيب البيطري للمداجن مرتين أسبوعياً خلال فصل الشتاء، وأجرة الطبيب تقارب الـ 25 ألف ل.س لكل زيارة، كل ذلك كان سبباً كافياً لتراجع نسبة المربين الذين يعملون في قطاع الدواجن، حيث لا تتجاوز نسبة العاملين فيه الـ 30%، عما كانت عليه!
نلمس مما سبق حجم تأثير تلك التكاليف التي يتحملها المربون على الأسعار نتيجة الموجة الحالية.
فمن البديهي أن تكلفة الإنتاج المرتفعة على جيب المربي ستؤدي إلى ارتفاع سعر المنتج على المستهلك، خصوصاً في ظل قلة الدعم الحكومي، والخاسر في نهاية المطاف جيب المواطن، المنتج والمستهلك، على حد سواء.

المحاصيل الاستراتيجية والتنبؤ المبكر

على جانب آخر، فإن نسبة الهطولات المطرية الأخيرة، قد أنعشت الأراضي الزراعية بمختلف أنواع محاصيلها الزراعية، بعدما عانى المزارع من قلة الأمطار وصعوبات السقاية المكلفة.
كما انعكست الأمطار الأخيرة إيجاباً على الغطاء الرعوي النباتي، علّ وعسى أن يقدم بعض الدعم لمربي الثروة الحيوانية، في ظل الصعوبات التي تواجههم، خصوصاً أن الدعم الحكومي المقدم لا يكفي حقيقةً، الأمر الذي يجعل المربين أمام خيار وحيد، ألا وهو اللجوء لتجار الأسواق الحرة، بهدف استجرار كمية من الأعلاف والأدوية والمحروقات، تتناسب مع الحاجة الفعلية لسير عملية إنتاجهم.
والجدير بالذكر، بعد الهطولات الأخيرة، بدأت التصريحات الرسمية تدلو بدلوها، لتتغنى بالخير الوفير الذي انهال على المحاصيل الاستراتيجية، من «القمح والشوندر السكري».
فقد أكد مدير وقاية النبات في الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب «أن الأمطار الأخيرة أزالت خطر الجفاف عن القمح والشوندر السكري، الذي كان قد شارف الوصول إلى الجذور، وأوضح أن الأمطار ممتازة وأنعشت كل الحقول المزروعة بمختلف المحاصيل».
وكذلك كان حال مدير زراعة الحسكة، حيث يرى أن الهطولات الأخيرة «لها أثر إيجابي على القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، من حيث طوري النمو والإنبات للمحاصيل الزراعية والغطاء الرعوي النباتي الذي سيسهم في دعم مستقبل الثروة الحيوانية، مضيفاً إلى أنه مؤشر خير على المحاصيل الزراعية الاستراتيجية التي ارتفعت معدلات زراعتها قياساً إلى حجم الخطة المقررة لزراعتها».
مما لا شك فيه، أن هذه الأمطار جاءت بمثابة رحمة أنقذت المحاصيل من الجفاف نتيجة شح الأمطار خلال الفترة السابقة، وضعف حيلة المزارعين لتغطية تلك المشكلة عبر السقاية، فمن المعروف أن أعباء تكاليفها أكبر من قدرة المزارع على تحملها.
فتكاليف تأمين المازوت بسعره الحر مرتفعة جداً في ظل غياب الدعم الحكومي لتوفير المازوت اللازم لعملية السقاية في مثل هذه الحالات الطارئة!
لكن من المبكر جداً حسم الأمر، وكأن شبح خطر الجفاف قد زال عن هذين المحصولين الاستراتيجيين مع أول هطول مطري، خصوصاً أن محصول القمح ما زال في بداياته المبكرة جداً، حتى أن خطة الزراعة ما زالت مستمرة ولم تستكمل بشكل نهائي بعد.

ذكّر فقد تنفع الذكرى!

ربما وجب التذكير بالنتائج الكارثية لموسم القمح الفائت التي أدت إلى خسارة 90% من المحصول البعلي نتيجة شح الأمطار بعد الربع الأول من العام الفائت، والفشل الحكومي في إدارة تلك الكارثة.
علماً أن موسم القمح لم يكن الكارثة الأخيرة، حيث تكرر السيناريو أيضاً مع موسم الحمضيات الحالي، فقد تبين أن النوعية المنتجة لهذه العام لا تناسب الشروط والمواصفات الخاصة بالتصدير، وإن سألنا عن سبب تدني النوعية فإنه يعزى إلى قلة الأمطار، وضعف حيلة المزارع على تحمل تكاليف تأمين المازوت بسعره الحر لتغطية عمليات السقاية، مما أدى لانخفاض جودته، فضلاً عن تدني مستوى إنتاجه عن السنوات السابقة.
الكوارث السابقة ناجمة عن فشل الحكومي بإدارة مثل هذه الأزمات والكوارث، رغم إقرار ميزانية سنوية للتقليل من آثار الجفاف والعوامل الطبيعية، عبر الصندوق المحدث لهذه الغاية.
فقد أدت موجة الصقيع، والرياح والتنين البحري، إلى تضرر 535 بيتاً بلاستيكياً بأضرار تتراوح بين 30 إلى 100%، مع العلم أن البيوت المتضررة كانت بمرحلة الإنتاج.
أما عن التعويض فهو محدود وضئيل، ويتم وفق معايير الصندوق، بحيث تكون نسبة الضرر على مستوى القرية هي 1%، على أمل أن يحصل المزارعون المتضررون على التعويض الكافي لإعادة ترميم بيوتهم المحمية، للالتحاق بدورة الإنتاج مرة أخرى. فهل سيتم ذلك، ومتى؟
فالتجارب مع الصندوق الخاص بالجفاف والكوارث مريرة، ليس بسبب قلة التعويضات فقط، بل بسبب التأخر في صرفها، على قلتها!

خطط ورقية وكوارث متشابهة

لا يصعب على من يتتبع نتائج الخطط الحكومية على مستوى القطاع الزراعي استقراء وجه التشابه الكارثي الذي يصيب المحاصيل الزراعية موسماً بعد الآخر، بل والميل نحو المزيد من الانحدار، رغم أن التوصيات والقرارات التي يتخذها الفريق الحكومي، وأرقام الدعم المقدمة وفق الخطة التي يروج لها قُبيل كل موسم، توحي بأن الموسم الآتي سيكون على ما يرام، ويبعث في نفوس المزارعين بصيص أمل علّها ترتقي لمستوى التنفيذ الفعلي!
لكن نهاية المطاف، لا يجدِ التفاؤل عبر الاتكاء على أن موجة الهطولات المطرية مؤشر خير، أو أن تريح الحكومة ضميرها، عبر إقرار الخطط والتوصيات الباعثة للتفاؤل، دونما دور فعلي حقيقي يعزز تنفيذها، كأن تضع الحكومة على عاتقها مهمة تقديم الدعم الحقيقي للمحاصيل، أياً تكن وبشكل جدي، عبر توفير مستلزمات إنتاجها وفق خطة مدروسة وبجدوى اقتصادية حقيقية قولاً وفعلاً، بعيداً عن المزاودة الإعلامية والكلام المعسول، وعبر أرقام تبقى في عهدة التصريحات لا أكثر، كما هو معتاد!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1054