مشاريع المؤسسة العامة للإسكان لمصلحة مَن؟
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

مشاريع المؤسسة العامة للإسكان لمصلحة مَن؟

أعلنت المؤسسة العامة للإسكان، بتاريخ 5/1/2022، عن تخصيص /3033/ مسكناً في مشاريع السكن الشبابي في محافظتي ريف دمشق والقنيطرة ومشاريع السكن(الشبابي والادخار السكني والبرنامج الحكومي للإسكان) في محافظتي حلب وحمص.

المعنيون من الإعلان أعلاه، المكتتبون قيد التخصيص من المواطنين، لم تصل فرحتهم لقرعتهم كما يقال، فالأسعار التخمينية المعلن عنها للمساكن مرتفعة جداً، والأقساط المتوقعة شهرياً عليها أكبر من إمكانات أي منهم، ما يعني اضطرار الغالبية من هؤلاء للتخلي عن حلم عمرهم بالحصول على سكنهم الخاص، والمستفيد من ذلك لا شك هم تجار العقارات وسماسرتها.

المشاريع عديدة والإنجاز محدود

بعهدة المؤسسة مشاريع سكن عديدة، تم الإعلان عنها وجرى الاكتتاب عليها من قبل المواطنين خلال السنوات الماضية، وهي متأخرة بالتنفيذ بحسب المواعيد المعلن عنها عند الاكتتاب، بالإضافة إلى أن مشاريعها، على اختلاف مسمياتها، تعتبر محدودة جداً مقابل الحاجة الفعلية للسكن.
فالمساكن قيد التخصيص بحسب الإعلان أعلاه، والبالغة /3033/ مسكن، هي جزء من مشاريع (السكن الشبابي- الادّخار السكني- البرنامج الحكومي للإسكان) التي تم الإعلان عنها والاكتتاب عليها سابقاً في المحافظات، وهي موزعة على الشكل التالي:
/2080/ مسكناً للمكتتبين على مشروع السكن الشبابي في محافظة ريف دمشق.
/633/ مسكناً للمكتتبين على مشروع السكن الشبابي والادخار السكني والمكتتبين على مشروع البرنامج الحكومي للإسكان في محافظة حلب.
/160/ مسكناً للمكتتبين على مشروع السكن الشبابي والمكتتبين على مشروع الادخار السكني والمكتتبين على مشروع البرنامج الحكومي في محافظة حمص.
/160/ مسكناً للمكتتبين على مشروع السكن الشبابي في محافظة القنيطرة.
ومن الواضح أن هذه الأعداد من المساكن قيد التخصيص في محافظات (ريف دمشق- حمص- حلب- القنيطرة) تعتبر قليلة جداً، ليس بالمقارنة مع أعداد المكتتبين طبعاً، بل بالحاجة الفعلية إلى مشاريع سكن وإسكان تحل جزءاً من أزمة السكن المزمنة والمستعصية منذ عقود، والتي يدفع ضريبتها المفقرون، ويستفيد منها حيتان الثروة والفساد.
التفاصيل المرعبة.. المتر المربع بمليون ليرة
وجهت المؤسسة، بحسب الإعلان، دعوة إلى المكتتبين من أجل مراجعة فروعها للاطلاع على الجداول الاسمية وجداول العمارات ومواعيد جلسات التوزيع العلنية لاختيار المساكن التي ستعقد اعتباراً من صباح يوم الثلاثاء الواقع في 18/1/2022 أو زيارة الموقع الإلكتروني للمؤسسة.
وبالعودة إلى جدول بيان المساكن المزمع تخصيصها في ريف دمشق- الديماس، وقيمها التخمينية، يتبين أنّ أسعارها تبدأ من 55 مليون ليرة تقريباً، وتصل إلى أكثر من 96 مليون ليرة، وبمساحات 91- 92 متراً مربعاً لكل شقة، أي إن وسطي سعر المتر المربع يتراوح بين 604 آلاف ليرة، ليصل إلى أكثر من مليون ليرة.
ولم يتبين ما إذا كانت المساكن قيد التخصيص مكسية كلياً أو جزئياً، وما هي المدة المتبقية للاستلام النهائي لها، وبجميع الأحوال فهي بحاجة لإضافات إكساء من كل بد، وهي مكلفة طبعاً، وعامل الزمن لحين الاستلام النهائي له قيمته أيضاً.
وبغض النظر عن ماهيّة الإكساء والمدة المتبقية للاستلام النهائي، فإن الأسعار التخمينية المعلن عنها من قبل المؤسسة بحسب جداولها المعلنة تعتبر مرتفعة، وهي على ذلك ستكون مهمازاً لرفع أسعار العقارات بجميع المحافظات عموماً، ومبرراً لهذا الرفع والاستغلال فيه من قبل تجار العقارات.

6 أعوام تأخر حتى تاريخه

تجدر الإشارة إلى أن غالبية المدعوين للتخصيص كانوا قد اكتتبوا على السكن الشبابي في عام 2004، على أن تكون مدة التنفيذ 12 عاماً، أي من المفترض أن يكونوا قد استلموا مساكنهم منذ عام 2016، ومع ذلك فهؤلاء مدعوّون إلى جلسات تخصيص وليس للاستلام، أي هناك فترة زمنية ما زالت أمامهم لانتظار الاستلام النهائي، قد تطول أو تقصر، وبالحد الأدنى فقد تأخرت المؤسسة على هؤلاء ستة أعوام حتى الآن!
هذه الأعوام الزائدة من الانتظار، وبغض النظر عن تبريرات المؤسسة وذرائعها عن تأخر التنفيذ، تعتبر خسارة فادحة بالنسبة للمكتتبين، فكيف مع إضافة الفارق السعري الذي فُرض عليهم بحسب الأسعار التخمينية المعلن عنها؟!
فهذه المدة من التأخر في التنفيذ تتحمل مسؤوليتها المؤسسة، أما أن يتم تحميل أوزارها، ناحية التكاليف والسعر التخميني والأقساط الشهرية، إلى المكتتبين فقط ففيه الكثير من الإجحاف بحق هؤلاء.

أحاديث المنكوبين

أحد أصحاب العلاقة، من المكتتبين قيد التخصيص، علّق على صفحة المؤسسة بما يلي:
«خلينا نحسبها حسبة بسيطة، لما قبل 2011 والدولار 50 دفعنا بـ 2004 دفعة 60 ألف، وعم ندفع كل سنة 24 ألف لمدة 8 سنين، بيطلعوا 192 ألف +60 ألف دفعة بيطلعوا 252 ألف، بنقسمهم على 45 سعر الدولار، بيطلعوا 5600 دولار.. ودافعين من 2012 حتى 2021 تقريباً مليون سوري بسعر تصريف متفاوت.. لك إذا قسمناهم على 2500 سعر الصرف بيطلعو 400 دولار أقل شي.. صار مجموع المدفوعات 6000 دولار بنضربهم بـ 3500 بيطلعو 21 مليون سوري.. وصرلهم معكم 17 سنة عم تشغلوهم، مسامح ما بدنا أرباح.. ولنرجع لتقييم المسكن بـ 2011 كان 900 ألف سوري.. قسمهم على 50 بيطلعو 18 ألف دولار، وكان كسوة كاملة.. بنضربهم بـ 3500 بيطلعو 63 مليون بسعر اليوم.. بنّقص منهم 25 مليون تكلفة الكسوة، بيضل 38 مليون.. وبنخصم اللي دافعينهم 21 مليون، بيبقى 17 مليون.. وهية اللي لازم ندفعها من باقي حق بيت الأحلام اللي بباريس، واللي صرلنا 17 سنة ناطرينو.. مع العلم التخمين السنة الماضية كان بـ 17 مليون وسعر الصرف 3500 نفسو ما تغير.. فبأي منطق مسعرين البيوت.. ياريت توضيح من المؤسسة، لأن بهالشكل بدها ترتفع أسعار البيوت 300 بالمية.. وهاد بينافي خطة الدولة للاستقرار ودعم العودة للشباب اللي ضاع مستقبلو بالحرب أولاً، وبسياسة المؤسسة حالياً!».

مكتتب آخر علق بالتالي:

«ياجماعة ما قدرت نام.. كيف ما حسبتها ما عم تزبط معي.. بيت تخمينو صار ستين مليون.. يعني مطلوب دفعة الإبرام الثلث يعني عشرين مليون.. ضل أربعين مليون.. إذا بدي قسطن على خمس وعشرين سنة صاروا ثمانين مليون.. تقسيم ٣٠٠ معقول القسط 266,000 ليرة.. منين الواحد بدو يجيب عشرين مليون دفعة و266,000 كل شهر.. وبالآخر بيسلمونا بيت كسوة 60%.. يا ترى أديش اتأذت الأرقام.. وأديش استفاد يلي تخصص هديك السنة؟!».

منكوب إضافي علق بالتالي:

«صارت الإسكان أغلى من تجار السوق السودا.. مسكن في الديماس بتخمنوه بستين مليون.. ودفع حوالي 300 ألف بالشهر.. وهاد سكن شبابي.. مين الشب يللي معو هيك مبلغ.. والأرض ببلاش وصرلكم متأخرين كذا سنة بالتسليم ونقلتونا من قدسيا للديماس؟!».
ربما لا داعي لأية إضافة على تعليقات المكتتبين وأحاديثهم، فهي واضحة ومحقة ومشروعة في تحميل المؤسسة مسؤولية التأخير وزيادة الأسعار.

لمصلحة الحيتان فقط

من الواضح أن الأسعار التخمينية والأقساط الشهرية المترتبة فوق قدرة الغالبية من هؤلاء المكتتبين، ما يعني أن بعضهم، بل غالبيتهم، سيضطر للتخلي عن تخصيصه، وعن حلم عمره في امتلاك مسكنه الخاص، وطبعاً لصالح من يستطيع تحمّل دفعة التخصيص المقدرة بـ 20 مليون ليرة، والقسط الشهري الذي سيتجاوز 260 ألف ليرة، أي لتجار العقارات وسماسرتها، ومن الملاحظ أن هؤلاء بدأوا ينشطون باستقطاب المكتتبين المنكوبين العاجزين عن تحمل هذه الأعباء.
فمشاريع المؤسسة العامة للإسكان، بمختلف مسمياتها وفي مختلف المحافظات، فقدت جوهرها وغايتها، وفقاً للأسعار التخمينية المعلنة وبحسب التعليمات التي تفرض تسديد ثلث القيمة عند التخصيص، حيث باتت تصب بمصلحة حيتان تجار العقارات وسماسرتها، بشكل مباشر عبر الاستحواذ على غالبية المساكن المنفذة بهذه المشاريع من قبل هؤلاء، وبشكل غير مباشر عبر الاستفادة من رفع الأسعار الرسمية للعقارات من قبل المؤسسة.
فكل أحلام المفقرين بامتلاك بيت العمر ساهمت المؤسسة بوأدها عملياً من خلال ممارساتها، وآليات عملها، وتحللها من مسؤولياتها، طبعاً مع مؤازرة وتغطية حكومية منقطعة النظير، تتوافق عملياً مع السياسات التمييزية والطبقية المعتمدة من قبلها، والمعمول بها عملياً منذ عقود!
فهل هذا هو الدور المفترض للمؤسسة العامة للإسكان؟
وهل هذه الآلية من السياسات التنفيذية ذات المحتوى التمييزي والطبقي يمكن الاعتماد عليها لحل أزمة السكن المزمنة والمستعصية؟

دعوة للاعتراض والمطالبة بالإنصاف

تداولت إحدى الصفحات الخاصة، التي تتابع مشاريع المؤسسة العامة للإسكان، باسم «عقارات ضاحية قدسيا والسكن الشبابي»، وغيرها من الصفحات الأخرى، نموذج اعتراض على الأسعار التخمينية المعلنة من المؤسسة، بغاية تعبئته من قبل المكتتبين المدعوين للتخصيص في منطقة الديماس، كي يقدمه كل منهم باسمه إلى المؤسسة العامة للإسكان.
وللتذكير فإن مجموع هؤلاء /2080/ مكتتباً مدعواً للتخصيص بحسب الإعلان أعلاه.
وقد تضمن الاعتراض المتداول، بالإضافة إلى تفنيد عامل الزمن والسعر وبشكل مفصل، وتحميل المؤسسة مسؤولية الضرر الذي لحق بالمكتتب جرّاء ذلك، مطلب الإنصاف بمعاملة المكتتب كما تعامل المؤسسة نفسها على مستوى حساب وتدوير الدفعات اعتباراً من عام 2004، والمطالبة بالنهاية بالتراجع عن قرار سعر التخمين المعلن، كونه مخالفاً لشروط التعاقد المبرم مع كل من هؤلاء.
كذلك فقد جرى الحديث من قبل البعض من هؤلاء حول رفع دعاوى قضائية على المؤسسة بغاية إنصافهم أيضاً.
ولعله من حق هؤلاء اللجوء إلى أية صيغة قانونية تمنع عنهم الحيف والإجحاف الذي لحق بهم بعد طول انتظار، سواء عبر نماذج الاعتراض بحال التجاوب معها طبعاً، أو عبر اللجوء إلى القضاء.
فهؤلاء أصحاب حق، وباتوا منكوبين بوأد حلمهم المشروع بسكن خاص، جراء تقصير المؤسسة وعدم تقيدها بالتزاماتها تجاههم.

1053-22

معلومات إضافية

العدد رقم:
1053
آخر تعديل على الجمعة, 21 كانون2/يناير 2022 21:20