الكهرباء.. خصخصة جزئية جديدة نحو الاستكمال
عبير حداد عبير حداد

الكهرباء.. خصخصة جزئية جديدة نحو الاستكمال

بات الاتجاه العام واضحاً للحكومة خلال العقد الماضي نحو خصخصة القطاعات الحكومية، بشكل مباشر وغير مباشر، بما في ذلك الهامة والسيادية، بل وزادت نماذج خصخصة العديد من المنشآت خلال السنوات الأخيرة لتأخذ شكلها الفج للعام 2021، عبر المزيد من المساس بصالات السورية للتجارة، ولم يكن آخرها قطاعا الكهرباء والصناعة، بذرائع تبتكرها الحكومة وتدعمها بقراراتها التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكل ذلك لخدمة مصالح الناهبين الممسكين بعماد نهب المواطن والاقتصاد الوطني، والآتي أعظم!

ويتوازى ذلك مع مسلسل تخفيض الدعم وارتفاع الأسعار المتتالي، والذي وصل إلى حد الإجحاف بحق المواطن، لتجتمع كل تلك المسببات وتزيد من طحن المواطن يوم بعد آخر، ولكل ذلك مسوغات جاهزة منها «الحصار والعقوبات- ارتفاع أسعار الشحن والنقل عالمياً- عدم تحقيق جدوى اقتصادية...».


مشروع شراء الكهرباء

الواضح من خلال المعطيات الحكومية لواقع القطاع الكهربائي، أنه لن يُستثنى من آفة الخصخصة، التي ستضربه لتجهز على المواطن شيئاً فشيئاً.
فخلال الشهر الماضي صدرت 3 قرارات، والتي كان أولها: تعديل تعرفة استهلاك الكهرباء التي صدرت عن الوزارة، حيث ارتفعت التكاليف على مستهلكي الطاقة بين ما يقارب 100 إلى 800%، ليتلوها: التعديل الذي أجرته وزارة الكهرباء على قرار إعفاء الصناعيين من التقنين الكهربائي الصادر عام 2016، حيث أصبحت التعرفة الجديدة 300 ليرة سورية للكيلو واط الساعي، بعدما كانت التكلفة 42 ليرة سورية للكيلو واط الساعي، أما المعفيون جزئياً فيحتسب الكيلو واط بـ225 ليرة سورية، ويعفى من ذلك المستهلكون الصناعيون في المدن الصناعية في عدرا وحسياء والشيخ نجار، ومنشآت القطاع العام، وآخرها: المرسوم التشريعي رقم 32 يوم 28 من الشهر الجاري، الذي يعتبر بوابة مشرعة عنوانها خصخصة إنتاج الطاقة الكهربائية.
المرسوم الصادر هو تعدل للمادة 28 من القانون رقم 32 لعام 2010، التي كانت « تسمح بشراء الكهرباء المنتجة من المشاريع الصغيرة التي لا تتجاوز استطاعة كل منها 10 ميغا، والتي ترتبط فقط على شبكة التوزيع، لتصبح بعد التعديل كما يلي: «يجوز شراء الكهرباء المنتجة من مشاريع الطاقات المتجددة التي تصل استطاعتها إلى 100 ميغاواط وأكثر، والتي يمكن ربطها على شبكة النقل، أو شبكة التوزيع، إذا توفرت الإمكانات الفنية لذلك، وحسب القواعد والشروط والاستطلاعات التي تضعها المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، وتعتمدها الوزارة بأسعار محددة تصدر بقرار من مجلس الوزراء في الحالات الآتية:
• فائض إنتاج المشتركين والمشتركين الرئيسيين الذين يعتمد استهلاكهم أساساً على الكهرباء المنتجة من مصادر توليد الطاقات المتجددة الخاصة بها.
• الكهرباء المنتجة من مشاريع الطاقات المتجددة المرخصة التي يمكن ربطها على شبكة النقل أو شبكة التوزيع».


عين على القرارات السابقة ومآلاتها

إن التعديلات سابقة الذكر، التي تخبرنا أن من يمتلك المال يحصل على كهرباء بلا تقنين، وإلا فلتعيش بظلام الساعات الجائرة، وكان آخرها المرسوم 32 الذي أدخل إليه تعديل على حجم الاستطاعة المنتجة بـ 100 ميغا وما فوق، والتي تركتها الحكومة مفتوحة، ولم تحدد الجهات المستثمرة أيضاً، الأمر الذي يعني أن الجهات المستثمرة قد تكون «محلية أو أجنبية».
إن مثل هذا المرسوم يفتح على قطاع الكهرباء أبواب الخصخصة الفضفاضة، خصوصاً أنه لم يلزم الشركات المستثمرة بحجم استطاعة محددة، بل وترك الاستثمار مفتوحاً، وهذا إن كان حالياً تحت شروط  تضعها المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، وبأسعار أيضاً تحددها،  فإنه لاحقاً قد يزيد عدد وحجم الشركات المستثمرة في القطاع، ما يعني أنها ستصبح المتحكمة بإنتاج الطاقة الكهربائية نظراً لزيادة إنتاجها أولاً، ولعدم تأسيس محطات حكومية إضافية كي تسد العجز بالإنتاج كي يكفي الحاجة الفعلية، ولتصبح الكرة بملعبها بالنتيجة، ولتنتزع الدور الكامل في الحلقة، من الإنتاج  إلى التوزيع والنقل والتحكم بسعر المبيع، وربما الجباية آخراً، وبمعنى آخر، ستتحول من مستثمر إلى مالك أساسي وكبير لقطاع الطاقة الكهربائية، فهذا ما علمتنا إياه التجارب بإسقاطها على تجربة الخصخصة التي طالت قطاع الاتصالات عبر شركات الاتصالات الخلوية، أو مزودات خدمة الإنترنت، التي باتت تحاصص قطاع الاتصالات، ليذهب الجزء الأكبر من أرباحها في جيوب المستثمرين الكبار، وعلى حساب المستفيدين من خدماته.


الأمبيرات ستزداد توحشاً

الأمبيرات أيضاً، خير مثال على الخصخصة المبطنة التي اعتزمت الحكومة إسقاطها على قطاع الكهرباء في بعض المناطق، والتي كان المتضرر الأكبر منها أهالي محافظة حلب منذ أيام الأزمة الأولى، وحتى يومنا هذا، بل وامتدت المعاناة لتشمل سكان بعض مناطق ريف دمشق أيضاً، بالإضافة لبعض المدن الأخرى بدرجات متفاوتة، حيث رفعت الجهات المعنية يدها عن حل مشكلة الأهالي تاركةً إياهم رهن تحكم تجار الأمبيرات، فهم القائمون على عمليات التوزيع والنقل والتسعير والجباية، بعيداً عن الرقابة أو المساءلة القانونية، ومن البديهي أنه مع التعديل الأخير الذي طرأ على المرسوم التشريعي رقم 32 ستزداد سطوة أصحاب الأمبيرات، وربما تتوسع أعمالهم أكثر فأكثر في ظل غياب دور مؤسسات الكهرباء بشكل شبه كامل.


كهرباء 24/24 ماذا عن التكلفة؟

التعديل الذي أجرته وزارة الكهرباء على قرار إعفاء الصناعيين من التقنين الكهربائي لتصبح التعرفة الجديدة 300 ليرة سورية للكيلو واط الساعي، بعدما كانت التكلفة 42 ليرة سورية، وبغض النظر عن القرار بتكلفته المرتفعة للكيلو واط، فإن إمكانية استفادة الفئات المتوسطة من الصناعيين شبه مستحيلة، نظراً لكلفة كل واحد كيلو من هذه الخطوط لحدود 300 مليون ليرة وفق التكاليف الحالية، موزعة على نحو 100 مليون ليرة لمركز التحويل، ونحو 90 مليون ليرة للخلية الكهربائية، و120 مليون ليرة كلفة الكبل طول واحد كيلو متر، يبقى الجانب الأهم من هذا التعديل هو: التسويق الحكومي لقيمة تكلفة الكيلو واط المحددة بـ 315 ليرة سورية، وترويج للفارق بين كلفة الكيلو واط المنزلي المدعوم وسعر التكلفة الذي تتحمله الحكومة، خصوصاً بعد قوننة خصخصة الإنتاج الكهربائي عبر المرسوم 32 ليتم استثماره وبيعه، ربما وفق ما يوازي السعر الحالي المحدد بـ 300 ليرة للكيلو واط.
ويبقى السؤال الأهم: هل فعلاً التصريحات الرسمية التي تتحدث عن تكلفة الكيلو واط، المحدد بـ 315 ليرة هي تكلفة حقيقية، أم أنها تبرير لباب نهب جديد مقونن؟
ومن باب المقارنة بين أسعار الكيلو واط مع دول الجوار ذات الظروف المشابهة وفقاً لموقع Global petrol prices، بعد المقارنة نجد أن وسطي الكيلو واط المنزلي محلياً، المقدر بـ 32,6 ليرة سورية وسطياً، يعتبر أعلى تكلفة وفقاً للجدول للتالي:

fullscreen-capture-06122021-030634-


أما سعر الكيلو واط الصناعي محلياً المحدد بـ 120 ليرة، أي أن تكلفته أعلى من الدول التالية وفقاً لذات المواقع:


fullscreen-capture-06122021-030722-

المواطن وتخفيض الدعم والخصخصة

لم تتوانَ الجهات المعنية منذ عقد مضى عن انتهاز الفرص لتنفيذ سياسة تخفيض الدعم بأشكالها المتعددة، بدءاً من الغاز إلى المحروقات فالمواد التموينية وحتى الكهرباء والتعليم... بالإضافة للدراسة الأخيرة التي تجريها الحكومة لتحديد من سيستبعد من الدعم الكامل، دون وجود خطط بديلة واضحة، تنتشل المواطنين من آفة الفقر المدقع، الذي أوصلته إليه الحكومة بطرق ابتدعتها، لتزيد من فرص النهب وحجمه لصالح الحيتان المتمترسين بقرارات الحكومة الرسمية، وكأنها تعمل وفق المثل القائل «مقسوم لا تاكل وصحيح لا تقسم وشباع إذا بتشبع»، ولتكمل كل ذلك عبر مسيرة الخصخصة، التي سيدفع ضريبتها المواطن والاقتصاد الوطني.

 

(النسخة الانكليزية)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1047
آخر تعديل على الثلاثاء, 28 كانون1/ديسمبر 2021 13:14