تعدد جهات التسعير والرقابة على الخدمات والسلع
سمير علي سمير علي

تعدد جهات التسعير والرقابة على الخدمات والسلع

جهات رسمية عديدة، لها علاقة مباشرة بالمواد والسلع والخدمات، سعراً ومواصفةً وجودةً، إلا أن كثرة هذه الجهات، لم تعف المواطن، لا من ارتفاع الأسعار المستمر دون توقف، ولا من سوء المواصفة أو تدني الجودة، ولا حتى من انتشار الغش والتقليد بشكل كبير.

 

وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، مع مديرياتها المنتشرة في كل المحافظات، مع عناصر ما يسمى بحماية المستهلك، هي الجهة الأولى الأساسية المسؤولة عن مراقبة الأسعار وضبطها، كما عن المواصفة والجودة، وغيرها من المسؤوليات الأخرى، ولكنها بالمقابل ليست الوحيدة المسؤولة عن ذلك.

كبار التجار والفاسدون هم المستفيدون

الكثير من الجهات العامة الأخرى، وزارات ومؤسسات ومديريات، لها دور مباشر أو غير مباشر، بتسعير السلع والخدمات، كما بمراقبتها والمحاسبة عليها، ولعل ذلك يعتبر من المغيبات التي تعتبر سبباً رئيسياً بالانفلات الجاري، على مستوى السلع والخدمات بالأسواق، والتي يعمل من خلالها، ويستفيد منها كبار التجار والمستوردون والفاسدون، مستغلين الكثير من الثغرات، بين الصلاحيات الممنوحة لكل جهة على حدة، ليدفع المواطن بالنتيجة مغبة هذا التداخل، والتغييب السلبية.

الواقع العملي، يقول: أنه لا توجد جهة تسعيرية مركزية واحدة للسلع والخدمات، كما لا تقتصر عملية الرقابة والضبط على جهة واحدة أيضاً، على الرغم من الحديث كله عن دور وزارة التجارة الدخلية ومديرياتها بالمحافظات.

(الكهرباء- الصحة- المياه- الاتصالات- النفط- السياحة- المحافظة- الاقتصاد- الجمارك) وغيرها، تعتبر جهات مسعرة للخدمات والسلع، سواء بشكل مباشر ورسمي، أو بشكل غير مباشر (تأشيري)، كما لدى جزء كبير من هذه الجهات، كوادرها المختصة بالرقابة على الجودة والسعر، كما وبضبط المخالفات إن وجدت.

تنافس وتناحر

واقع الحال يقول: أن هناك تنافساً بين هذه الجهات على مستوى عمليات التسعير والرقابة أحياناً، مع ما يستتبع ذلك من تناحر على مستوى المنافع، والمكاسب المتحصلة من هذه المهام، مع عدم إغفال أوجه الفساد، التي يستفيد البعض منها جراء هذه المنافسة والتناحر.

بالمقابل واقع الحال يقول أيضاً: لو أن هناك تكاملاً بالعمل بين هذه الجهات، بكوادرها ومهامها المتداخلة، كان من الممكن أن يتم ضبط الخدمات والأسعار بشكل أفضل مما هي عليه الآن، وبما يحقق مصلحة المواطن بنهاية المطاف، حيث أن مجموع العاملين المكلفين بهذه المهام، على مستوى هذه الجهات مجتمعة يعتبر كبيراً جداً، حيث تغيب معها ذرائع نقص الأعداد، التي تتحدث عنها بعض الجهات بشكل منفرد، وخاصة وزارة التجارة الداخلية.

تضييع مصلحة المواطن

علماً أنه لو توفرت الإرادة، لكان من الأفضل أن يتم حصر موضوع التسعير للخدمات والسلع بجهة واحدة رسمية مركزية ومسؤولة، مع الإبقاء على تعدد جهات الرقابة، وضبط المخالفات حسب الاختصاص، بدلاً من هذا التشعب كله، الذي يُضيّع المسؤوليات، كما يُغيّب بالنتيجة مصلحة المواطن، بالحصول على سلعة، أو خدمة ذات سعر ومواصفة وجودة موحدة ومعتمدة، بظل هذا التعدد والتشابك بالمهام والاختصاص بين هذه الجهات العامة كلها.

ولعل ذلك ينسجم مع السياسات الليبرالية المتبعة والمقرة، والتي تفضل دائماً مصلحة كبار التجار والمستثمرين والمستوردين، على مصلحة المواطن، كما أنه ليس من مصلحتها أن يكون هناك جهة واحدة تمتلك تلك القاعدة من البيانات، ولو كانت حكومية ورسمية، والتي بحال توفرها، لخرج موضوع التسعير والجودة والمواصفة، مع ما يرافقه من قضايا أخرى، عن حيز المتكتم عنه، وعليه إلى حيز الشفافية والنور وحسن المتابعة والرقابة، وهو ما يتعارض مع أدوات ووسائل التهرب من المحاسبة والرقابة وضبط المخالفة كلها، اعتباراً من التهرب الضريبي، مروراً بالتهرب من الرقابة، وصولاً لكسر الاحتكار، وغيرها من الجوانب المتعلقة الأخرى.

استثمار التقانة الرقمية

مشكلة عدم تطبيق التسعير المركزي، للسلع والخدمات كافة كانت مبررة سابقاً على المستوى الرسمي، بظل الكثرة المتكاثرة من التشكيلات السلعية والخدمية المتوفرة والمعروضة والمتزايدة يوماً بعد آخر، وعدم التمكن من حصرها وتبويبها من قبل جهة واحدة، ولكن مع التطور التقني والرقمي الجاري، وبظل إمكانية خلق قواعد بيانات قابلة للتحديث، مع كل متغير، زماني أو مكاني، نوعي وجزئي أو كلي، حسب المصدر أو تاريخه، مع الإمكانية المستمرة للمقارنة وتتبع المتغيرات، وخاصة على مستوى التكاليف ومتغيراتها المستمرة، عبر القاعدة البيانية نفسها، وبظل اعتماد نسب واحدة لهوامش الربح المعتمدة لكل سلعة أو خدمة، كما للضرائب والرسوم المفروضة، وغيرها من الثوابت الأخرى القابلة للتطبيق، وفق قواعد البيانات المعتمدة برمجياً، والقابلة للتحويل بشكل رقمي مؤتمت ومؤرشف، ومؤمن إلى الجهات الحكومية المركزية المعنية الأخرى، سواء كانت رقابية أو حتى قضائية، فإن موضوع التسعير المركزي، يخرج عن كونه مبعثراً وعشوائياً، وقابلاً للتلاعب والاستفادة المنفعية من هذا الطرف أو ذاك، ليصبح قابلاً للاعتماد على مستوى المخرجات الأهم، والمتمثلة بالإحصاءات والدراسات الاقتصادية، وغيرها من القضايا، التي لها علاقة مباشرة بالمساعدة على اتخاذ القرار، وهو أساس الاعتماد على التقانات الحديثة، بحال الرغبة بحسن استثمارها.

فهل من الصعب العمل على هذا المشروع، وتهيئة الأرضية القانونية والتشريعية والتقنية والتمويلية اللازمة، لنصل بالنتيجة إلى قاعدة بيانات عامة وشفافة تشمل: (السعر والمواصفة والجودة)، وقابلة للتحديث عند كل متغير، وتكون مرجعية لدى الجهات الرقابية، كُلّ حسب اختصاصاتها، بعيداً عن هذا التشعب والتنافس غير المبرر كله، والذي يحصد المواطن نتيجته سلباً، على مستوى المزيد من الاستنزاف بالسعر والمواصفة والجودة، بل وعلى حساب صحته أحياناً.

أم أن ذلك يتعارض مع التوجهات الليبرالية للحكومة، التي تعمل دائماً على «تغطية السموات بالقبوات»، بضوء محاباتها لمصلحة كبار التجار والمستوردين والفاسدين، في البلد أو بخارجه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
790