على هامش المرسوم 61 قبل وبعد التعديل الحكومي: نار الغلاء تحرق الأخضر واليابس

مع انتهاء إعداد مواد هذا العدد، تم التعديل الحكومي الأخير.. وإن كنا نتمنى للوزراء الجدد النجاح في مهمتهم التي يجب أن تُكرس لخدمة الشعب، إلاّ أن السؤال يظل قائماً: هل يكفي تغيير بعض الوجوه لتحسين السياسات التي يتطلب بعضها تغييراً جذرياً؟!.. تظل الحكومة، قبل وبعد التعديل، مسؤولة عن مآل الأمور، وخاصة الاقتصادية ـ الاجتماعية في البلاد...

مع اقتراب حلول شهر رمضان الذي كان ولايزال يعد فرصة سنوية للانتهازيين من كبار وجهاء البرجوازية الطفيلية للتحكم بأرزاق الناس وطعامهم وشرابهم وحاجياتهم المتنوعة، قفزت الأسعار بصورة كبيرة ومفاجئة، وطال ارتفاعها معظم السلع والمواد، وخاصة تلك التي يشتد عليها الطلب في هذه الأيام. وقد جاء هذا الغلاء «المدروس» مرافقاً ومواكباً للمرسوم 61 الخاص بالإنفاق الاستهلاكي، فبعيد صدور المرسوم الذي أثار الكثير من الجدل وخلق العديد من الأسئلة حول ضرورته وجدواه وتوقيت صدوره، شهدت الأسواق السورية للمفرق غلاءً كبيراً تجاوز في بعض الأحيان نسبة 50% وتشتد المخاوف من إمكانية تزايد هذه النسبة واتساعها، لتشمل سلعاً ومواد أخرى.

فمنذ صدور المرسوم 61 القاضي بفرض رسوم محددة على الإنفاق الاستهلاكي والذي شمل مجموعة من السلع الاستهلاكية والكمالية، عمت الفوضى الأسواق المحلية، وبدأت أسعار الكثير من المواد بالارتفاع تباعاً وبشكل متدرج، ثم تفشت حمى الغلاء في كل مكان، وانتشرت بشكل سرطاني، لتشمل معظم السلع الأساسية. ثم ما لبثت الشائعات أن تزايدت بين الناس وراح البعض يحكي في احتمال زيادة أسعار المحروقات، وخاصة المازوت، ورشح آخرون احتمال غلاء أسعار الخبز...إلخ، حدث كل ذلك والمسؤولون الحكوميون بمختلف وزاراتهم يتفرجون صماً بكماً عاجزين، وكأن مايحدث هو جل مايتمنونه ويسعون إليه، ولم لا طالما أنه ومنذ فترة طويلة جمدوا كل رقابتهم على الأسواق والأسعار، ولم يبادروا لوضع سياسة سعرية ثابتة وواضحة تنظم العلاقة بين تجار الجملة وتجار المفرق والمستهلك، وتلجم جشع السماسرة والمحتكرين وكبار المتنفذين المتحكمين بالتجارة الداخلية، كما أنهم تركوا الأمور على غاربها فيما بتعلق بالفواتير وإعلان الأسعار والمضاربات غير المشروعة، ناهيك عن تملصهم الدائم من حل المشكلات الناشئة، الناتجة عن التقلبات والهزات التي تصيب الأسواق من وقت لآخر.

وإذا كان كل ذلك لايشكل سوى مقدمة بسيطة وأولية لسياسة تحرير الأسواق التي تؤمن بها الحكومة وتعدها الأسلوب الأمثل للنشاط الاقتصادي، فلا غرابة في أن تبقى متفرجة على المشهد الاقتصادي المتأزم والذي سيتفاقم أكثر وأكثر في الأيام القادمة، وتعتبره طبيعياً وعادياً، وأن لاتفكر باتخاذ أي إجراء لمعالجته ووضع حد للغلاء، باعتبار أن ذلك سيكون خرقاً لمعتقداتها الجديدة الراسخة.

المرسوم .. الحكومة.. الأسعار

إن أبسط قواعد التشريع، هي سؤال ذوي الخبرة والكفاءة قبل سن قانون ما، أو إصدار قرار أو اعتماد خطة، لكن معدي مشروع المرسوم 61 الذين يرون أنفسهم أكفاء و «عصريين» ووطنيين، لم يكلفوا خاطرهم بسؤال الاختصاصيين كما أنهم لم يستشيروا أصحاب الشأن والعلاقة قبل رفع المشروع إلى رئيس الجمهورية، وبعد صدور المرسوم أتبعوه بتعليمات توضيحية جاءت لتزيد الطين بلة، وماقضية «وسم الذهب» إلا دليل على ذلك (راجع المقال المجاور) ومع ذلك فالمشكلة ليست بالمرسوم بحد ذاته، فهو لم يطل سوى بعض السلع، وإنما المشكلة بالفوضى «المدروسة» التي رافقت صدوره، ففي ظل غياب كل اشكال الرقابة التموينية للحكومة، وترك الأسواق لقوى السوق لتتحكم بها كيفما تشاء، نشط الانتهازيون أصحاب الحل والربط، وراحوا يفرضون الأسعار التي تناسبهم، واحتكروا سلعاً، وسوقوا سلعاً أخرى، مستفيدين من كونهم الوحيدين في السوق ولامنافس لهم ولامضارب، وكذلك لا حسيب ولارقيب. وإذا أضفنا إلى ذلك أن حلفاءهم وشركاءهم في الحكومة يسربون لهم مضامين المراسيم قبل صدورها، ويمهدون لهم الأجواء المناسبة لصولاتهم وجولاتهم، يهيئون لهم المناخات، ويقترحون عليهم تواقيت العبث، فإن صورة مايجري تصبح مكتملة، وبالتالي يمكننا أن نستنتج كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، وإلى أين ستصل قريباً في حال استمر سيرها على هذه الشاكلة. (انظر الجدول المرفق)

رمضان... شهر المعجزات

من أكثر الأشياء التي تبعث على الاشمئزاز وتثير الغضب، هو ابتزاز الناس وسرقتهم أثناء تأديتهم لطقوسهم الدينية، فللأسف اعتاد الناس في بلدنا على تحمل الأسوأ قبل شهر رمضان وأثناءه، حيث ترتفع أسعار معظم المواد الاستهلاكية بشكل جنوني، وتستمر على ارتفاعها حتى انتهاء عيد الفطر، ورغم أن ذلك عائد لجشع التجار وانتهازيتهم، إلا أنه يجد من يبرره وفق قانون العرض والطلب، ولكن مايحدث في بلدنا منذ عشرين عاماً على الأقل، ولايستطيع المرء تحمله أو التغاضي عنه، هو أن حكوماتنا المتعاقبة، اعتادت أن تجعل من شهر الصوم فرصة دورية لرفع الأسعار، وتثبيتها بعد ذلك عند نفس المستوى بشكل نهائي، على الأقل حتى قدوم رمضان جديد، وبذلك أصبح هذا الشهر الفضيل مطية دائمة لتمرير السياسات الاقتصادية المجحفة بحق العباد، وبالتالي غدا نقمة على الناس، وما إن يشعروا بقدومه حتى يتوجسوا خيفة ويتوقعوا الأسوأ.

ولعل صدور المرسوم 61 في هذا التوقيت بالذات، أي قبيل شهر رمضان، وتزامنه أيضاً مع افتتاح المدارس، ومع استعدادات الناس لتخزين مؤونة الشتاء من خضار وفاكهة مجففة وغيرها، ومحاولة تأمين المحروقات للتدفئة، كل ذلك يجعلنا متأكدين من أن المسألة ليست مصادفة وأن وراء الأكمة ما وراءها!!

الغلاء وماذا بعد

ليس غلاء الأسعار الذي حدث مؤخراً بشكل مشبوه ومفتعل، إلا إشارة واضحة لما قد يحدث في المستقبل القريب، إذا آلت الأمور بشكل نهائي لقوى السوق المتوحشة، فهل يتعظ المراهنون على آولئك، أم أن آلاماً أخرى تنتظر الناس، ستكون وطأتها أشد على حياتهم ومعيشتهم، وستحمل صفة الديمومة هذه المرة؟

 

لقد بات من الهام أن يدرك المسؤولون أن كيل الجماهير الفقراء قد طفح، وأن أحوالهم قد وصلت إلى درجة من السوء والتقهقر قد لايتصورونها، وهم في أبراجهم العاجية وخلف مكاتبهم الموصدة في وجه العامة، وإذا استمر تخبطهم وعدم اكتراثهم، فقد يحصل مالا تحمد عقباه.. فهل وصلت الرسالة؟!!

معلومات إضافية

العدد رقم:
231