خبزنا... والشرير!!

 لو قيض لكاهن مسيحي من سورية التبشير في إحدى مناطق شرق آسيا، لكان عليه -بعد استسماح الرب طبعا- إدخال تعديل  طفيف على «أبانا الذي» ... فلكي يكون وعظه مفهوما و مقبولا هناك لوجب عليه القول «أعطنا أرزنا كفاف يومنا» بدل خبزنا !.

أما «نجنا من الشرير ... آمين» فتفهمها بسهولة جميع شعوب الأرض، خصوصا تلك التي ابتليت مثلنا في تاريخها و حاضرها بالإستعماريْن القديم و الحديث و أتباعهما و أعوانهما و أحصنة طروادة. عندنا، في غرب آسيا و حوض المتوسط، وخصوصا مشرقنا العربي حيث أبلغ السيد المسيح رسالته قبل ألفي عام، و حيث قبلها بستة آلاف سنة على الأقل زرع الإنسان القمح لأول مرة، لا شيء يعادل الخبز في مكونات سلتنا الغذائية، إنه «كفاف يومنا» الذي به نستغني، عند الفقر و الضرورة، عن باقي المكونات.

سر ترصيف الدقيق

في عام 1987 وصلت إلى قبالة مرفأ طرطوس سفينة محملة بالدقيق (الطحين)!، نعم الدقيق  تستغرب يا قارئي الشاب، فيومها لم يكن لا إنتاجنا الزراعي من القمح ولا الطاقة الصناعية للمطاحن كافيين لإنتاج ما يكفي من دقيق خبزنا كفاف يومنا. كان الطقس يومها عاصفا والبحر هائجاً، 7 «بوفور» بالمعايير البحرية، وبه يبلغ إرتفاع الموج 4-6 أمتار. ولتفريغ شحنة الدقيق لابد أولا من إدخال السفينة إلى حوض المرفأ و«تلبيصها» أي ترصيفها على الرصيف المخصص، و هذا العمل يقوم به المرشدون والبحارة وكلهم من رجال البحر الأشداء، لكن الميناء كان مغلقاً بسبب العاصفة والخروج بإذن إستثنائي إلى عرض البحر بزورق الإرشاد (وحتى بالقاطر) أقرب  إلى محاولة الانتحار منه إلى تأدية العمل والواجب. أتت التعليمات المشددة من دمشق: يجب بذل المستحيل لإدخال سفينة الدقيق ! .. في الأمر سر على ما يبدو. بعد عدة محاولات، محفوفة بالمخاطر الجمة على السفينة وحمولتها وعلى البوغاز (مدخل المرفأ من البحر)، والأهم على أرواح بحارتنا و بحارة السفينة، تمكن أحد مرشدينا المحنكين مع  ثلة من بحارته المجربين من إدخال السفينة وترصيفها، ليبدأ عمال المرفأ تفريغها بعد ساعات رغم الظروف الجوية القاسية. كان السر أن مخزون سورية من الدقيق قارب على النضوب ولم يكن لدينا ما يكفي من كفاف يومنا سوى أيام معدودات !

إبتزاز الكرامة الوطنية و القومية

في نفس العام 1987 اندلعت في معبر «ايريتس» شرارة الإنتفاضة الفلسطينية الأولى على يد العمال الغزاويين أثناء عبورهم إلى داخل فلسطين المحتلة عام 48 لبيع قوة عملهم هناك بغرض تأمين كفاف يوم أطفالهم. وبتفجر هذه الانتفاضة الباسلة ازداد الضغط الشعبي على رئيس دولة عربية كبرى لقطع العلاقات (التي كانت قد أقيمت أيام سلفه الخائن) مع الكيان الصهيوني المجرم في غفلة من الشعب الذي تم تخديره بأكاذيب الإنفتاح وتدفق الدولار. يومها لم يجد الرئيس المذكور وسيلة للتملص من هذا الضغط سوى ابتزاز شعبه بـ «رغيف العيش» الذي «يأتي نصفه من أمريكا» ولا يسعه «إغضابها» لهذا السبب، إما أن تسكتوا عن سياستي المتخاذلة وتتنازلوا عن كرامتكم الوطنية والقومية، أو أن تكتفوا بنصف رغيف كفافا ليومكم المترع أصلا بالبؤس، هكذا خاطبهم، ويا لبئس الخطاب.

نبوءة جبران من امريكا

«الويل لأمة تأكل مما لا تزرع ... وتشرب مما لا تعصر...  وتلبس مما لا تنسج !»، قالها «النبي» السوري جبران منذ مطالع القرن الفارط، يوم لم تكن قد غزت العالم بعد أكياس الدقيق الحاملة ألوان علم وطنه الثاني أمريكا، لتؤكل محتوياتها خبزا كفافا، وتخاط أكياسها لباسا يستر مؤخرات فقراء العالم ممن تخاذلت أنظمتهم الحاكمة (الشريك الأصغر في مائدة النهب والسلب الإمبريالي) عن تأمين العيش الكريم لهم. أما لجهة الشراب، فأيضا لم تكن قد عقدت بعد مقايضة «النفط مقابل الكوكاكولا» لشفط فوائض «البترودولار» من مشيخات النفط وإعادتها إلى «المركز» الإمبريالي.

لعل السالفتين المترعتين بالمرارة من طرطوس والقاهرة، ومعهما نبوءة جبران الفذة من أمريكا، كانت في خلفية من خطط في أواخر الثمانينات  تحقيق واحد من أهم القرارات الاستراتيجية المصيرية: الأمن الغذائي للشعب السوري كشرط أساسي للأمن القومي وللإرادة الوطنية الحرة واستقلال القرار السياسي!. وكان من البديهي أن يبدأ أمننا الغذائي في سورية من «خبزنا كفاف يومنا» لا من الكوكاكولا والهامبرغر، ولا حتى من البسكويت والعلكة على أحكام القانون 10.

انتقال ميزان الحبوب من الإستيراد إلى التصدير!!

في غضون سنوات قليلة من تطبيق سياسات الأمن الغذائي ودعم سعر الشراء، أغرق الفلاح السوري الكادح صوامع ومستودعات المؤسسة العامة للحبوب (وهي من كبريات مؤسسات القطاع العام الاقتصادي في سورية) بكميات من القمح فاقت كل التوقعات، فبعد أن كان المخزون لا يكفي سوى أيام معدودات أحياناً، تمكنت المؤسسة من بناء وإدامة مخزون استراتيجي يكفي عدة سنوات من القحط أو .. الحصار، وإنتقل ميزان الحبوب من الإستيراد إلى التصدير فحجزت سورية لنفسها موقعا مرموقا نسبيا على لائحة الدول المصدرة (خصوصا بالنسبة للقمح القاسي)، وهي لائحة تضم القليل القليل من بلدان «الجنوب» ومنها سورية وحدها بين الدول العربية.

تفاقم النظام المصري بفضل الانفتاح والتبعية!!

أما في مصر الشقيقة، فبفضل «الانفتاح» و «إقتصاد السوق» (أي إقتصاد التبعية)، يعاني إخوتنا هناك هذه الأيام من أزمة جدية في تأمين الخبز مع إرتفاع أسعاره وتدني نوعيته، وتواصل «حصة قمح أميركا» من رغيف العيش بالتزايد المضطرد بتناسب عكسي مع درجة حرية مصر وإستقلال إرادتها الوطنية، وقد راجت الشائعات قبل سنوات عن تدخل أمريكي -مباشر أو عبر البنك الدولي- لوقف تجارب الزراعة البعلية للقمح في محافظات شمال سيناء والساحل الشمالي!، تلك التجارب التي باشرها علماء مصريون أفاضل وإستعانوا فيها بالأقماح السورية المقاومة للجفاف التي طورتها مؤسسة إكثار البذار وهيئات بحثية زراعية أخرى في سورية. هذا وتستورد مصر القمح الأمريكي بسعر 1400 جنيه للطن أما سعر الشراء من الفلاح المصري فلا يزيد عن 700جنيه أي نحو نصف سعر الشراء الحالي لدينا ؟!. ولعله من المريب أن يأتي التفاقم الراهن لأزمة الخبز هناك متزامنا مع تردد النظام المصري حتى الآن في تنفيذ التعليمات الصادرة إليه من واشنطن بإعادة سفيره إلى تل أبيب والذي كان قد سُحب بخجل بُعيد إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الحالية الثانية «الويل لأمة ..».

فمن هي الجهة التي ستتولى المسؤولية  عموما ؟!

ولما كان الخبز والكرامة الوطنية في رأس أولويات سورية وهموم شعبها، يتساءل الكثير من المتابعين عما إذا كان الأمن الغذائي النسبي المتحقق إلى الآن، والذي يلزم تعزيزه لا تبديده، خصوصا في ضوء تحرك قاطع الطريق الأميركو-صهيوني لـ«محاسبة سورية» وتشديد الحصار عليها، عما إذا كان ذلك قد روعي عند إتخاذ القرار الأخير بدمج «وزارة التموين والتجارة الداخلية» مع «وزارة الإقتصاد والتجارة الخارجية» تحت إسم «وزارة التجارة» (الذي لا يوحي بحد ذاته بأي هم «تمويني» أو «أمن-غذائي»). فمن هي الجهة التي ستتولى مسؤولية «التموين» عموما ؟ وبالتحديد ماذا سيكون مصير «مؤسسات الأمن الغذائي التموينية» (كمؤسسة الحبوب والصوامع والمطاحن والمخابز والاستهلاكية والخزن والتبريد وغيرها) في ظل هذا الدمج ؟  ألن تفقد به و لو جزءا من أهميتها ووظيفتها الوطنية (الأمن الغذائي) والإجتماعية (تثبيت الأسعار ومنع تلاعب التجار بقوت الشعب)؟ وما هي الضمانة أن لا يسعى بعضهم للتعامل مع هذه المؤسسات الحيوية الوطنية-الإجتصادية بمنطق «التجارة» فيما لو أبقيت تحت سلطة (هل نقول: رحمة ؟) «وزارة التجارة»؟

فهل هناك من يسعى في الخفاء لتغيير «المهمة» بتهميش المؤسسات المنفذة لهذه المهمة أو إفراغها من محتواها، وبالتالي الحكم على نهج «الأمن الغذائي» للشعب والوطن بالموت البطيء، ونزع هذا السلاح الحيوي الخطير من أسلحة الدفاع الشامل السورية ؟

أم أن الشعب وقواه الحية، والضرورة الموضوعية المترتبة على الاحتدام الحتمي للمعركة الوطنية والقومية بفعل العربدة الصهيونية في فلسطين المحتلة والأمريكو-صهيونية في العراق، ستفرض صيانة «المهمة» وتضع مسألة تغيير «الكادر» غير الملائم لها على جدول الأعمال ؟ مهما بلغ حجم القوى الداعمة لهذا الكادر ؟!

مدافعون عن المصالح هم، أما نحن فسندافع ما حيينا عن خبزنا كفاف يومنا  اللهم نجنا من البنك الدولي والبورجوازية الجديدة و القديمة-المتجددة و من الشرير ... وإحفظ وطننا وطبقتنا العاملة والفلاحين وسائر الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم والشرائح الاجتماعية الوطنية المخلصة ... قولوا آمين.

 

■ بشير يوسف