يوسف البني يوسف البني

افتتاح المدارس يأتي في ظروف استثنائية ما حال الطلاب والمدرسين والهيئات الإدارية في ظل الأزمة القائمة؟

 يأتي موسم العودة إلى المدارس في مستهل العام الدراسي الجديد، ضمن ظروف استثنائية ومناخات عصيبة خلقها استمرار واستعصاء الأزمة التي تمر بها البلاد، والذي يتجلى بمواجهات متباينة الشدة في مختلف المدن والمناطق السورية على خلفية غياب الحلول الحقيقية والآمنة حتى الآن للخروج من الأزمة.. لقد اندلعت الاحتجاجات في معظم أرجاء البلاد ضد السياسات التي تسببت بإفقار الناس وتجويعهم، وانتقصت من حرياتهم، فنزل المواطنون السوريون إلى الشارع في مظاهرات ليعبروا عن استيائهم. ومن الطبيعي أن يكون المعلمون والمعلمات والطلاب في عداد المشاركين في هذه الاحتجاجات للمطالبة برفع الضيم الذي لحق بالقطاع التعليمي لعقود طويلة عانوا فيها من حالة التهميش والإقصاء، ومن التراجع الخطير للتعليم كماً ونوعاً، ومن التعيينات الوظيفية بالواسطة والمحسوبيات، وليس على قاعدة الكفاءة والأحقية.

وقبل أيام قليلة من موعد افتتاح العام الدراسي الجديد والتحاق ما يقارب ستة ملايين طالب بمقاعدهم الدراسية، واجهت السلطات استحقاق تفريغ المدارس من المعتقلين والموقوفين، حيث كان عدد من المدارس في أكثر من منطقة ومدينة سورية قد تحول إلى مراكز أمنية وأماكن اعتقال!.

 هموم ومخاوف مشروعة

مع عودة العام الدراسي الجديد استقبل الطلاب وأولياء الأمور هذه المناسبة، في كثير من مناطق التوتر، بفزع نتيجة خوف الأهالي على سلامة أطفالهم، وحول هذه المخاوف والمخاطر التقت «قاسيون» عدداً من الوافدين إلى غير مناطقهم، وبعض المقيمين في المناطق التي يسودها التوتر والمظاهر الأمنية غير المستقرة، وكانت لنا هذه التصريحات:

ـ السيدة (سعاد. ح) أم لخمسة أطفال، كانت قد هجرت بيتها في حمص لأكثر شهرين، ثم اضطرت للعودة إليه عند افتتاح المدارس، وقبل عودتها سألناها حول الظروف المحيطة بعودة أطفالها إلى المدرسة فقالت: «الله وحده يعلم بأية حال سنرسل أطفالنا إلى المدارس هذه السنة، فقد كنا في السنوات السابقة نشكو فقط من الوضع المالي السيئ، والضغوط المعيشية التي فرضتها علينا سياسات ظالمة اعتمدت أسلوب الإفقار والتجويع والتشريد، ومع ذلك كانت الحياة سهلة نوعاً ما، ويستطيع الإنسان تدبير رأسه وإطعام عياله وإكساءهم وتعليمهم، حتى ولو بشق النفس، وكان الاحتفال بعودة أبنائنا إلى الدراسة طقساً شبه احتفالي حين نشاهد منظرهم بملابسهم المدرسية الجديدة، وكتبهم وحقائبهم ذات الألوان الزاهية، ولم نكن نحس بالخوف والرعب الذي نحس به الآن لمجرد ذكر أن أطفالنا سيذهبون إلى المدارس، فتأخذنا الهواجس والقلق والظنون أنهم على الأغلب لن يعودوا إلى المنزل، فلربما يُختَطَفون من المجرمين والمسلحين، أو ربما يعتقَلون من الأمن لو أن أحد الأطفال تلفظ عن براءة بإحدى العبارات التي كثيراً ما سمعوها في وسائل الإعلام، والتي أصبحت بالنسبة للطرف الآخر شعاراً إرهابياً أو جريمة لا تغتفر..».

ـ (السيدة ؟ ) قالت: «أنا من حمص التي تحول عدد من مدارسها إلى مراكز اعتقال، ومؤخراً تم تفريغ بعض هذه المدارس من الموقوفين لحلول الموسم الدراسي، وانتقلت مراكز الاعتقال وتجميع الموقوفين إلى الأحياء السكنية، فقوات الأمن وعناصر من الجيش قاموا الأسبوع الماضي بمداهمات في عدة أحياء من مدينة حمص بحثاً عن شقق شاغرة غادرها أصحابها بسبب العمل أو الهجرة، وأفرغوا عدداً آخر من الشقق وسدوا منافذ الشوارع من الطرفين لتكون تلك الشقق مراكز أمنية ومجمعات للمعتقلين بدل المدارس».

ـ المدرس (إسماعيل. ص) قال: «للأسف هناك أعداد كبيرة من المدرسين حالهم كحال الكثيرين من المواطنين السوريين، هربوا من مدنهم ومناطقهم بسبب التهديدات التي تلقوها، أو تلافياً للخطر المحيط بهم من كل صوب، وخاصة انعدام الأمن وانعدام الاطمئنان على السلامة والحياة الآمنة، وتركوا منازلهم ليهربوا إلى مناطق أقل خطورة داخل سورية، ومن بين المهاجرين وموجة المشردين عائلات لديها طلاب في مختلف المراحل الدراسية، وكانت هجرتهم خوفاً من الاعتقال أو المصير المجهول، ففي جرمانا وحدها اكتظت المدارس، وزاد الطلب على إيجار الشقق السكنية المفروشة من الوافدين من المحافظات والمدن المهددة بالاجتياحات».

 

طلابنا يدفعون ثمن جرائم غيرهم

ـ المواطن (أبو سالم) من درعا قال: «لن أجازف بحياة ولدَي الاثنين، ولن أرسلهما إلى المدرسة هذا العام، وأنا متأكد أن المئات من طلابنا وأبنائنا، وربما الآلاف سيتعرضون لمخاطر مختلفة، إن كان الخطف أو القتل من المسلحين، مهما كان انتماؤهم، ولن أقامر بحياة ولدَي من أ جل إرضاء أكاذيب السلطة بأن البلاد بدأت تسترجع عافيتها وهدوءها، وبدأت تعيش في حالة أمن وسلام، إن الذهاب إلى المدارس محفوف بالمخاطر، فالعصابات المسلحة أحياناً، بعد اعتدائها على المدارس تجبر الطلاب على الخروج بمظاهرات مناوئة للنظام، وقد يكون القمع الأمني متربصاً بهم في أية لحظة، فيدفعون ثمن جريمة غيرهم، ويظهر أن المسؤولين في هذا البلد غير مهتمين بما يحدث لحياة الناس».

ـ المواطن (أبو بشار) عبّر عن الوضع المأساوي بتهكم فقال: «أي تعليم وأية سنة دراسية واعدة تتحدث عنها؟! هذا البلد أصبح في حكم الميت، وتتم عملية تمزيق جسمه من كثير من الأطراف المتآمرة، والتي لها مصلحة في تخريب البلد أو الابقاء على حالة التخلف والفساد المتغلغلة في مجتمعنا، ويتم زج طلابنا وأطفالنا في معركة ليست معركتهم، بل يتم تصفية الحسابات على أكتافهم، مع أنه من الضروري إبعاد القطاع التعليمي عن الخلافات السياسية وتصفية الحسابات بمختلف أنواعها، لأن التلميذ يحتاج إلى الظروف والشروط الملائمة الهادئة البعيدة عن التوتر والمشاكل ليكون فاعلاً في نهل العلم وإغناء الوطن بالكفاءات التي تحتاجها عملية البناء والتحرير، والتغيير نحو مجتمع ديمقراطي حر تسوده كرامة العيش وصدق الانتماء».

 

مشاكل ومطالب متراكمة

ـ المدرس (أسامة س) قال: «في ظل هذه الظروف المتوترة والأزمة التي تمر بها سورية، ومن ضمن الإصلاحات التي تعد بها الحكومة مختلف شرائح الشعب السوري، يجب أن تَحُل الإشكالات التي يعاني منها المدرسون منذ بداية العام الدراسي، فنحن نطالب بتسوية وضع الأساتذة الذين حُرِموا من التثبيت أو النقل، وخاصة ضمن قرار المسوغات التي تجيز نقل المعلمين بسبب تقريب الأزواج، أو مبررات النقل الاستثنائي، وكانت حركة التنقلات دائماً وعلى مدى سنوات طويلة محكومة ومرتبطة بطبيعة الفساد الذي يسود أجهزة وزارة التربية، والذي عمل على تكريسه منذ سنوات بعيدة، ومازال قائماً حتى اليوم، اعتماد الرشوة والمحسوبيات في كل التعاملات، علماً أنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك مدى رفعة وعي مدرسينا ومدرساتنا، وصدق انتمائهم لهذا الوطن، وعمق الحس الوطني والإحساس بالمسؤولية، والتفاني في تقديم أفضل جهودهم لتعليم أبنائنا وبناتنا، وانخراطهم الواعي والمسؤول مع جميع الفعاليات التربوية لإنجاح المناهج التعليمية ومخططات السنوات الدراسية على مختلف المراحل، من خلال مضاعفة الجهد لضمان إنهاء المقررات والبرامج في أحسن الظروف، وتأمين السير العادي والطبيعي للعملية التربوية والتعليمية بالرغم من كل الصعوبات والعراقيل والتعقيدات».

ـ المدرس (حسام ص) قال: «إننا نأسف جداً لهذا الوضع المتأزم الذي تمر به بلادنا نتيجة المعالجة الأمنية الخاطئة والمُبالَغ فيها، وكان يجب ألا تصل الأمور إلى هذا الحد من التأزم لو أن السلطات حاولت التعامل بديمقراطية مع الحركة الشعبية عند انطلاقها مطالِبةً بالحرية والكرامة والعيش المتوازن، إلا أن السلطات لم تستطع حل وتجاوز هذه الأزمة بحكمة وبروح ديمقراطية عالية أو أبوية، إلا أن خيار الحل الأمني والاعتقالات سببت إشكالية كبيرة حتى على صعيد العودة إلى مقاعد الدرس في العام الدراسي الجديد، فهناك تغييب واعتقال لبعض مدراء المدارس والمعلمين والمعلمات، وحتى بعض الطلاب والطالبات، والأسوأ من ذلك أنه يؤسفنا أن يبدأ خمسة ملايين وستمائة ألف طالب، حسب إحصائية وزارة التربية والتعليم، عامهم الدراسي وزملاءٌ لهم قد غيبهم الموت أو الإصابات، وأصبحت أماكنهم ليست أكثر من ذكرى مؤلمة لدى المتواجدين على مقاعد الدراسة حديثاً، بل إن الكثير من الطلاب قد بدؤوا الالتحاق بدوامهم وقد غيب الموت أو الاعتقال آباءهم، أو فرق السجن بين أب وابنه في اليوم الدراسي الأول، الذي كان يُعتبَر عيداً عند ذوي الطلاب الذين يفرحون لرؤية أبنائهم من جديد باللباس المدرسي، ويحملون الحقائب الملونة المملوءة بالكتب والأقلام، وكم من بنت تنتظر أباها لتخبره عن سعادة يومها الأول بالمدرسة، ولكنها لا تجده، كم هذا مؤسف ومحبط للطالب الذي سيدفع ثمن أخطاء الآخرين».

 

طرق مقطوعة وعودة غير آمنة

ـ الطالب (حيان ع) الوافد إلى منطقة هادئة نسبياً وآمنة هارباً من محافظة حماة مع ذويه قال: «من المؤكد أنه في مدرستي التي كنت فيها العام لدراسي الماضي، لم يكن افتتاح العام الدراسي الجديد لهذه السنة آمناً، ولا عودة زملائي إلى المدرسة آمنة، ففي ظل ازدياد التوتر والمظاهر المسلحة والممارسات الأمنية، تفاقمت الأزمة التي كنا نعاني منها طيلة الأشهر الأربعة الأخيرة من العام الدراسي الماضي، والتي استمرت حتى أثناء الامتحانات وما بعدها، فقد كانت الطرق الواصلة بين الأرياف والمدينة مقطوعة من مسلحين من الطرفين، العصابات المسلحة والأمن، وكلاهما كان يمنع الطلاب والموظفين من الوصول إلى أماكن دراستهم وعملهم، وأظن أن هذه الظاهرة مازالت مستمرة، بل وربما تكون قد تفاقمت أكثر في ظل ازدياد التوتر والتخريب والإرهاب، والأعمال غير القانونية التي سبَّبها ازدياد الدم النازف في الشارع السوري دون مبرر، وبالتالي من المؤكد أن هناك الكثير من الطلاب والمعلمين لم يحتفلوا حتى الآن بالعودة الآمنة إلى المدرسة».

ـ الطالب (رامي ب) قال: «إن المشاكل الناجمة عن الوضع المتأزم الاستثنائي الذي تمر به سورية كثيرة، ولكنها لم تُلغِ المشاكل الأساسية المتراكمة عبر سنوات طويلة، والمتمثلة بالفساد والمحسوبيات، والتسلط والتحكم دون وجه حق برغبات ومقدرات وإمكانيات وظروف الطلاب من بعض مديري المدارس، فعند التسجيل حديثاً في مدرسة ما، أو محاولة الانتقال من مدرسة إلى أخرى لسبب طارئ، كتغيير مكان السكن أو انتقال الطالب من مرحلة دراسية إلى أخرى، كثيراً ما يواجهه صَلف وتعنت مدير مدرسة، برفضه وإرساله إلى مدرسة بعيدة عن سكنه، أو حتى مجرد معارضة لرغبته بهذه المدرسة لأمر ما، وغالباً ما تكون حجة رفض استقبال الطالب أن العدد قد اكتمل وفاض عن الحاجة، ثم يتبين فيما بعد أن هذه المدرسة عادت واستقبلت طلاباً آخرين إما بالواسطات أو تحت أي ضغط ما، ويكون السبب الرئيسي لرفض استقبال الطلاب من البداية إما التهرب من تحمل المسؤولية، ومحاولة تخفيف العبء وإلقائه على مدرسة أخرى، أو ترك بعض المقاعد شاغرة للاستفادة منها بإرضاء فلان أو علتان، فرغم أن الأزمة كان من المفروض أن تنبهنا إلى أخطائنا، وتجعلنا متوادين ومتراحمين ومتجاوزين لكل مظاهر الفساد، على طريق التخلص منها والقضاء عليها، إلا أننا نجد أن الكثير من العقليات والممارسات الفاسدة تجد لها أرضية خصبة في ظل الانفلات والفوضى».

 

أمنيات بأيام أفضل

إذاً والحالة هذه نستطيع التأكيد أن طلابنا ومدرسينا، كما كل مواطن سوري، لا يشعرون بالأمان والاطمئنان، رغم تبجح الكثير من الأبواق ووسائل الإعلام، وحتى بعض رموز السلطة، بتحسن الوضع الأمني وعودة الاستقرار والهدوء إلى الساحة السورية، ونرى أن المدارس والصروح العلمية، حتى بما فيها الجامعات، قد أصبحت مراكز لتصفية الحسابات بين الطلاب والشبيحة الذين يستغلون الخلافات للبطش بالطرفين، المحق وغير المحق، دون تمييز.

إذن والحالة هذه، وضمن هذه الظروف الصعبة، لا يسعنا إلا أن نبارك لطلابنا ومعلمينا عامَهم الدراسي الجديد، ونحَيّي فيهم روح الجهاد العظيم في تحصيل التربية والتعليم، ونهيب بأبنائنا الطلبة بالاجتهاد في التحصيل العلمي، وتشريف أهاليهم ووطنهم الواعد بالحرية والديمقراطية، والذي سيفخر بهم، ولن يتقدم ويتطور من دونهم، فهم عماده وأساسه المتين.

وبهذه المناسبة نذكِّر الأساتذة الكرام بدورهم التاريخي في تربية وتعليم أبنائنا وبناتنا، وضرورة الحفاظ على حسن التعامل معهم، وأن يكونوا الآباء والأمهات البديلين عن أهاليهم في المدارس، وندعو أساتذتنا الكرام وأبناءنا الطلبة للتآزر والتعاون والمحبة، والتواصل البنّاء بين المعلمين وأولياء أمور الطلبة لبلوغ أرقى درجات النجاح والتفوق والتميز، سواء داخل المدرسة أو خارجها. فالمدرسة منطلق العلم والجهاد والأخلاق والمُثُل والتربية والتعليم. وإننا حين نهنئ طلابنا ومدرسينا بالعودة إلى المدرسة لا يسعنا إلا أن نتمنى لهم المزيد من التوفيق والتألق، فإن مسؤوليتنا جميعاً كبيرة، من أجل تكثيف الجهود والتوحد واليقظة، من أجل إنجاح السنة الدراسية الجديدة، والتصدي بمسؤولية عالية لكل من يحاول استهدافها وإفشالها، من مكونات القوى المضادة لإرادة الشعب السوري التي تسعى إلى تكريس الفوضى وتأييد الانفلات خدمةً لمصالحها ومخططاتها، وهنا نؤكد على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وخاصة المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات، ولأنها صفحة جديدة وسنة دراسية جديدة تُفتتَح في ظروف استثنائية متأزمة، فإننا نؤكد مرة أخرى على ضرورة تضافر جهود جميع الأطراف، الأمن والجيش الوطني والقائمين على الشأن التربوي، لإنجاح العودة إلى مقاعد الدرس، حتى تكون العودة موفقة، وتؤدي المهمة المأمولة منها بنجاح وتميُّز.